حبل التقرير السياسي الصادر عن المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الـ22، المنعقد قبل أسبوع، بمواقف سياسية واضحة وبتحليل معزز بأفكار عميقة ومعطيات مُحيّنة تغطي السنة الجارية (2018).

توزع التقرير على محاور عدة؛ خارجية ديبلوماسية، وسياسية داخلية، واقتصادية، واجتماعية، وحقوقية… نعيد طرحه بشكل موزع على حلقات/محاور تسهيلا لاطلاع القراء على مضامينه الغنية.

اليوم مع قضايا الشباب:

أرقام صادمة تسائل السياسات العمومية

رغم مضي ثلاث سنوات على إطلاق الاستراتيجية الوطنية المندمجة للشباب 2015-2030 باعتبارها مدخلا نحو توسيع وتعميم مشاركة الشباب المغربي في بناء وتنمية البلاد، ومخططا لمعالجة قضايا الشباب والتجاوب مع احتياجاتهم وطموحاتهم، ما زال المغرب يعيش واقعا مأساويا في غياب إرادة سياسية حقيقية تواكب تطلعات وحاجيات الشباب الذي يمثل المخزون الديموغرافي الأهم بالبلاد (34% من التركيبة السكانية)، وفي تجاهل تام لوعي الشباب المتزايد بحقوقه. وهو ما أكدته المؤشرات التي أوردها عرض وزير الشباب والرياضة المغربي حول مشروع السياسة المندمجة للشباب في أكتوبر 2017.

ففي مؤشر دال نجد أن 29.3% من الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة، لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين خلال سنة 2017. وهي النسبة التي تعادل 6 ملايين شاب في الشوارع بلا شغل ولا تعليم. هذا ما أكدته دراسة للمندوبية السامية للتخطيط حول وضعية سوق الشغل حين أعلنت أن عدد العاطلين قد ارتفع بـ 49 ألف شخص، كلهم بالوسط الحضري، مما زاد من حجم البطالة بنسبة 4,2%. كما أن الأرقام الرسمية تقول إن 75% من الشباب المغربي لا يتوفرون على أية تغطية صحية، وأن 82% منهم لا يمارسون أي نشاط ترفيهي أو رياضي أو ثقافي، في حين تستمر الدولة في غلق العشرات من الفضاءات الشبابية من دور الشباب ومراكز التخييم ودور الثقافة أو تأميمها حسب المزاج والسياسة الرسمية.

كل ذلك أنتج تلك المشاهد المؤسفة التي تابعها العالم لآلاف من الشباب الذين نزحوا نحو المدن الشمالية بحثا عن فرصة للهجرة نحو أوروبا في قوارب غير مؤهلة، دون أن يكترثوا باحتمالات الموت وسط مياه البحر الجارفة. مشاهد هي أقرب إلى الانتحار الجماعي ولَّدَها خناق اليأس والتهميش والتفقير والتجهيل الذي يحيط برقبة الشباب فلا يترك لهم الكثير من الخيارات لأجل العيش الكريم.

ورغم ما تقدم من مؤشرات دالة على مخططات تدمير مقومات الشباب وضرب هويته وإفساد أخلاقه وجعله كما مهملا ورصيدا معطلا أو هاربا مغامرا في هجرة غير آمنة، فإن نسبة هامة من الشباب المغربي لم تقبل سياسة الهامش هذه، فاستجمعت قواها ونفضت غبار الخمول واليأس وواكبت مسار تجديد الوعي وإعادة الاعتبار للذات، لترسم إنجازات جديدة لواقع شبابي جديد قوامه الوعي بالحق والقيام بواجب الدفاع عن قضايا الشعب المغربي العادلة. فكان للشباب كلمته ومساهمته في قيادة الاحتجاجات الشعبية بوعي ونضج عاليين. كما أن الفاعلية المتزايدة للشباب على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي وتوظيفها الذكي في فضح الفساد والاستبداد يؤكد إيجابية شريحة هامة وسط شباب المغرب ووعيها بدورها وهموم وطنها.

ولعل هذا الوعي المتجدد يبرز أكثر حين نرى تواتر فوز شباب مغاربة، وبشكل متكرر في السنوات الأخيرة، في مسابقات عربية وإسلامية ودولية تشمل مجالات علمية كالهندسة والطب، وأخرى دينية كحفظ القرآن الكريم وتجويده، وهو ما يثبت أن الشعب المغربي، بريادة شبابه وشاباته، طامح نحو التفوق رغم العقبات، متشبث بهويته وأصوله رغم الحرب المستعرة على ثقافة المجتمع وقيمه.

وإسهاما من شبيبة العدلوالإحسان في احتضان وتوعية وتأطير عدد هام من الشباب المغربي، تعمل على بث روح اليقين والأمل وترسيخ القيم النبيلة ومحاصرة كل مظاهر اليأس والإحباط والعنف. ورغم استمرار حرمان الشبيبة من الحق في استغلال الفضاءات العامة والقاعات العمومية، فقد اتخذت لخدمة هذه الأهداف خلال هذه السنة عدة وسائل ومبادرات نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، قافلة سلسلة “حوارات شبابية” وهي حوارات مفتوحة مع الشباب من أجل نقاش شبابي تفاعلي حول موضوع “الشباب المغربي: تحديات الواقع، ورهانات المستقبل”. فضلا عن الفعاليات الحوارية الشبابية التواصلية مع باقي الشبيبات والمكونات الفاعلة في الساحة الشبابية والسياسية المغربية، وقد شهدت العديد من المناطق تنظيم عشرات الفعاليات، كان أبرزها الندوة الحوارية الوطنية في موضوع “دور الشباب في التحولات السياسية الراهنة…التحديات والرهانات”. التي جمعت لفيفا من الشباب والسياسيين والأكاديميين.

كما أطلقت الشبيبة خلال هذا الموسم حملة/صرخة “باراكا من الحكرة” سعت من خلالها إلى تعبئة الشباب ودق ناقوس الخطر حول أوضاعه، ولفت انتباه القوى الحية لواقعه المزري. وقد شهدت الصرخة تفاعلا إعلاميا وميدانيا مهما من خلال العديد من الأنشطة تنوعت بين وقفات تضامنية وندوات وورشات وأنشطة إبداعية وروبورتاجات حول موضوع “الحكرة”.

ورغم ما يحاك ضد الجامعة المغربية من مخططات، ما يزال القطاع الطلابي للجماعة ملتزما بالقيام بمسؤولياته وواجباته في الساحة الجامعية، من خلال استمرار حضوره الفاعل في الجامعات والمعاهد وتنظيم عدد من الأنشطة التربوية والنقابية والثقافية والاجتماعية والتضامنية. كما تسعى الشبيبة من خلال ورش التنشيط الشبابي إلى تنظيم العديد من فعاليات ومهرجانات الإبداع الشبابي دعما واحتضانا للطاقات الشبابية المبدعة وتطويرا لمواهبها وملكاتها الكامنة وتعزيزا لمفهوم الإنتاج الإبداعي الشبابي الحر في مختلف الميادين الفنية والثقافية والرياضية.