يواصل فضيلة العلامة الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، شرح كتاب شعب “الإيمان للإمام عبد السلام ياسين”. وفي هذا المجلس يشرح سماحته أحاديث من خصلة الصحبة والجماعة خاصة بصفاته صلى الله عليه وسلم الخَلْقية:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

ما زلنا في الخصلة الأولى الصحبة والجماعة وهذه أحاديث تتعلق بشمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفاته الخِلقة والخُلقية.

وهذا الحديث صفاته الخلقية صلى الله عليه وسلم يرويه سيدنا جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو من بني سلمة يسكنون زهاء ساعة من المدينة المنورة، ومعروفة عنهم رضي الله عنهم أنهم كانوا يريدون أن يسكنوا قرب المسجد النبوي فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “دياركم تكتب آثاركم”. أي يؤجرون على خطواتهم لبعدهم عن المسجد. وهو ممن حضر بيعة العقبة الثانية في السنة 12 للبعثة. لم يشارك في غزوة أحد ولا في غزوة بدر لأن أباه منعه من ذلك ليتكفل بأخواته. استشهد والده فشارك في معظم غزواته صلى الله عليه وسلم. وكان رضي الله عنه ممن شارك في الفتح الإسلامي في الشام. وهو من المكثرين من الأحاديث. وكان له مجلس في المسجد النبوي يحدث الناس فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا الحديث الشريف: ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قط فقال لا.

معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي بغير حساب، بل كان أحيانا ينزع رداءه ليعطيه لمن طلبه منهم صلى الله عليه وسلم. ويصدق عليه صلى الله عليه وسلم قول الشاعر:

ما قال قط إلا في تشهده***لولا التشهد لكانت لاؤه نعم

لماذا نقرأ هذا الحديث؟ هذه أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن لم نتخلق بها تكون علينا حجة.

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم***فطالما استعبد الإنسانَ إحسان

الإنفاق في سبيل الله عز وجل من أعظم الوسائل لنشر دعوة الله عز وجل، وهو تعالى يعوض المنفق في الدنيا قبل الآخرة. مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. وأقل ما يضاعف عليه الإنفاق عشر مرات، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف مضاعفة.

كل يوم يصبح هناك ملكان يقولان: اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا.

هذا دعاء الملائكة ودعاء الملائكة مستجاب.

وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنه خلقا ليس بالبائن الطويل ولا بالقصير.

سيدنا البراء بن عازب من صحابة الأنصار ومن صغار الصحابة لأن في غزوة بدر عرض هو وسيدنا عبد الله بن عمر فردهما لصغر سنهما. وفي غزوة الخندق أجازه صلى الله عليه وسلم ليشارك في الغزوة. وهو ممن شارك في الفتوحات في آسيا في عهد سيدنا عثمان رضي الله عنه وهو من فتح قزوين. وكان مواليا لسيدنا علي رضي الله عنه وشهد معه صفين والجمل وشهد معه قتال الخوارج وتوفي بالكوفة. روى ثلاثمائة ونيف من الأحاديث رضي الله عنه.

بهذا الحديث دخلنا في الصفات الخَلْقية: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها.

هناك تطابق بين جمال الخلق وجمال الخلق فيه صلى الله عليه وسلم.

وأجمل منك لم تر قط عيني***وأكمل منك لم تلد النساء

خلقت مبرءا من كل عيب** كأنك قد خُلقت كما تشاء

جمال الصورة مما يساعد على نشر الدعوة. ولهذا كان صلى الله عليه وسلم عندما يبعث السفراء كان يختار أجمل الناس صورة. بعث بدحية الكلبي إلى مصر وكان جميل الصورة وكان سيدنا جبريل ينزل على صورته رضي الله عنه وأرضاه.

وكان صلى الله عليه وسلم يعتني كثيرا بمظهره مع الحسن الذي أعطاه الله إياه. وسيدنا يوسف كان له شطر حسنه صلى الله عليه وسلم.

وهنا يطرح سؤال: ولماذا كانت النساء كن يفتتن بسيدنا يوسف عليه السلام ولم يكن يفتتن بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رغم أنه أوتي الحسن كله؟

والجواب أن جماله صلى الله عليه وسلم كان مكسوا بالبهاء والنور ولا أحد يستطيع إمكان النظر فيه. كبار الصحابة لا أحد منهم استطاع وصف قسمات وجهه صلى الله عليه وسلم، والذي وصف خلقته هم صغار الصحابة لأن الإنسان حين يكون صغير السن يكون نظره حادا.

كان أحسن الناس وجها وأحسنه خَلْقاً. 

ليس بالطويل البائن ولا بالقصير:

فهو متوسط القامة. هو أميل إلى الطول منه للقصر.

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعا بعيد ما بين المنكبين له شعر يبلغ شحمة أذنيه رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه.

