النبي صلى الله عليه وسلم يرد على من سلم عليه

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من أحد يصلي علي إلا رد الله تعالى علي روحي حتى أرد عليه) وعند الطبراني: (من صلى علي من قريب سمعته، ومن صلى علي من بعيد أبلغته). فأخرج الأول الإمام أحمد وأبو داود في سننه بإسناد صحيح، قال الفيروز أبادي: فإن قلت ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: رد علي روحي ؟ قلت: ذكر عنه جوابان: أحدهما ذكره البيهقي وهو: أن المعنى إلا وقد رد الله علي روحي يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما مات ودفن رد الله عليه روحه لأجل رد سلام من يسلم عليه، واستمرت في جسده صلى الله عليه وسلم. والثاني: ذكره شيخنا أبو الحسن بن عبد الكافي وهو: أنه يحتمل أن يكون ردا معنويا وأن تكون روحه الشريفة مشتغلة بشهود الحضرة الإلهية والملأ الأعلى عن هذا العالم، فإذا سلم عليه أقبلت روحه الشريفة على هذا العالم ليدرك سلام من سلم عليه فترد عليه. والله أعلم.

وأخرج البزار وأبو الشيخ وابن حبان من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وكل بقبري ملكا فأعطاه أسماع الخلق {وفي المنذري: أسماء الخلق} فلا يصلي علي أحد إلى يوم القيامة إلا بلغني باسمه واسم أبيه هذا فلان ابن فلان قد صلى عليك) قال الشوكاني: زاد أبو الشيخ (فيصلي الرب تعالى على ذلك الرجل بكل واحدة عشرا) وأخرج الطبراني في الكبير بنحوه. قال ابن حجر: رووه كلهم عن نعيم بن هضيم وفيه خلاف عن عمران الحميري ولا يعرف (قوله: إلا رد الله علي روحي)، لفظ أحمد: إلا رد الله إلي روحي، قال القسطلاني وهو ألطف وأنسب، وبين التعديتين فرق لطيف، فإن رد يتعدى كما قال الراغب: بعَلى في الإهانة، وبإلى في الإكرام، قيل والمراد برد الروح النطق لأنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره وروحه لا تفارقه لما صح (إن الأنبياء أحياء في قبورهم). كذا قال ابن الملقن وغيره. وقال ابن حجر: الأحسن أن يؤول رد الروح بحصول الفكر كما قالوه في خبر (يغان على قلبي) وقال الطيبي معناه أنها تكون روحه القدسية في الحضرة الإلهية، فإن بلغه السلام من أحد من الأمة رد الله روحه في تلك الحالة إلى رد (في نسخة: يرد) سلام من يسلم عليه. وفي المقام أجوبة كثيرة، وهذا الذي ذكرنا أحسنها. والاقتصار في الحديث على السلام لا يدل على أن الصلاة ليست كذلك كما ذكرناه في الحديث المتقدم قبل هذا، وكما يفيد ذلك حديث عمار الذي ذكرناه. [تحفة الذاكرين: 35-36].

ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يسلم علي في شرق ولا في غرب إلا وأنا وملائكة ربي نرد عليه السلام، فقال قائل: يا رسول الله ما بال أهل المدينة؟ قال: وما يقال لكريم في جيرته وجيرانه، إنه مما أمر به من حفظ الجوار وحفظ الجيران) قال محمد بن عثمان الحافظ هذا ومعه العمري وهو كما قال، فإن هذا الإسناد لا يحتمل هذا الحديث.

“إنكم تعرضون علي بأسمائكم وسيماكم”

وكفى بالعبد فضلا أن يذكر باسمه واسم أبيه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عن مجاهد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم تعرضون علي بأسمائكم وسيماكم، فأحسنوا الصلاة علي) رواه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمان النميري في كتاب الإعلام هكذا مرسلا.

وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عمار بن ياسر إن الله أعطى ملكا من الملائكة أسماع الخلائق {وفي لفظ: أسماء الخلائق} وهو قائم على قبري إلى أن تقوم الساعة، ليس أحد من أمتي يصلي علي صلاة إلا قال: يا أحمد، فلان ابن فلان باسمه واسم أبيه صلى عليك كذا {وكذا}، وضمن { لي } الرب عز وجل أنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا، وإن زاد زاده الله) أخرجه البزار في مسنده، ورواه ابن عساكر من طرق مختلفة وفي لفظ له: (إن الله تعالى أعطاني ملكا من الملائكة، يقوم على قبري إذا أنا مت، فلا يصلي علي أحد إلا قال: فلان ابن فلان باسمه واسم أبيه، فيصلي الله تعالى عليه مكانها عشرا).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (… ثم يوكل الله تعالى بذلك ملكا يدخله في قبري كما تدخل عليكم الهدايا، يخبرني من صلى علي باسمه ونسبه إلى عشيرته، فأثبته عندي في صحيفة بيضاء) ذكره البيهقي في الجزء الذي ذكر فيه حياة الأنبياء، وابن بشكوال الحافظ وغيرهما، ورواه أبو اليمن بن عساكر وزاد في آخره: (أن علمي بعد موتي كعلمي في الحياة).

الصلاة على النبي سبب لقبول الدعاء

فإنه يُبتدأ بحمد الله والثناء عليه ثم بالصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم ثم يذكر كلامه بعد ذلك [جلاء الأفهام: 261].

عن فضالة بن عبيد [رضي الله عنه] أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله تعالى والثناء عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حسن صحيح على شرط مسلم، ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أبو داود وابن خزيمة في صحيحه وقال: الترمذي والحاكم والطوسي: صحيح. [الصلات والبشر: 67].

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنت أصلي فلما جلست بدأت بالثناء على الله تعالى، ثم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم دعوت لنفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (سل تعطه، سل تعطه). [الصلات والبشر: 84].

الصلاة على النبي تقوم مقام الصدقة لذي العسرة

عن أبي سعيد الخدري [رضي الله عنه] عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل مسلم لم يكن عنده صدقة فليقل في دعائه: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، وصل على المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، فإنها زكاة، وقال: لا يشبع مؤمن من خير حتى يكون منتهاه الجنة) رواه ابن حبان في صحيحه، وترجم الفضل بذكر البيان بأن صلاة الداعي ربه على صفيه صلى الله عليه وسلم في دعائه تكون صدقة له عند عدم القدرة عليها). [الصلات والبشر: 59].

وأيضا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما عبد اكتسب مالا من حلال فأطعم نفسه أو كساها فمن دونه من خلق الله تعالى فإنه زكاة له، وأيما رجل مؤمن لم يكن عنده صدقة فليقل في دعائه: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، وصل على المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات فإنها كفارة له). رواه ابن بشكوال. [الصلات: 59].

وقد سئل بعضهم عن الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم والصدقة أيهما أفضل؟ فقال: الصلاة على محمد، فقيل له: سواء كانت الصدقة فرضا أو نفلا؟ فقال: نعم، لأن الفرض الذي افترضه الله على عباده وفعله هو وملائكته ليس كالفرض الذي على عباده فقط، ولا يخفى رده والله الموفق.

وعن أنس رضي الله عنه يرفعه: (من صلى علي في يوم مائة مرة كتب الله له بها ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة وكتب الله له مائة صدقة مقبولة…). [القول البديع: 127].

“صلوا علي فإن صلاتكم علي زكاة لكم”

روى الأعمش وبن مردويه عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال: (صلوا علي فإن صلاتكم علي زكاة لكم) ذكره في الجامع الصغير وحسنه وشرحه.

وقال أبو الشيخ في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يرفعه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلوا علي فإن الصلاة علي زكاة لكم) ورواه ابن أبي شيبة عن ابن فضيل عن ليث عن كعب عن أبي هريرة.

فهذا فيه الإخبار بأن الصلاة زكاة للمصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، والزكاة تتضمن النماء والبركة والطهارة، والذي قبله فيه أنها كفارة وهي تتضمن محو الذنب، فتضمن الحديثان أن بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تحصل طهارة النفس من رذائلها، ويثبت لها النماء والزيادة في كمالاتها وفضائلها. وإلى هذين الأمرين يرجع كمال النفس، فعلم أنه لا كمال للنفس إلا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي هي من لوازم محبته ومتابعته وتقديمه على كل من سواه من المخلوقين صلى الله عليه وسلم. [جلاء الأفهام: 251].