الحبيب المصطفى منقذ البشرية

ازدان الوجود في مثل هذه الأيام بميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الرسول الأكرم الذي أثنى عليه المولى جل في علاه تعظيما وتبجيلا في كتابه الكريم. أشرقت بميلاده أنوار الهداية وأضاء الكون بعد ظلمات الشرك والكفر بالله عز وجل. من نسب طاهر شريف يمتد عمقا إلى خليل الرحمن إبراهيم عليه وعلى أنبياء الله جميعا أفضل الصلاة والسلام، ولد سيد ولد آدم معلنا عن عهد جديد في مكة حيث بيت الله الحرام، إلى حيث يحج عوام قبائل العرب وأشرافها للتجارة والتعبد ولقضاء مآرب أخرى.

كان ميلاد طه بركة على والدته وآل بيته ومرضعته وكل من كان قريبا منه، اصطفاه الخالق البارئ من بين كل الخلق بل من أشرف أنسابهم ليكون للعالمين نذيرا وبشيرا. كانت بعثته صلى الله عليه وسلم انتشالا للبشرية من براثن الشرك والكفر بالله، كانت المهمة عظيمة لأنها تروم تحرير الإنسان من سلطان الهوى وكيد الشيطان لتنتقل به إلى رحاب معرفة الله وتوحيده والتعلق بجنابه والطمع في مغفرته ورحمته.

كانت المهمة كما وصفها الصحابي الجليل سيدنا ربعي بن عامر رضي الله عنه أن الله بعثه لإخراج الناس، كل الناس، من عبادة العباد الى عبادة رب العباد ومن جور الأديان الى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا الى سعة الدنيا والآخرة. وضوح في المهمة والوجهة والغاية. إنقاذ الناس جميعا من العبودية لغير الله ومن الجور والضيق إلى الاستسلام للخالق المصور للتنعم بعدل الإسلام وسعة الدنيا والآخرة.

وقد كانت المهمة واضحة ناصعة في ذهن وسلوك كل من تربى على يده الشريفة صلى الله عليه وسلم، وهكذا يجب أن تكون لدى كل مسلم ومسلمة. فالهدف هو تبليغ دعوة الله جل في علاه إلى جميع الخلق، وتذكيرهم بالنبأ العظيم استعدادا للقاء العلي العظيم.

طالع أيضا  ذكرى المولد النبوي الشريف.. ربيع الأنوار يحيينا‎
الرحمة المهداة

قال تعالى في كتابه الكريم: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، صدق الله المولى الكريم في وصفه لحبيبه وصفيه من بين خلقه بالرحمة المهداة المرسلة للعالمين جميعا، قال بعض العلماء أن العالمين هو كل ما دون الله جل في علاه. إذن فالنبي محمد عليه صلوات الله وسلامه رحمة شاملة تصل جميع الخلق في جميع انحاء هذا الكون الفسيح، بل إن نبينا المختار صلى الله عليه وسلم يشمل برحمته ما دون البشر من خلق الله من بهائم وجماد وكل شيء.

كان رحيما بأهله وذريته وأزواجه وأصحابه وكل من لقيه أمل في أن يسمع كلام الله. كان قوله كله رحمة، وفعله رحمة، وتقريره رحمة… حتى أن سيدنا حسان رضي الله عنه قال فيه صلى الله عليه وسلم:

أغر عليه للنبوة خاتم *** من الله نور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه *** إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود وهذا محمــدذكر الصحابة رضوان الله عليهم الكثير من تجليات رحمة الحبيب المصطفى بهم وبالصبيان والبهائم وكذا بغيرهم من المشركين واليهود، إلا أن تنتهك حرمات الله.

هكذا سطر لنا الحبيب المصطفى منهاج المسير، وعلى أمة المختار الاقتداء بالمعلم الأعظم في رحمته بكل الخلق فتكون رحمة في هذا الزمان الذي قست فيه القلوب من كدر الذنوب أو من طول الأمد. فرحمة الإسلام لابد أن تعم الأرض بمن فيها، بهذا نتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة كما قال عز من قائل لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا.

كان خلقه القرآن

كان هذا جواب أمنا عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قرآنا يمشي بين الناس. كان لعلمائنا العظام رحمهم الله جميعا الفضل في تدوينهم لسيرة المصطفى وجمعهم لأحاديثه الشريفة فبلغنا منها الكثير حول خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرب والسلم، في المنشط والمكره، في السفر والحضر، في البيت وفي المسجد وفي الخلوة، مع الصحابة السابقين ومع مسلمة الفتح والأعراب، مع اليهودي الجار والمحارب لدين الله وذي الميثاق…

طالع أيضا  ذاك يوم وُلِدت فيه.. هدية مزجاة بين يدي المصطفى العدنان

ما جاد الزمان قبل ولا بعد بمثل خلق رسول الله، فقد استجاب الكثير من الخلق لنداء الرحمن عبر خلق رسول الله. قال الإمام علي كرم الله وجهه في بعض أخلاقه: كان أوسع الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم معشرا). وقال القاضي عياض في كتاب الشفا: وكان رسول الله يؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم… يتعهد أصحابه ويعطي كل جلسائه نصيبه… قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء…)، وقد جمع الله كل خلق النبي وأثنى عليه قائلا سبحانه وإنك لعلى خلق عظيم. صلى عليك الله يا علم الهدى.

فما أحوجنا، أمة الإسلام إلى أخلاق المصطفى تكون لنا سراجا ينير طريقنا وسط مدلهمات الحياة الدنيا وفي معركة التدافع مع الباطل لتبليغ دعوة الله.

محبة المصطفى… العروة الوثقى

لن يتحقق لنا شيء من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بقيت محبة الشفيع المشفع أماني معسولة ولم نشمر على ساعد الجد، وننفض غبار الغفلة عن قلوبنا. ولا يجدي التأسف والحوقلة على مثل ذلك الزمان وتلك الأخلاق. إن كنا نرجو الله واليوم الآخر وجعلنا ذكر الله دأبا في كل حين، فالخطاب القرآني واضح لنا لا لبس فيه: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا. محبة المصطفى هي حبل النجاة وطريق الهداية، بلغنا من سير الأولين من كان إذا سمع حديث رسول الله بكى حتى رحمه من معه، ومنهم من يغمى عليه، ومنهم ومنهم…

أما الصحابة الكرام فهم المثال الأرقى في فداء الحبيب بالمهج، فهذا علي كرم الله وجهه يفديه بنفسه يوم الهجرة، وهذا أبو بكر يدفع عنه سم الحية بيديه وغير ذلك كثير من معاني الحب والإخلاص للحبيب المصطفى. حجبت عنا قرون العض والجبر تلك المعاني حتى صار من بيننا من يجعل الاحتفاء بذكرى مولد الحبيب بدعة من البدع، يا سبحان الله؟؟

طالع أيضا  الرحمة المهداة (فيديو)

رحم الله الإمام البصيري حيث عبر بأروع العبارات وأصدق الكلمات في حب المصطفى:فهو الذي تم معناه وصورته *** ثم اصطفاه حبيباً بارئُ النسـم

منزهٌ عن شريكٍ في محاسنـه *** فجوهر الحسن فيه غير منقسـم

دع ما ادعته النصارى في نبيهـم *** واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف *** وانسب إلى قدره ما شئت من عظم

فإن فضل رسول الله ليس لـه *** حدٌّ فيعرب عنه ناطقٌ بفـم