حبل التقرير السياسي الصادر عن المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الـ22، المنعقد قبل أسبوع، بمواقف سياسية واضحة وبتحليل معزز بأفكار عميقة ومعطيات مُحيّنة تغطي السنة الجارية (2018).

توزع التقرير على محاور عدة؛ خارجية ديبلوماسية، وسياسية داخلية، واقتصادية، واجتماعية، وحقوقية… نعيد طرحه بشكل موزع على حلقات/محاور تسهيلا لاطلاع القراء على مضامينه الغنية.

اليوم مع الفقرة الختامية:

ختـــامــاً:

أمام هذا المشهد الذي يطبعه نظام سياسي مغرق في السلطوية، وأداء اقتصادي غارق في الريع، ووضع اجتماعي عنوانه الهشاشة والتفقير، اشتدت الأزمة وبدأت تعلن عن نفسها بشكل أكثر وضوحا وجرأة واضعة أصبعها على مكامن الداء. فأصبحت أصوات الأنين الخافت ترتفع وعلامات البؤس المخفية تبرز نفسها، فما عادت تسعفها المساحيق الزائلة ولا الشعارات اليائسة ولا الوعود الكاذبة. هكذا استعاد الشعب المغربي زمام المبادرة فسجل حركية مجتمعية متنامية، وفي مناطق جغرافية متعددة، وضمت شرائح متنوعة، انطلقت من مطالب اجتماعية وطالت الأوضاع الاقتصادية، حاملة معها سؤال السياسة الدائم في المغرب: كيف الخلاص من الاستبداد والفساد؟

فتزايد الرفض لسياسات تنتج التخلف والبؤس وانسداد الأفق أمام الشباب وعموم المواطنين، وتوالت الأشكال والأنماط الاحتجاجية بما يظهر إبداع المغاربة؛ من الريف الذي صار أيقونة في قلب باقي المدن، وقدم نموذجا في النضال والصمود والتضحية والمسؤولية، إلى جرادة التي أظهرت أن التهميش المرسوم والاستبعاد المقصود لم يكن ليمنع انبثاق الأشكال الراقية الحضارية والسلمية النضالية والصمود والمضاء، وغيرها من المناطق والشرائح التي أكدت مجددا أن الشعب المغربي يعرف دينامية حقيقية وحركية متنامية يواجه من خلالها انسداد المشهد الرسمي وانغلاقه على التسلط والاستبداد والريع ومصالح الكبار. ذلك أن انتصار الحق على الظلم هي سنة الله الثابتة التي لا تحابي أحدا، مهما تغول الظالم أو بدت الآفاق مغلقة، والتاريخ يعلمنا أن الباطل إلى زوال وأن إرادة وهمة الشعوب قادرة على تحقيق التغيير.  

إن هذه الديناميات المجتمعية، والتي تعد بحق مؤشرا إيجابيا وأملا للبناء وتنبيها لعلّ القابضين على السلطة يستفيقون، تضع بين أيدينا وبين أيدي المعنيين والمهتمين والمتابعين جملة دلالات أساسية، أهمها:

–      أن الشارع المغربي يعيش حالة حقيقية من الدينامية والحركية، رافضا الاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي، خاصة لما لهما من ارتدادات سلبية أكيدة على الشأن الاجتماعي. هذه الدينامية التي انطلقت منذ سنوات طويلة، وترسخت بعمق مع حراك 2011، تُواصل نموها واتساعها وتعاظمها وتُعدد في أشكالها وأنماطها وسبلها.

–      أن حركية المجتمع المغربي تتميز بمستوى، جِدّ مبشر، من النضج والمسؤولية والقوة، ويكفينا أن نشير إلى ثلاثية بارزة؛ وهي: السلمية التي غدت نهجا راسخا يمنح الاحتجاجات الصلابة والتميز، وسلوك الآليات الإبداعية وحسن توظيفها وما خبر المقاطعة الاقتصادية وتزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي رغم كل القيود والتضييقات عنا ببعيد، وتنوع خارطة المشاركين وثراؤها وزخمها جغرافيا وشرائحيا.

–      أن نظام الحكم لم يستطع قراءة عمق ما يجري واتجاهه، وكأنها سكرة السلطنة تعمي وتصم، فلم يتفاعل إيجابا مع مطالب مجتمع يقدم نفسه باعتباره ممثلا له، بل وعاقبه على جرأته حين خرج يطلب الحرية، المأسورة، والكرامة، المدوسة، والعدالة، المفقودة.

هنا يطرح السؤال العريض عن مسؤولية النخب والتنظيمات السياسية والحقوقية والمدنية والاجتماعية إزاء ما يجري، ذلك أن هذا المعطى الجديد الذي يفرض نفسه بشكل متصاعد في الساحة (الحراك المجتمعي) يحمل الحركات والتيارات والعلماء مسؤولية مضاعفة ومتزايدة للبحث في فاعليتها ودورها وإسهامها وريادتها في معركة تحرير الإنسان والتغيير الحقيقي لواقع البؤس والتيه.

إنه الدور التاريخي الذي ينبغي أن يعيه الجميع في هذه الأزمة التي بلغت مداها، دور يستلزم الترفع عن الحسابات والخندقة الحزبية المتعصبة، من أجل اصطفاف حقيقي ومنسجم مع الشعب المغربي في محنته وحركيته وسعيه الحثيث نحو التحرر من ربقة العبودية الجبرية. اصطفاف مبني على الحوار والتوافق والوضوح والمسؤولية، بعيدا عن منطق الاحتكار والإقصاء والتفرقة التي تقدم خدمة كبيرة للاستبداد والفساد وتزيد من عمره وتشجعه أكثر على استنزاف ثروات البلاد وتضييق الخناق أكثر على الشعب.

إنه الواجب الذي لا مناص من القيام به من أجل مباشرة إجراءات سياسية واقتصادية واجتماعية عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإلا فإن واقع التشتت الذي تعيشه القوى الحية، من جهة، والتخريب المخزني المتسارع لمقومات البلاد وثرواته المادية والأخلاقية والبشرية، من جهة ثانية، يفتح بلادنا على المجهول الذي لا يتمناه أي مواطن حر لبلده فأحرى أن يكون فاعلا مجتمعيا عليه مسؤوليات وواجبات.

والحمد لله رب العالمين.