في آخر حلقات سلسلة “الحياة الطيبة”؛ تطرق الداعية والخبير التربوي الأستاذ عبد الله الشيباني مع محاورته الأستاذة فوزية مستور إلى آخر دعامات بناء حياة أسرية ناجحة وأساسها؛ الدعاء، فهو كما جاء في التقديم “يجمع الأزواج على الله، وبه يكون المدد والمعونة، وبفضله تسهل الحياة التي تبدأ في الدنيا وتمتد إلى الآخرة ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون.

أوضح الأستاذ الشيباني في مستهل كلامه سبب ترك هذه الركيزة إلى الآخر قائلا: “لأهميتها، كي تكون الدعامة الجامعة لباقي الدعامات الأخرى، فالدعاء مخ العبادة، أي لبها، ودعامة الدعاء للزوج والزوجة والأبناء تدخلنا في دائرة العناية الربانية، وفي حصن الله عز وجل”.

وأبرز، معرفا هذه الدعامة وشارحا دورها في إنجاح العلاقات الأسرية، أن “الدعاء ذكر، وبناء علاقة مع الله عز وجل، هو اضطرار لله عز وجل، وهو توكل على الله عز وجل في هذه الدعامات كلها، فهي حقيقة دعامة جامعة للدعامات التسع السابقة، وهي مركزها، وهي الموجهة لها، وهي الدافعة لها، فهي خصلة جامعة ناظمة”.

ولكي يحيل سامعيه على فهم الصحابة للمنهاج النبوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ساق لنا الشيباني كلاما جميلا لصحابي جليل هو سيدنا معاذ ابن جبل رضي الله تعالى عنه، قال: “إنه لابد لك من نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه، فإنه سيمر على نصيبك من الدنيا فينظمه لك انتظاما”.

ليعلق على هذه الوصية الكريمة بقوله: “فعملي اليومي يجب أن ينظمه لي نصيبي من الآخرة، إذن فخصلة الدعاء هذه، التي هي علاقة بالله عز وجل واضطرار وتوجه إليه، كلها جامعة وناظمة لهذه الخصال التسع، وأصبحت مركزا لها، تدور حولها، بمعنى أن كل ما تقوم به من هذه الدعامات التسع تقوم به لله سبحانه عز وجل، فأنت بذلك تحسن علاقتك بالله سبحانه عز وجل، فكلها إذن مربوطة بخصلة الدعاء، الذي هو ذكر لله وقربى منه، وموجهة ودافعة لها”، ويردف مبينا “فمحبة الله والقرب منه يعطيك القوة على محبة زوجتك وأطفالك، وكي ترحمهم وتحترمهم يلزمك المصدر الذي تأخذ منه، وهو علاقتك بالله عز وجل. وبذلك أصبحت هذه الخصلة هي الأهم، وبها ترتبط جميع الدعامات، فهي تمثل النواة والمركز الذي تشع منه الخصال العشر، في الدعاء أصل الخصال ونورها وفهمها، لذلك فهي مهمة جدا”.

واسترسل الداعية والمهتم بقضايا الأسرة مجليا أسرار هذه الخصلة العظيمة: “وهي مدد الخصال القلبية الأخرى، فقلب غير المحب لا يحب، فالمحبة والرحمة القلبية تأتي من ذكرك لله عز وجل، وهذه المحبة هي لب الصحبة، فالزوج يلزم أن يعيش صحبة مع زوجته، والقرآن سماها “صاحبته”، والمحبة تأتي من القرب من الله عز وجل، فإن كنت تحب الله عز وجل وتحب رسوله صلى الله عليه وسلم وتحب من ينفعك حبه عنده، يعمر قلبك رحمة واحتراما يمكنك بذلهما لبناء العلاقة مع الزوجة ومع الأبناء”، وزاد شارحا “الثقة مثلا؛ كي تكون لديك فيمن حولك يلزم أن تكون لديك ثقة في الله عز وجل الذي يمنحك الثقة في نفسك فتستطيع تقديمها لأبنائك، حسن الظن أيضا يلزم أن تحسن الظن بالله عز وجل ما يجعلك تحسن الظن بزوجتك وزوجك وأبنائك.. إلخ”.

واعتبر الشيباني أن “كل هذه المعاني يجب أن تمتح وتتغذى من علاقتك بالله عز وجل، ولبها هو التوجه إلى الله عز وجل. فعلى قدر ما يعمل الزوج والزوجة، وهما ركيزتا البناء الأسري، على نفسه في علاقته بالله؛ صحبة وذكرا وصدقا، على قدر توفر هذه الشروط فيه واكتسابه لها يكون لديه من القوة والطاقة والصبر والرحمة ما به يستطيع بناء الرحمة مع زوجته. على قيام الزوج والزوجة يكون قيام الأسرة، فإن كان هناك نقص في تربية الأبناء فأصله فيك أنت أخي وأختي، عودا إلى نفسيكما وربياها وهذباها بذكر الله عز وجل واليقين فيه عز وجل وبالصبر لله وبالله وبالتوكل عليه عز وجل وبالدعاء تجدان القوة التي تمكنكما من تدبر حياتكما الأسرية المتزنة”.