في حديث آخر كان صلى الله عليه وسلم رحيب الصدر، أي واسع الصدر.

شحمة الأذن هي موضع القرط منها، ومعناه أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يحلق شعره على عادة العرب. ويقول المحدثون أنه صلى الله عليه وسلم حلق وفي صلح الحديبة فسخ العمرة وما عدا ذلك لم يكن يحلق شعر رأسه، وكان يوفر شعره فمرة يصل شعره صلى الله عليه وسلم إلى شحمة أذنه (الوفرة) ومرة يكون أطول وهو اللمة، وتدل على القرب من المنكبين، ومرة يكون شعره صلى الله عليه وسلم يضرب في منكبيه، أي طويلا ويسمى الجمة.

والحلة هي الرداء والإزار. وفي بعض الأحاديث نهى صلى الله عليه وسلم عن لبس الأحمر ولكن معظم المحدثين يرجحون جوازه.

وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة، ليس بالطويل ولا بالقصير، حسن الجسم، وكان شعره ليس بجعد ولا سبط، أسمر اللون، إذا مشى يتكفّأ.

كان جسمه صلى الله عليه وسلم متناسق الأعضاء. تناسق الأعضاء يعطي جمال الصورة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان متوسطا بين الجعودة والسبط، أي كان فيه التواء قليل. والأسمر هو الأسود، ولكن ليس معناه أنه صلى الله عليه وسلم أسود اللون ولكن كان صلى الله عليه وسلم كان أبيض مشرب بحمرة. وإذا مشى يتكفأ، والتكفؤ هو الميل إلى الأمام.

وشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتني به اعتناء كبيرا. كان ثوبه صلى الله عليه وسلم كأنه ثوب زيات لكثرة ما كان يدهن. وأوصى صلى الله عليه وسلم  بإكرام الشعر، وإكرام الشعر هو ادهانه وتسريحه. وكان صلى الله عليه وسلم يخضب في آخر حياته بالحناء والكت. والكت نبات موجود في اليمن وهو أصفر أقرب للسواد. وأوصى صلى الله عليه وسلم بصبغ الشعر غير أنه نهى عن استعمال اللون الأسود.

كان له صلى الله عليه وسلم عشرون شعرة بيضاء، وصف دقيق لأنهم كانوا يهتمون بجزئيات صغير منه صلى الله عليه وسلم.

وعن أبي إسحاق قال: سئل البراء أكان وجه النبي صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر.

ما هي مواصفات السيف؟ هل يقصد هذا الصحابي شكل الوجه؟ هل هو طويل مثل السيف أو سأل عن بريق الوجه هل يشبه بريق الوجه بريق السيف؟ فأجابه مثل القمر. أي إن وجهه صلى الله عليه وسلم لا يشبه السيف لا في طوله ولا في لمعانه، بل لمعان الوجه يشبه نور القمر وشكل الوجه يشبه دائرة القمر. ومعناه أن وجهه صلى الله عليه وسلم كان أقرب إلى الاستدارة منه إلى الطول.

وعن سِمَاك أنه سمع جابر بن سَمُرَة رضي الله عنه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شمط مقدم رأسه ولحيته وكان إذا ادهن لم يتبين وإذا شعث رأسه تبين وكان كثير شعر اللحية فقال رجل: وجهه مثل السيف، قال: لا، بل كان مثل الشمس والقمر وكان مستديرا ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده.

شمط مقدم رأسه: أي شاب مقدم رأسه، ولحييه: أي فكيه. وكان صلى الله عليه وسلم عند استعمال الدهن لا يظهر شيبه، وإذا لم يدهن كانت تظهر شعيراته البيضاء. وإذا شعث رأسه وتفرق شعره اختفى الشيب من وجهه صلى الله عليه وسلم. وكان صلى الله عليه وسلم كثيف شعر اللحية. وكان وجهه صلى الله عليه وسلم يشبه الشمس في الإضاءة ويشبه القمر في النورانية. ويشبه القمر في استدارته. ويقصد بالخاتم خاتم النبوة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم وهو عبارة عن لحمة صغير تشبه بيضة الحمامة أو الحجل، عبارة عن نتوءة في اللحم بلون الجسم ابتعادا عن أن يشبه البرص، وكان فيه شعيرات.

وعن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمهق وليس بالآدم وليس بالجعد القطط ولا بالسبط، بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.

إذن أكثر من وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم صغار السن ومنهم أنس بن مالك رضي الله عنه.

الأمهق هو شديد البياض. والأدمة هي السواد. والقطط هو شديد الجعودة. فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان بين بين من هذه وتلك. وقد ذكر الصحابي الجليل العقود دون الكسر، وإلا فقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة. والشعيرات التي كانت في شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عنها صلى الله عليه وسلم: “شيبتني هود وأخواتها”. ويقولون بأن الآية التي في سورة هود وشيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم هي آية الاستقامة فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير.