في هذا المجلس المبارك من مجالس الإمام المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، يحمل مُجالسيه في زيارة للبيت النبوي للتخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم، فيقول:

نزور بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، زيارات تودد وتحبب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وخاب من لا يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يحب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ويتحفظ من قولك: “سيدنا محمد”، لا يسيدونه. نزور البيت النبوي لنتعلم فيه دروس الإيمان، ودروس الإحسان، ودروس الصبر، ودروس الخلق الحسن.

لنا خمس زيارات للبيت النبوي.

الزيارة الأولى نجد فيها أم سلمة رضي الله عنها، وهذا درس للأخوات ينبغي أن يتعلمنه وأن يتخذنه إن شاء الله رمزا للتخلق الحسن. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة، وكانت لها جويرية خادم تخدمها، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَدَعَا وَصِيفَةً لَهُ أَوْ لَهَا فَأَبْطَأَتْ، فَاسْتَبَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إِلَى الْحِجَابِ، فَوَجَدَتِ الْوَصِيفَةَ تَلْعَبُ، وَمَعَهُ سِوَاكٌ، فَقَالَ: “لَوْلا خَشْيَةُ الْقَوَدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لأَوْجَعْتُكِ بِهَذَا السِّوَاكِ”.

النبي صلى الله عليه وسلم هدد تلك البنـية. ماذا قال لها؟ أقال لها: أيتها الكافرة سأفعل بك وأقتلك وأنتِ كذا وكذا كما يفعل الآن الذين يستخدمون بنات الناس في بيوتهم؟ ولا ننتظر أيها الإخوان وأيتها الأخوات من يأتينا بأخلاقية الدفاع عن حقوق الإنسان، والدفاع عن المظلومات، وعن الخوادم المظلومات. بل نتعلم من بيت النبوة.

كيف هددها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كان في يده سواك، تعرفون ما هو السواك؟ عود الأراك. كم طوله؟ مثل هذا الإصبع. كان في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سواك، فهل ضرب به تلك البنـية؟ لا، لا، لا. بل قال لها: “لَوْلا خَشْيَةُ الْقَوَدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لأَوْجَعْتُكِ بِهَذَا السِّوَاكِ”. ما معنى الْقَوَد؟ القصاص. النبي صلى الله عليه وسلم خاف أن تقتص منه يوم القيامة. كأنه كان يقول: “ما دام هناك قَوَدٌ فأنا لا أضربك؟”.

“لأوجعتكِ”.

أي وجع إذا ضربها بالسواك؟ إنها اللطافة مجسدة، إنها اللطافة في التعامل. وهذا أقوله لبعض الناس ممن يتعامل مع نسائهم ومع الخادمة ومع الناس بالجفوة والغلظة والأخلاق الكريهة، بالكلام البذيء، الكلام القبيح، الكلام الذي لا تشم منه رائحة اللطافة.

“لأوجعتك بهذا السواك”.

أي تلطف هذا!

ويبلغني أن بعض الناس من حديثي عهد بالزواج، وآتي بهذه الأمثلة لكي نتخذ منها دروسا. لم تمر على زواجه ثلاثة أيام أو أربعة، يأتي زوجَه العروس ويقول لها: إذا لم تسكتي طلقتك.

أي حيوانية هذه وأي وحشية؟

المرأة إذا ذكرتَ لها الطلاق فقد قتلتها ولم تكتف بإيجاعها.

الناس لا تعرف كيف تتعامل، ويجب أن نتعلم هذه الأمور من مبادئها، من الأول. كثيـر منكم لم يتزوجوا بعد، والمتزوجون ينبغي أن يزدادوا تلطفا. والنساء كذلك. الكلمة الحادة والكلمة البذيئة أحرّمها على نفسي، لا أقولها أبدا. الكلمة التـي تجرح لا أقولها… بل هو يقول لها: “ألالّة فلانة، الله يجازيك بخير ماذا ظهر لك في كذا وكذا؟”، ويعظمها ويحترمها. وهي كذلك. لا تقول له: “ذلك الرجل فعل وفعل وأنت ليس فيك فائدة، والناس اشترت المنازل وأنت لم تقتن لي ولو قفطانا…”. لا ليس هكذا… التفاهم والتلاؤم… لهذا نزور بيت النبي صلى الله عليه وسلم لنتعلم منهم هذه الأخلاق اللطيفة.

إذن في هذه الزيارة الأولى تعلمنا اللطف في التعامل مع الناس، مع الخادم، مع الخادمة، ومع الناس أجمعين بالكلام اللطيف والخوف من الله عز وجل.

الزيارة الثانية لبيت النبي صلى الله عليه وسلم نتعلم منها دروسا أخرى.

عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا نَائِمٌ عَلَى الْمَنَامَةِ، فَاسْتَسْقَى الْحَسَنُ أَوْ الْحُسَيْنُ، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَاةٍ لَنَا بَكِيءٍ، فَحَلَبَهَا فَدَرَّتْ، فَجَاءَهُ الْحَسَنُ، فَنَحَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهُ أَحَبُّهُمَا إِلَيْكَ؟ قَالَ: “لَا، وَلَكِنَّهُ اسْتَسْقَى قَبْلَهُ”، ثُمَّ قَالَ: “إِنِّي وَإِيَّاكِ وَهَذَيْنِ وَهَذَا الرَّاقِدَ، فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”.

ماذا نتعلم من هذا؟

النبي صلى الله عليه وسلم كان في مهنة أهله كالناس، لا يقول أنا نبي ورسول ولا أفعل ذلك وأنتم وشأنكم. بل سقى الصبي. ثم سألته السيدة فاطمة فقالت لعل هذا أحب إليك من أخيه.

هما ريحانتا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبهما معا، ولكننا ننظر كيف كان صلى الله عليه وسلم يتعامل مع أهله. قَالَ: “لَا، وَلَكِنَّهُ اسْتَسْقَى قَبْلَهُ”

ماذا نفهم من هذا؟ اللطف.

ثُمَّ قَالَ: “إِنِّي وَإِيَّاكِ وَهَذَيْنِ وَهَذَا الرَّاقِدَ، فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”.

هذه بشارة، تبشير، بشرها النبي صلى الله عليه وسلم وبشر ابنيها وبشر سيدنا علي.

الزيارة الثالثة.

جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعله أبو بصرة، وكان مشركا، والنبي صلى الله عليه وسلم كريم، فنادى الجارية فقال: ائتيني بفلانة. من فلانة هذه؟ هل هي امرأة؟ لا، بل هي معزاة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلق عليها اسما، وللطفه صلى الله عليه وسلم كانت حتى الدواب لها أسماء محترمة. فهذه بغلة أهداها له المقوقس سماها دلدل. وهذا حمار يسمى يعفور. وهذه ناقة تسمى القصواء. وهكذا… ويتحدثون اليوم عن الرفق بالحيوان وحقوق الإنسان…

أي تحبب وأي لطف هذا؟

يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المومنين أعزة على الكافرين. فهذا النبي الكريم وهو اللطافة تمشي على قدمين. لماذا؟ لأنه أذلة على المومنين وأقرب المومنين إليه أهل بيته. هذا ليس ذلا نعوذ بالله منه ولكنه اللطافة والتحبب والرفق.

اعتقل صلى الله عليه وسلم المعزاة وحلبها وأعطى الأعرابي ليشرب، ولم يشبع، ثم أعطاه مرة أخرى ولم يشبع، فأسلم فلما أعطاه مرة أخرى شبع وترك الإناء ولم يكمله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد.

الزيارة الرابعة:

سيدنا عبيد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب، يوصي ابنة أخيه، يقول لها: “إذا جاءك ضيف فقدمي له وسادتك، فإن رحمة الله تنزل عليك ما داموا على وسادتك”. والوسادة أعز فراش في ذلك الوقت وكانوا يفترشون الحصير. والدرس من هذا أن بعض الأخوات يقلن لأزواجهن أن الإخوان يفسدون الفراش باستعماله و…

وقال: وأطعميهم خبزا وزيتا.

القرى، أعطيهم ولو خبزا وزيتا.

الناس الحَرْفيون يفهمون سنة النبي صلى الله عليه وسلم فهما ضيقا جدا، لا يأخذون في اعتبارهم تغبر الزمان والمكان والعادات ووسائل العيش. في أمريكا طائفة يسمون البلاليين، من السود، هم معذورون لأنهم كانوا محتقَرين فاكتشفوا الإسلام الذي يمجدهم فقالوا نفعل كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيركبون البغلة كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

تركب البغلة وتخرج في نيويورك تكون مهزلة.

هذا فهم ضيق.

ليس المقصود تقليد النبي صلى الله عليه وسلم في أمور معيشته بل في أخلاقه صلى الله عليه وسلم. والأخلاق لا تتغير مهما تغيرت وسائل العيش. وأخلاقه صلى الله عليه وسلم لخصتها أمنا خديجة رضي الله عنها حين قالت إبان بعثته صلى الله عليه وسلم: والله لا يخزيك الله أبدا والله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. ومعنى تصل الرحم أن تزورهم مرة مرة، وأن تعطيهم إن احتاجوا، وأن تنفق على والديك إن استطعت… وإقراء الضيف هو تقديم الطعام ويسمى قرى.

واصل الرحلة مع الإمام وزر البيت النبوي الشريف، عبر هذا الشريط: