8   +   9   =  

حبل التقرير السياسي الصادر عن المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الـ22، المنعقد قبل أسبوع، بمواقف سياسية واضحة وبتحليل معزز بأفكار عميقة ومعطيات مُحيّنة تغطي السنة الجارية (2018).

توزع التقرير على محاور عدة؛ خارجية ديبلوماسية، وسياسية داخلية، واقتصادية، واجتماعية، وحقوقية… نعيد طرحه بشكل موزع على حلقات/محاور تسهيلا لاطلاع القراء على مضامينه الغنية.

اليوم مع المحور الخارجي:

1.  دولياً: هيمنة الاستكبار واستمرار الانكسار

تستمر القطبية الأحادية للولايات المتحدة الأمريكية في ممارسة غطرستها على الشعوب والدول، مع ما يلاحظ من محاولات لصعود قوى دولية أخرى في مقدمتها الصين من خلال تركيزها المتزايد على الانتشار الاقتصادي، وروسيا التي تزايد تأثيرها في العالم العربي مستغلة بذلك دعمها لنظام بشار في سوريا وعلاقتها مع تركيا وإيران، فضلا عن علاقات ثنائية أخرى مع مصر والعراق والسعودية.

ويلتقي الاستكبار العالمي بمختلف محاوره على ابتزاز واستنزاف الثروات المادية والمعنوية للأمة العربية والإسلامية من خلال الركوب الفج على محاربة الإرهاب، فتحولت عدة دول من العالم العربي (سوريا، اليمن، ليبيا) إلى ساحة حرب، مع ما يخلّفه ذلك من دمار للعمران وتقتيل أو تعذيب أو تهجير للإنسان. وهو ما يفضح نوايا وخلفيات الصراعات الدولية، التي تستحضر كل شيء إلا كرامة الإنسان وحقه البسيط في الحياة. ذلك أن أولوياتها هي بسط هيمنتها العسكرية على الدول، وتأجيج النعرات الطائفية واجتثاث المقومات الحضارية والدينية للشعوب العربية والإسلامية، ثم الحفاظ على مصالحها ومواقعها الاستراتيجية من خلال دعم المستبدين وتأزيم الأوضاع في مناطق الصراع. فيما تُيَسِّر أنظمةٌ عربيةٌ مهمة الاستكبار العالمي بما تثيره من معارك هامشية تذكي واقع التفرقة والانكسار وتجزيء المجزأ، ولعل الأزمة التي تنخر مجلس التعاون الخليجي خير دليل على ذلك.

ورغم ما يوحي به هذا الواقع العربي المنغلق، بفعل محاولات الارتداد على تجربة الربيع العربي حين ديست الديمقراطية وحقوق الإنسان بجبروت الحديد والنار، وقادته الدول العميقة المتسلطة بمباركة نظام إقليمي يخشى تحرر المواطن وتحرير الفضاء العمومي، وبتأييد مستكبري العالم الرافضين نشوء تجارب انتقال حقيقية من شأنها أن تفضي إلى استقلال القرار السياسي والانعتاق من التبعية الاقتصادية، رغم ذلك فإن المؤشرات التي تتواتر من الميدان ومن واقع الناس وفعل الشباب -رغم كل المخاطر والتحديات- تقول بشكل صريح لا لبس فيه إن طموح الشعوب نحو الحرية وسعيها اتجاه الكرامة وطلبها للعدالة يتعزز ويترسخ، وهو ما تؤكده العديد من الدراسات العربية والأجنبية التي صدرت خلال الأشهر الأخيرة مؤكدة حجم التغيير العميق، الهادئ والخفي، الذي يعتمل في المنطقة على مستوى العقليات والقناعات والتفاف الناس حول مطلب التغيير.

وقد تميزت الإدارة الأمريكية الحالية بالرفع من مستوى الدعم الأمريكي غير المشروط للكيان الصهيوني، أمام تصاعد وتيرة تنزيل مشروع “صفقة القرن”؛ ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية بدءا بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة في 14 ماي 2018 رغم تصويت عدد كبير من الدول لصالح القرار التاريخي للجمعية العامة للأمم المتحدة الرافض لأي تغيير على وضع مدينة القدس، إلا أن هذا القرار لم يؤخذ بعين الاعتبار خاصة وأن الكيان الصهيوني يستفيد من الدعم المكشوف من الغرب، والتواطؤ المتزايد من معظم الأنظمة العربية الرسمية عبر التطبيع الخفي والعلني اقتصاديا وثقافيا ورياضيا وفنيا دون مراعاة لمشاعر الشعوب العربية والإسلامية. ففي المغرب مثلا تجاوزت الممارسات التطبيعية التبادلات التجارية لتشمل التطبيع الرياضي؛ إذ رُفِع علم الكيان الصهيوني ورُدِّد نشيده خلال مشاركة رياضيين من الكيان في بطولة العالم للجيدو بأكادير في مارس 2018، ثم مشاركة رياضيّيْن آخرين في ألعاب “ترياثلون 2018” بمدينة العرائش. التطبيع الثقافي أيضا يتمدد، إذ تم هذه السنة تكريم الصهيوني سيمون سكيرا رئيس ما يسمى “جمعية الصداقة الإسرائيلية المغربية”، وذلك خلال مهرجان للفيلم القصير 2018 في جامعة الأخوين بمدينة إفران. فضلا عن زيارة وزير الخارجية المغربي للأراضي المحتلة بالقدس الشريف، وهي الأولى لمسؤول مغربي رفيع المستوى.

