حبل التقرير السياسي الصادر عن المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الـ22، المنعقد قبل أسبوع، بمواقف سياسية واضحة وبتحليل معزز بأفكار عميقة ومعطيات مُحيّنة تغطي السنة الجارية (2018).

توزع التقرير على محاور عدة؛ خارجية ديبلوماسية، وسياسية داخلية، واقتصادية، واجتماعية، وحقوقية… نعيد طرحه بشكل موزع على حلقات/محاور تسهيلا لاطلاع القراء على مضامينه الغنية.

اليوم مع محور قضايا المرأة:

المرأة المغربية.. الإنصاف المعلق

سجلت هذه السنة إخفاقات متتالية في تدبير العديد من المجالات، إخفاقات يدفع ثمنها المواطن المغربي هدرا لكرامته وغمطا لحقوقه وإجهازا على كل فرصة في العيش الكريم. لكن نصيب المرأة المغربية يبقى هو الأوفر من سياسات التهميش والتفقير والتعنيف، والتي حولت معيشها اليومي إلى معاناة لا تنقضي إلا لتبدأ من جديد، ولم تفلح سنوات من النضال النسائي المتواصل في تفكيك البنيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تفرز واقع الهشاشة المستشرية والتراتبية المجحفة والتناقضات الصارخة.

فعلى الصعيد السياسي ورغم كل الشعارات المرفوعة مازالت المنجزات مخيبة للآمال، ذلك أن ضعف انتخاب النساء في المجالس النيابية (10 نساء فقط انتخبن عن اللوائح المحلية مقابل 60 منتخبة ممثلات عن اللائحة الوطنية و11 شابة عن كوطا الشباب) جعل تمثيلية النساء في مجلس النواب لا تتعدى 20%، وهي الرتبة الخامسة بعد المئة دوليا، ما يؤكد مرة أخرى أن شعار المناصفة ليس إلا إجراء تجميليا أقحم في دستور 2011 لتكتمل بذلك الواجهة الديمقراطية المزعومة. ناهيك عن الحضور المخجل للنساء في التشكيلة الوزارية، ومحدودية الولوج النسائي لمراكز صنع القرار، وغيرها من الوقائع التي تؤكد أن حضور المرأة في المجال السياسي لا يعدو كونه حضورا رمزيا.

وعلى المستوى التشريعي تميزت السنة الفارطة بصدور قرار يتمثل في السماح بولوج المرأة لمهنة التوثيق العدلي،وقد صحب هذا القرار لغط وصخب كبيران وكأن المغرب سيتجاوز به كل المشاكل البنيوية التي تتخبط فيها المرأة والتي ما تزال لا تحظى بالأولوية في النقاش.كما تمت المصادقة على قانون محاربة العنف ضد النساء الذي دخل حيز التنفيذ بعد مسار تشريعي انطلق منذ 2013 -فكرة المشروع طُرحت قبل ذلك بكثير-، قانون رأى النور في غياب مقاربة شمولية تستحضر البعد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي…وتجعل من احترام النساء سلوكا مجتمعيا يعكس وعيا متجذرا بالمكانة المعتبرة للمرأة. في غياب هذا تبقى المقاربة القانونية على أهميتها قاصرة عن معالجة أعطاب تفشت حتى باتت سلوكا يوميا يتفاخر البعض بممارسته بل يوثق لذلك ويشهره، والأحداث في هذا الباب أكثر من أن تحصى.

وضعية يزيد من هشاشتها واقع اقتصادي مأزوم يضاعف من معاناة فئات عريضة من النساء المغربيات، حيث يبلغ الفقر مستويات مخيفة ويتمدد شبح البطالة بنسب متسارعة، فحسب ما صرحت به المندوبية السامية للتخطيط انخفض معدل نشاط النساء من %27,1% سنة 2007 إلى 22,4% سنة 2017وتتراجع هذه النسبة أكثر في المجال الحضري بـ 18,4 من نفس السنة. أرقام تسائل السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تنهجها الدولة وتسائل الشعارات الرنانة التي رفعت لتمكين النساء اقتصاديا ودعم ولوجهن لسوق الشغل، ليكون الجواب تناسل عدد من الحوادث التي راح ضحيتها نساء ألجأتهن قسوة الحياة للبحث عن مصدر رزق يعيلهن وعوائلهن، وما شهيدات القفة بالصويرة وشهيدة الهجرة بتطوان وشهيدة الأراضي السلالية بآزرو عنا ببعيد.