وانتقلت مستور إلى سرد بعض الموانع التي تحول دون القيام بهذه الركائز على أحسن وجه فتعين هذه الدعامة على جبر ما نقص منها، قائلة: “نجد في أنفسنا كثيرا من الغبش في فهم هذه الدعامات الناتجة عن الموروث الثقافي والحمولات الواردة علينا من خارج المعين النبوي، لذلك يصعب الأمر علينا، ويهون علينا هذه الصعوبة هاته الدعامة؛ الدعاء”.

وشاطرها الشيباني الرأي، وزاد مفسرا: “موروثنا الثقافي ثقيل جدا وهو ما يشد علاقتنا إلى الأرض ويجعلنا متخلفين، وتخلُّفُنا تخلفان؛ تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن منهاجه فهما ونورا وعملا صالحا وتخلقا، فتاريخ الأمة كلها تاريخ تخلف، حتى وصلنا إلى الحضيض الذي نراه أمامنا، فلا عجب أن نصل إلى ما وصلنا إليه. التخلف الثاني هو تخلف عن الحضارة الغربية، التي على الأقل خدمت دولتها وأتقنتها، ودربوا الناس وربوهم تربية مدنية، فهم منضبطون دنيويا، تفتقد إلى الروح لكنها تحوز الخلق، كأنهم مسلمون بأخلاقهم وغير مسلمين من جانب الخضوع لله عز وجل. ونحن بتخلفنا عن رسول الله وعن الحضارة الغربية غيبنا هذه وتلك، ففي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هناك تقدم فيهما معا”.

وصنف الشيباني أبعاد هذا التخلف إلى أربعة؛ “1- التخلف على مستوى الوضع القلبي تجاه الله عز وجل، نعيش بعدا عن الإيمان، نحن مسلمون نعم، نقوم بالأعمال الظاهرة ولكن ما درجة إيماننا؟ يجب أن نجتهد أن ننمي ذلك الإيمان ونقويه، بل نطمح أن نكون من المحسنين.

2- التخلف على مستوى الفهم، نحن متخلفون عن علم وفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسيادنا الصحابة 14 قرنا، ففهمنا لديننا فهم متخلف كذلك، لذلك فنحن نحاول في هذه الحصص أن نتقرب ما أمكن من الفهم النبوي.

3- التخلف على مستوى العمل، قد نحوز بعض الإيمان في القلب وبعض الفهم في الدماغ لكن من دون عمل، وكأن العمل ليس من الدين، فتفعيل الفهم والعمل على تطبيقه هو من صميم الدين، ومن الانحرافات التي وقعت في فهم ديننا أن هناك من الناس من يظن أنه يفهم دينه لأنه يعرف كيف يتكلم فيه فقط.

4- التخلف في التخلق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

ولمحاربة أبعاد التخلف السالفة الذكر، نصح الشيباني مستمعيه قائلا: “الزوج والزوجة اللذان يريدان تقويم بيتهما عليهما أن يعملان على هذه الأبعاد الأربعة؛ العلاقة بالله سبحانه وتعالى، والاجتهاد في تعلم الدين وتعلم الأساليب التربوية، وهنا أشير إلى أن هناك نقص فظيع في الجانب العلمي الفهمي، وأيضا في التفعيل والتنفيذ على أرض الواقع، ويجب إتباع كل هذا بالتحلي بالخلق الحسن في التعامل. نسأل الله تعالى أن نترقى في هذه الأبعاد وفي بنائها”.

وفي محور أخير، سألت مستور عن الأدعية المأثورة عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والتي من شأنها أن تعين على بلوغ هذه الأهداف التي أعلن عنها الخبير الأسري طيلة حلقات البرنامج السابقة، وهو ما اعتبره الأستاذ الشيباني “فرصة للتحدث عن الرابطة، فهناك فرق بين العلاقة والرابطة، الرابطة أقوى من العلاقة، بل الله سبحانه وتعالى سماها الميثاق الغليظ، والميثاق أقوى حتى من الرابطة، وعندما نتكلم عن الدعاء نتكلم عن دعاء الرابطة، الذي يربط بين القلوب، وهذه الرابطة هي سر النجاح”. معتبرا أن “هذه الرابطة الأفقية لابد لها من رابطة عمودية تستمد منها قوتها، نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لدعاء الرابطة الذي يربطنا بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبصالح عباد الله، ويربطنا بعضنا البعض سواء على المستوى العائلي الصغير أو المستوى العائلي الكبير”.