وانطلاقا من تداخل الهم المحلي بهموم الأمة والإنسانية في تصورها، فقد كانت جماعة العدل والإحسان حاضرة في مختلف الأنشطة والفعاليات الداعمة لقضايا الأمة العادلة عبر هيئة النصرة ومكتب العلاقات الخارجية وباقي مؤسساتها، وتجلى ذلك في المبادرة إلى مساندة الشعب الفلسطيني من خلال التنسيق مع هيآت أخرى في الدعوة إلى تنظيم مسيرة بالدار البيضاء يوم 20 ماي 2018 تضامنا مع مسيرات العودة في فلسطين، هذه المسيرات التي راح ضحيتها خلال سبعة أشهر عن انطلاقها أكثر من 190 شهيدا و20772 إصابة بجراح مختلفة واختناق بالغاز. رحم الله الشهداء رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته.

كما حرصت الجماعة على التفاعل الميداني مع جميع الملفات الفلسطينية الأخرى؛ وخاصة التنديد بتهويد المقدسات، والاستمرار في الحصار الظالم على سكان قطاع غزة، من خلال أنشطتها في الهيئة الدولية لإعمار غزة وعضويتها في الائتلافين العالمي والمغاربي لنصرة القدس وفلسطين. فضلا عن التنسيق والتعاون مع كثير من الهيئات والقوى المغربية، في مقدمتها الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة والائتلاف المغربي للتضامن والائتلاف المغربي من أجل فلسطين ومناهضة التطبيع والمرصد المغربي لمناهضة التطبيع. وكانت لها عدة مشاركات في مؤتمرات ومنتديات دولية ساهمت من خلالها في توسيع وتوطيد علاقاتها الخارجية والتواصل ونشر رؤيتها حول قضايا الأمة والعلاقات بين الدول والشعوب.

2. دبلوماسيا: تواصل الإخفاق

تعرف العلاقات الخارجية المغربية ضعفا مؤسساتيا وبطئا في الأداء، ويرجع ذلك إلى مشكل بنيوي مزمن ظلت الدبلوماسية المغربية تعاني منه نتيجة تدبير احتكاري من طرف المؤسسة الملكية ومحيطها، مع السماح لبعض الفاعلين السياسيين بلعب أدوار ثانوية. ففي الوقت الذي تغيب فيه معايير الكفاءة في توزيع مناصب السفراء يحضر منطق الريع والتسويات الحزبية، وفي الوقت الذي يضعف فيه الأداء الاحترافي والتخطيط الاستراتيجي يحضر منطق شراء الولاء الدبلوماسي بالمال أو عبر تقديم الامتيازات الاقتصادية على حساب مصلحة الوطن والمواطن.

ولعل أول نتائج ذلك هو استمرار توتر العلاقات مع المحيط؛ فإلى جانب التوتر الدائم مع الجزائر، نجد أن العلاقات المغربية الموريتانية غير مستقرة. فبعد تبادل السفراء بين المغرب وموريتانيا خلال السنة الماضية، الذي ظل مجمدا منذ سنة 2012، عادت الأجواء المتوترة لتسود خلال هذه السنة خاصة بعد الاستقبال الذي خص به كل من الوزير الأول والرئيس الموريتانيين، في لقاءين منفصلين، مبعوثَ جبهة البوليساريو خلال زيارة رسمية إلى موريتانيا، وقد حدث ذلك في الوقت الذي كان الوسيط الأممي، هورستكوهلر، يجري مباحثات مع كل من الجزائر وموريتانيا خلال فبراير 2018 تفعيلا لمقتضيات القرار الأممي 2414 القاضي بإشراك دول الجوار في دعم مجهودات المبعوث الأممي، والدفع بمسلسل المفاوضات.

وبعد عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي واعترافه الضمني بفشل سياسة الكرسي الفارغ التي انتهجها منذ 1984، فإن الرهانات السياسية والدبلوماسية لهذه العودة مازالت معلقة، فيما فُتِحت نقاشاتٌ من داخل الاتحاد ترنو إلى وضع آلية لمعالجة قضية الصحراء، والتدخل من أجل إيجاد حل لها، إذ نص التقرير الذي عرض على رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي خلال قمته ال 31 التي احتضنتها موريتانيا يومي فاتح وثاني يوليوز  2018، على ضرورة أن يدرج الاتحاد الإفريقي عمله في إطار دعم معزز لجهود الأمم المتحدة، من أجل مضاعفة حظوظها في بلوغ هدفها. إلا أن المغرب رفض أي مسلسل إفريقي مواز في تدبير هذه القضية ودعا إلى تكريس أولوية المسلسل الأممي، وهو دليل على ضعف ثقته في الاتحاد الإفريقي نتيجة ضعف موقعه وتأثيره فيه.

وتعرف لجنة القدس جمودا غير مسبوق، وانتكاسةً في مهمتها المحددة في حماية القدس الشريف من خلال التصدي للمخططات الصهيونية الرامية إلى طمس الطابع العربي الإسلامي لهذه المدينة المباركة. هذا في الوقت الذي تعرف فيه قضية القدس منعطفا تاريخيا حاسما، وهجوما صهيونيا وأمريكيا كاسحا يستهدف الوجود التاريخي والحضاري والعقائدي على تلك البقعة المشرفة التي حباها الله تعالى وما حولها بالبركة والتشريف والتقديس، فباستثناء الرسالة التي وجهها ملك المغرب باعتباره رئيسا لهذه اللجنة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخصوص نقل السفارة الأمريكية للقدس، فإن أداء اللجنة كان باهتا وتعاطيها مع الحدث كان هزيلا.