إن خروج المرأة المغربية لكسب لقمة عيشها في مثل هذه الظروف القاسية، وامتهانها حرفا حاطة من الكرامة الآدمية، أو قبولها بالعمل في منازل لا توفر حماية ولا كرامة، أو اضطرارها لبيع جسدها فيما يشبه سوق نخاسة أو أشد؛ هو نتيجة مباشرة لفشل الدولة المغربية في اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية، ويزيد من حدة هذا الواقع تفشي الأمية بنسب مخجلة، وفشل ذريع في ورش إصلاح المنظومة التعليمية وصل حدا فرض على المؤسسات الرسمية الاعتراف به.

أما نزيف الوفيات في صفوف النساء أثناء الحمل والولادة فما زال مستمرا بسبب الإهمال الطبي وتدني الخدمات الصحية وندرة الكوادر الطبية والأعطاب البنيوية التي تنخر القطاع، حيث يسجل المغرب بذلك أعلى نسبة في محيطه. ناهيك عن وفيات الأطفال حديثي الولادة، حيث يموت 17 طفلا لكل ألف مولود جديد وهو رقم مرتفع إذا تمت مقارنته بدول الجوار أو حتى بدول عربية تعيش حالة حرب مثل فلسطين (10.8).

واقع مأزوم دفع المرأة المغربية إلى انخراط لافت في الاحتجاجات الشعبية التي عرفتها العديد من المدن متجاوزة بذلك حاجز الخوف والعرف أملا في غد أفضل.

في ظل هذا الواقع حرص القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان هذه السنة على تسجيل حضوره في كل المحطات النضالية سواء في المسيرات أو الوقفات أو الدفاع عن المعتقلين ودعم عائلاتهم، وعبر بالكلمة والموقف عن مساندته لكل المطالب المشروعة لدى فئات المجتمع حيث أصدر عددا من البيانات والحوارات تفاعلا مع ما يقع، مصرا على مطلب الحوار والتعاون مع كافة الفاعلات النسائيات والمهتمات بقضايا المرأة، حيث أطلق قافلة نسائية تحت شعار “جميعا من أجل إنصاف المرأة المغربية”، والتي حطت رحالها بتسع مدن في مختلف جهات المغرب. ونظم عددا من الندوات والموائد الحوارية ضمت طيفا متنوعا من الفاعلات النسائيات استمرارا في خيار الحوار النسائي، من بينها ندوة “واقع المرأة وسؤال التغيير” بالبيضاء وندوة حوارية موضوعها “قراءة في قانون محاربة العنف ضد المرأة 13.103 بالجديدة وندوة خصصت لـ “قراءة في مدونة الأسرة بعد 14 سنة من التنزيل” بوجدة، وندوة رابعة بعنوان “المرأة المغربية وسؤال الإنصاف” بمدينة طنجة…. وغيرها كثير.

هذا إلى جانب برامج القطاع النسائي اليومية والدورية التي تسهم في إعادة الاعتبار لدور المرأة الحيوي في الأسرة والمجتمع، وتسعى إلى جانب فضليات وفضلاء هذا البلد إلى النهوض بأحوالها على المستوى الاجتماعي والنفسي والقانوني والسياسي والاقتصادي من خلال برامج وأنشطة توعوية، تأطيرية، تواصلية وخدماتية، تتوزع بين التأطير السياسي والقانوني، والتوعية الصحية والنفسية، والتأهيل الاجتماعي والاقتصادي.

وبعيدا عن التوظيف المقيت لقضايا النساء، يبقى الانخراط الجاد والمسؤول في مسار التغيير المجتمعي الحقيقي الذي يضمن العيش الكريم لأبناء هذا الوطن رجالا ونساء هو المسار الأمثل لتحسين وضعية النساء ونقلهن من واقع الهشاشة والهامشية إلى الحضور الفاعل والإيجابي في المجتمع.