مجالس النصيحة مجالس إيمانية تربوية أسبوعية أو نصف شهرية تعقدها الجماعة بانتظام، يُتَعَلَّم فيها الإيمان والإحسان، وتتغذى فيها القلوب والأرواح.

يستغرق برنامج مجلس النصيحة ما بين العشاءين إلى شروق شمس الغد، ويتنوع ما بين ذكر الله وختم القرآن الكريم ومدارسة ما تيسر من آياته والتفقه في الدين وقيام الليل والاستغفار بالأسحار والتسبيح والدعاء…

ومجلس النصيحة لا يأخذ الصبغة التنظيمية الإلزامية، إذ المعوّل فيه على التطوع والرغبة، والاستعداد والقابلية، فضلا عن حد لا بأس به من الكفاءة والأهلية يُشترط توفرها في المشرفين عليه، وتبقى الضوابط التنظيمية مساعدا لا وصيا.

عمّت هذه المجالس مختلف مناطق المغرب بوتيرة متدرجة، بعد الرسالة التي وجهها مرشد الجماعة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله إلى أول رباط عقد لتدبير وتنظيم مجالس النصيحة يوم الخميس 5 رجب 1418ه، الموافق 6 نونبر 1997م. وسماها الإمام المجدد “مجالس النصيحة” انطلاقا من الحديث الشريف الذي رواه مسلم عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “الدِّينُ النَّصِيحَةُ”. قُلْنَا لِمَنْ؟ قال: “لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ”. 

ورسالة الإمام حول مجالس النصيحة تشي بما للرجل من رؤية تربوية ترسم الغاية من التربية وما يوصل إليها، وتحدد شروطها وما يُنْجِحها، وتضع أسسها وأولوياتها لتكون بانية شاملة عميقة فاحصة دقيقة.

وفي ما يلي النص الكامل لهذه الرسالة:

سيدي محمد عبادي وسائر من معه في الرباط المبارك ثم الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كتب الله لكم الحسنى ووفقكم لما يحبه ويرضاه، وختم لكم ولنا وللمسلمين بعاقبة المتقين آمين.

في مجالس النصيحة، إخوتي، تنشرح الصدور ببركة الصحبة والذكر، وبركة صدق المتجالسين في الله، أتمّ الله علينا نعمة ذلك، وجعل مجالسنا كذلك. هذا الدعاء، والرجاء في المولى الكريم الوهاب الخير الجميل.

أما واجبنا أن نعطي لهذه المجالس ما تستحق من التوقير، وما تتطلب من حسن المواساة. أعني بحسن المواساة حضور الإخوة المسؤولين تنظيميا جنبا إلى جنب، عبادا لله مفتقرين إلى رحمته، مع سائر المؤمنين. فإنني أخشى أن يصبح التجالس في الله نية يفسدها تكبر بعض الأنفس، فإذا للشيطان حليف الأنفس فيها نصيب، وإذا النصيحة – وهي جمع وانجماع على الله – قد خرقها خارق مما تكسب أيدي الناس.

فإن في كل مجلس أرزاقا معنوية يأخذ حظه منها من حضر وواسى بنفسه وحارب النفس والكسل وقلة المبالاة.

لكني لا أزعم أن على كل أخ أن يحضر – مكرها إكراها أدبيا – وهو لا حاجة له عند الله تعالى، ولا خبر عنده أن مجالس النصيحة بعض حضرات قضاء الحاجات العظمى لمن واظب وبسط كفي راحتيه وأكف ضراعته مع إخوته.

ذلك نأخذ منه ما يعطي طوعا، ونحاول فتح سمع قلبه بالتـي هي أحسن لعل له عند الله تعالى سابقة.

ثم إن من المؤمنين والمؤمنات من لا يدرك أهمية حضور مجالس الإيمان والنصيحة، يمنعه من ذلك فترة مؤقتة أو نفرة من مُبَلِّغٍ لم يُؤَلِّفْ ولم يُحَبِّبْ.

تذهب إلى من لم يجئك، فذلك حظك من سنة السعي إلى الوفود.

