إنّ دراسةَ الحضاراتِ الإنسانية تُوقِفُنا على حقيقة كبرى، هي أنّ مصيرَ الإنسان يتوقّف دائماً على أمرين: علاقتِه بربّه، وعلاقتِه بأخيه الإنسان، والبعدُ الروحيُّ والأخلاقيُّ هو المركزُ والمحورُ في هاتين العلاقتين، وحين يَنْحطّ الإنسانُ وينحطُّ المجتمعُ يتحوّلُ عن عبادته لربه إلى عبادته لذاته وشهواته، وتَسودُ علاقتَه بالآخرين القوةُ بدلَ الرحمة، والقمعُ بدلَ التفاهم، وينصرف عن العناية بالروح إلى العناية بالجسد، وعن الاهتمام بالمبدأ إلى الاهتمام بالمصلحة، ويتحوّلُ المجتمعُ كلُّه إلى غابةٍ يشعر كلُّ واحدٍ فيها أنّ مِن حقِّه افتراسَ الآخرين، كما أنّه من الممكن أنْ يكون فريسةً لواحد منهم.

إن الطريقُ الوحيدُ للحيلولة دونَ هذه الحالة يكمن في تدعيم التربية الروحية، وتعزيز علاقة العبد بربه جل وعلا، وهذا الحلُّ وإنْ كان مُكْلِفاً على المدى القريب، فإنّه سفينةُ نوحٍ على المدى البعيد.

لن يكون بإمكانِ أفضلِ النُظُمِ الاجتماعيةِ، ولا في إمكانِ أَقصى العقوباتِ الصارمةِ أنْ تقوِّم الاعوجاجَ، ولا أنْ تملأ الفراغَ الناشئَ مِن ذبولِ الرُّوح، وانحطاط القيم؛ فالعقوبات لا تنشئ مجتمعاً لكنها تحميه، والنظم مهما تكن مُحكَمة ومتقَنة لنْ تحُولَ دون تجاوزِ الإنسانِ لها، وتأويلها بما يجهضها، وكل الحضارات المندثرة تركت تنظيماتها وأدوات ضبطها خلفها شاهدةً على نفسها بالعقم والعجز.

تعريف الروح لغة واصطلاحا

الروح في اللغة

قال ابن فارس (الرَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْحَاءُ أَصْلٌ كَبِيرٌ مُطَّرِدٌ، يَدُلُّ عَلَى سَعَةٍ وَفُسْحَةٍ وَاطِّرَادٍ) 1، والروح للإنسان وغيره 2. وجمع الروح: أرواح 3.

والروح تعني الإحياء من الموات.

يقول ابن منظور في لسـان العرب: والروح بالضم في كلام العرب النفخ، سمي روحاً لأنه ريح يخرج من الروح) 4.

الروح في الاصطلاح

يقسم الجرجاني الروح إلى ثلاثة أقسام فيقول: (الروح الإنساني: هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان، الراكبة على الروح الحيواني، نازل من عالم الأمر، تعجز العقول عن إدراك كنهه، وتلك الروح قد تكون مجردة، وقد تكون منطبقة في البدن.

الروح الحيواني: جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني، وينتشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن. 

الروح الأعظم: الذي هو الروح الإنساني مظهر الذات الإلهية من حيث ربوبيتها، ولذلك لا يمكن أن يحوم حولها حائم، ولا يروم وصلها رائم، ولا يعلم كنهها إلا الله تعالى) 5.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في تحديد ماهية الروح (وهي جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكاً لهذه الأعضاء أفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الروح) 6.

يقول محمد قطب (الروح؛ تلك الطاقة المجهولة التي لا نعرف كنهها ولا طريقة عملها، هي وسيلتنا للاتصال بالله) 7.

الروح في القرآن الكريم

أطلقـت كلمة روح في القرآن الكريم، على عدة أشياء كل منها يبعث نوعاً من أنواع الحياة. ومن بينها:

القران نفسه لأنه يحي موات القلوب. قال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا 8.

وجبريل عليه السلام لأنه هو الذي ينفخ الأرواح في الأرحــــام. قال الله عز وجل: وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين 9.

وعيسى عليه السلام لأنه كان يحيي الموتى بإذن الله، قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ 10.

وكلمة الروح فضفاضة يمكن أن تأخذ معنى الصفة وأن تطلق مجازاً على كل ما يبعث الحياة في شيء. وكلمة الحياة هذه بدورها أيضا كلمة فضفاضة واسعة المعنى جداً.

فهناك أنواع كثيرة من الحياة منها ما هو حقيـقي ومنها ما هو مجازي. من ذلك مثلاً حياة الجسـد بالغذاء والماء والهواء، وحياة الأرض بالزراعة والري، وحياة القلوب بالعلم والإيمان والذكر، وحياة الجسـد الخامل بالحركة والسـعي وهكذا. كل هذه الأحوال يمكن أن نصفها بأنها حياة.

و(الروح في القرآن هي محرك الإنسان نحو تحقيق أهدافه. وقد فطر الإنسان على الإيمان بوحدانية الله وألوهيته، ولا يفسد فطرته الإنسانية إلا عامل خارجي عنها، وأن طبيعته الإنسانية طبيعة مزدوجة، فقد خلق الإنسان من مادة وروح باستعدادات متساوية للخير والشر) 11.

يتبع إن شاء الله.


[1] مقاييس اللغة لابن فارس مادة (روح) ج 2 ص 454.
[2] مجمل اللغة لابن فارس مادة (روح) ج 1 ص 404.
[3] لسان العرب لابن منظور مادة (روح) ج 2 ص 455.
[4] المصدر نفسه مادة (روح) ج 2 ص 459.
[5] التعريفات للجرجاني باب الراء ص 112.
[6] الروح لابن القيم ص 226.
[7] منهج التربية الإسلامية لمحمد قطب ج 1 ص 40.
[8] الشورى/52.
[9] الشعراء/ 192.
[10] النساء/ 171.
[11] التربية الإسلامية أصولها ومنهجها ومعلمها لعاطف السيد ص 38.