عشر سنوات مرت على رحيل سيدي محمد العلوي السليماني رحمه الله. مرت كلمح البصر. مدة كافية ليُطوى التاريخ، ويصبح أثر الرجال في خبر كان، ونقول: “كان بيننا في يوم من الأيام رجل صالح رحمه الله”. وفي أحسن الأحوال تتلى الفاتحة على روحه الطاهرة، ويقرأ القرآن في ليلة واحدة، وتصبح الذكرى السنوية مناسبة كباقي المناسبات، ويدخل في دائرة النسيان.
لكن سيدي محمد العلوي السليماني رجل وأي رجل! رجل يستعصي على النسيان رغم مرور الأيام، فهو من هو رحمه الله وأعلى قدره عنده. لا يمكن لكل من استقرت عينه عليه أن ينسى كرم شريف النسب وشريف الأخلاق. أكرمه الله من نعمه الظاهرة والباطنة وأنفق بسخاء من عطايا مولاه على خلق الله. أعطاه الله قلبا كبيرا تربع فيه أهل الصحبة والجماعة. كان لسانه يلهج بذكر الله على الدوام. أعطى بيمينه ما لا تعلم شماله، فزاده الله من فضله. وزاده الله نورا على نور.
هذا حال أولياء الله الصالحين المصلحين في الدنيا؛ شمس دافئة بالنهار وكوكب منير بالليل. سراج منير يضيء الطريق ويأخذ بيد من يريد أن يسلك الصراط المستقيم ويرتقي في مدارج السالكين إسلاما وإيمانا وإحسانا.
هكذا عرفنا سي العلوي، رجل يعلمك الأخلاق الفاضلة بحاله ويلقنك مبادئ الرجولة بإقدامه، ويكسبك المحبة بصحبته، ويطمئن عليك من همسات الشياطين، إن وضعت قدمك في طريق السلوك في حضن الجماعة التي تربيك، لتصبح لبنة من لبنات الحصن الحصين، وبذلك تبني مع الصالحين الصرح العالي، وتبلغ المقام السامي. وتنال المقام العالي إن تغذيت من مائدة الصحبة في دار الجماعة. وهو القائل رحمه الله: “باب الصحبة الجماعة، فتكون كالخيط الذي يخيط إن نفذ من فتحة الإبرة”
الرجل الذي تحل بِنَا اليوم ذكراه، بكته العين لرحيله، وسالت الدمعة لفقدانه. حزن البعيد قبل القريب على اختفاء ظله، وتألم الصغير قبل الكبير على فراغ مكانه. ذلك لأن الفقيد متعه الله في حياته بخصال الرجال العظام، محبا محبوبا، صادقا صدوقا، صاحبا مصحوبا…
لا يخفي فرحه بك إن وجدك تغشى مجالس النصيحة والتربية والتعليم. كم هي جميلة نظرته إن وجدك تغشى مجالس العلم والإحسان، وكم هي قاسية نظرته إن غفلت عن مجالس الذكر والقرآن.
لا تستطيع أن تدخل المدينة الحمراء دون أن تطرق باب الشريف لتتمتع بمجالسة سليل سبعة رجال. فكل من ضاقت عليه الأرض بما رحبت وقصده يفتح له باب الفرح بالله، وكل من اسودت الدنيا في عينيه يفتح له باب الآخرة ليملأها بأنوار الجمال والجلال. وكل من استفتاه في كبيرة أو صغيرة دله على الطريق.
فكيف ننساك سيدي، وكيف لنا أن نخلع جلباب من ربونا صغارا، وتحملوا أعباءنا ورعوناتنا؟
رجال صدقوا الله وأرادوا أن نصبح رجالا مثلهم أو أحسن منهم ونكتسب إيمانا وإحسانا: نعبد الله كأننا نراه فإن لم نكن نراه فهو يرانا.
رجال حمَّلونا مسؤولية البناء، ونسلم المشعل لأجيال يسترشدون بالقرآن إلى أن نلقى الله وهو راض عنا.
والموعد الله.