ما إن يحل ربيع الأول على أمة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام إلا وتشرق أنواره وتعم في سائر الأرجاء، فتنشرح الصدور وتمتلئ غبطة وسرورا، فهي أمام مناسبة ليست كباقي المناسبات، وذكرى مختلفة عن أيام السنة الأخرى، هي أمام ربيعها المتجدد الذي تتعطر به كلما هبت نسائم شهر ولادة رسول الله عليه الصلاة والسلام.

لقد كان للأمة شأن عظيم مع المولد النبوي، وما تعظيمها له إلا مناسبة لإظهار شوقها لخاتم المرسلين، مقدمة عربون محبتها له من خلال أشكال ومظاهر عبرت فيها عن عميق انتمائها له وتصديقها لرسالته الخالدة عبر الزمان والمكان، ولعل واحدا من أبرز تلك التجليات الفريدة المتعلقة بذكرى المولد ما يعرف بمواكب الشموع.

 مواكب الشموع تمثل شكلا مميزا من أشكال الفرح بهذا العيد التي دأبت على إقامته الأمة بعدد من أقطارها في فترات سابقة من التاريخ، والتي ما زالت قائمة إلى حدود اليوم وإن اصطدمت بعقليات متحجرة باتت تقاومه بل وترفض فكرة الاحتفاء بهذه المناسبة من الأساس.

 إن لخروج الآلاف من المغاربة تخليدا لذكرى المولد رمزية خاصة، فإذا كان أي عيد لا يحلو ولا يزيد أثره في النفوس إلا بمشاركة الذات فرحتها به مع الآخرين فيزداد رونقه بالاجتماع مع الأهل والأحباب ومقاسمتهم بهجة العيد التي تتعاظم كلما كان الجمع كبيرا، فإن عيد المولد بمكانته الجليلة يستحق احتفالية تليق به لتكون مناسبة لانفتاح الناس على بعضهم البعض وتجاوز دوائر معارفهم الضيقة ما دامت تجمعهم رابطة محبة نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، فيكتسي الفرح برسول الله بعدا جماعيا، لتتقوى تلك الرابطة وتنجمع على محبة الله ورسوله الكريم.

كما أن التنوع الذي تشهده تلك المواكب بمشاركة مختلف شرائح المجتمع برجاله ونسائه وشيوخه وأطفاله فيها هو رسالة قوية على مكانة سيد الخلق في المجتمع الذي يتوحد عليه وعلى محبته والتي تنتقل فيه جيلا بعد جيل، وهو ما يتجسد في مشاركة البراعم المميزة بتفاعلهم وحماستهم الكبيرة وسرورهم العفوي، ما  يجعل هذه الاحتفاليات تنطبع في ذاكرتهم، فهي بمثابة درس تربوي عملي لهم يسهم في تعميق مكانة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في نفوسهم الصغيرة.

وهي كذلك فرصة للناس من أجل التأسي بحشد الأنصار الذين فرحوا بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام مرددين حداء “طلع البدر علينا” الخالد، والنسج على منواله والالتحاق بموكبه النوراني حتى تظل المحبة سارية ممتدة لجناب النبي الشريف حتى قيام الساعة. وهم حين يحملون الشموع فهم يعبرون عن فرحهم بالنور الذي أضاء ظلمات كونهم.

يحق لأمة سيدنا محمد أن تعبر عن أشواقها الحارة وعن مواجيدها، وهو أمر لا ينفع أن يكبت فيكون من الأجدى أن تصرف تلك العاطفة الجياشة في تعبير قاصد مثلما يحدث في مواكب الشموع. هذا أفضل من أن تصرف في ممارسات بدعية أو أن تصاب بحالة الجفاف العاطفي الذي يريد أن يربيه بعضهم في ناشئتنا والذي حصدنا معه جفاء وغلظة تدفع أمتنا حاليا ثمنهما غاليا.

ندرك أن الاحتفال بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أعظم وأجل من أن يخلد في يوم واحد وبشكل احتفالي معين، فالمولد النبوي الشريف يظل واحدا من المحطات التي تعبر فيها الأمة عن امتنانها لمن أرسله الله رحمة لها وللبشرية جمعاء، على أن محبة الرسول الأعظم لا تكتمل إلا بتعميم الفرح به طيلة أيام السنة باتباع سنته والاهتداء بهديه كيلا تكون مشاعرنا مشاعر جوفاء لا روح فيها ولا أثر.