لذا فشكر نعمة الله علينا أن هدانا لذكره والتعاون على بره يقتضي منا أن نبلغ ونؤلف ونحبب ونأخذ باليد بالرفق والملازمة والتفقد والاصطحاب، فردا فردا، يوما بعد يوم، مرة بعد مرة، حتى ترسخ الأقدام وحتى يحصل فلان وفلانة في صحيفة الداعي والداعية. تلح على من ترجوه، وتقرع عليه الباب حسا ومعنى، وإلا بقيت مجالسنا قببا مغلقة لا شمس ولا هواء. فرب إخوان وأخوات تنتظرهم الأرزاق الروحية الجزيلة حُرمْنا حَظنا منها إذ لم نخبر ولم ندع ولم نؤلف ولم نأخذ باليد. ويسبقني أنا الساكت الأخرس، أو البخيل بخطواتي ومواساتي سابق يبلغ ويأخذ باليد فينال جزاء من هدى الله به. وإن الهداية هدايات: كافر يدخل الإسلام مهتديا، ومسلم يخطو نحو الإيمان مقتفيا، ومؤمن يرتقي صحبتك مرتديا حلل القرب من الله عز وجل. ذلك الفوز الكبير. “لأن يهدي الله بك رجلا واحدا…” سنة مؤكدة.

أحدثكم أحبتي، عن الذكر بمعناه الأهم ابتداء من الصلاة وحضور الجماعات. فإن من الإخوان من يحسب أن مقامات الإحسان يتبوؤها المرء قفزا، كلا والله ما يكون إناؤك إلا مثقوبا لا يمسك قطرة، مثلوما لا يبهج نظرة، إن فرطت فيما فرضه الله عليك من عبادات فردية، وقصّرت في فرض الصلاة – الصبح في المسجد – ونفلها، وفرض الذكر ونفله. ونتحدث بعد ذلك – وبعد ذلك فقط – عن السعي الجهادي والعمل داخل الصف، وسائر شعب الإيمان والجهاد.

لا إله إلا الله أعلى شعب الإيمان. فما يقول جليس فينا ليس له ورد من الذكر، ولا جلسة للاستغفار بالأسحار؟

كيف يُنتظر ممن لا زمام يمسكه عن التسيب في الأوقات من ورد لازم، وجلوس للذكر عازم أن يرقى إلى مقام دوام الذكر ودوام التضرع ودوام الطلب؟ يفتر الطلب، وتتفتت العزيمة، وينقطع الحبل إن لم يكن الورد دواما ومداومة وصبرا ومصابرة.

بعد ذلك فقط نتحدث عن الصبر في الغد الجهادي لا قبله. اختاروا لمجالسكم من له قابلية واستعداد، لا يكن مجلسكم سوقا في المساومة.

ماتت قلوب، وانهار بناء، وذبل غرس لمَّا لم يتعهد المرء ما غرس، ولم يسهر على البناء كيلا تنبشه اللصوص، ولم يطهر القلب من جراثيم الغفلة، وخاب متطفل لا أدب معه.

حدثتكم أحبتي عن المواساة وهي صحبة وتأليف، وعن الذكر وهو ماء حياة القلب، وأحدثكم في ثالث نَفَسٍ عن الصدق. اختاروا لمجالسكم من أعطى للصدق برهانا، وللصادقين عنوانا.

لا يصدق في طلب الله عز وجل منافق أبدا، ولا جاهل بأن الله عز وجل يُراد ويُطلب ما دام جاهلا. ولا متكبر لا يصدق اللهَ عز وجل الذي أخبرنا في الحديث القدسي أنه تعالى مع الجائع الظمآن، والمريض والأشعث الأغبر، ولا هاوٍ يستلطف مجالسة فلان وفلان.

الصدق في القلب بينك وبين الله تعالى، لا يستطيع عبد أن يعالج مرضك وخللك من جانب الصدق. لا يقترب من ذلك إلا تصفحك لنفسك صباح مساء، ومقارنة تخاذلك باجتهاد غيـرك أحياء وأمواتا، وبكاؤك على ربك الكريم أن يمسح غبار الغفلة وعفن الاستغناء بمكاسبك من الطاعات مهما كانت، واستعانتك بإخوتك في مجالس النصيحة، تسمع وتشارك، وتحضر وتواسي بنـية المحتاج لا بالتصدر للرئاسة.

إنه لا يرقد في قبرك غيـرك، ولا يتبوأ مقعد الصدق عند الله تعالى من يتسلق على أعين الناس وقلبُه هواء خواء من صدق الطلب، وصدق الهجرة، وصدق النصرة، وصدق الحاجة إلى المولى.

بارك الله لكم أحبتي في رباطكم هذا وفي سائر رباطات المؤمنين والمؤمنات.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سلا الخميس 5 رجب 1418ه.

عبد السلام ياسين يسألكم الدعاء الصالح.