الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام سيد الخلق وأكرمهم عند الله تعالى؛ الرحمة المهداة والنعمة المسداة، وعلى آل بيته الطاهرين وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه، وأحبابه، وإخوانه وحزبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد؛

لقد خص الله عز وجل نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم بمكانة عالية عنده، وأعطاه من النعم الكثيرة في الدنيا والآخرة؛ فرفع ذكره، وأعلى من قدره، وزكاه كله فقال عز من قائل: وإنـك لعلى خلق عظيم 1 . وقد وردت نصوص كثيرة، من آيات وأحاديث وآثار، في بيان مقامه صلى الله عليه وسلم عند ربه عز وجل:

جعل اسمه مع اسمه

قرن الله تعالى اسم النبي صلى الله عليه وسلم مع اسمه عز وجل في النطق بالشهادة وفي الآذان، وفي الطاعة؛ ومن يطع الله ورسوله ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم 2 ، وفي الاستجابة؛ يا أيها الذين ءامنوا استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم 3 ، وغيرها كثير مما يدل على قدره عليه الصلاة والسلام عند ربه، وهذا شرف عظيم لم ينله نبي قبله ولا أحد من الخلق.

غفر له ما تقدم وما تأخر من ذنبه

قال الله تعالى: إنا فتحنا لك فتحا نبينا. ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما. وينصرك الله نصرا عزيزا 4 .

وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم صَلَّى حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً 5 .

أعطاه الله الكوثر

قال الله تعالى في سورة الكوثر: إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك واِنحر إن شانئك هو الأبتر وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: “بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف قلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر” 6 .

خصه بالشفاعة ولواء الحمد

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع، وأول مُشَـفَّع ولا فخر، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر” 7 .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لكل نبي دعوة دعا بها في أمته، فاستجيب له، وأنا أريد أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة” 8 .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً” 9 .

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة، لأنها أعم، وأَكْـفى، أترونها للمتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين الخطائين، المُلوَّثين” 10 .

الوسيلة وهي أعلى درجة في الجنة

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة” 11 .

أفلا نحب هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم، ونوقره ونعزره، ونتبعه، وقد خصه ربه عز وجل بهذا المقام العلي، وجعل اتِّباعه واتِّباع سنته دليلا على محبته سبحانه وتعالى، وموجبا للمغفرة، فقال عز من قائل: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم 12 .

اللهم اجعلنا من إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أحبابه وأتباعه وأنصاره، وصل اللهم عليه وسلم تسليما كثيرا، ورضي الله تعالى عن آل بيته وأزواجه وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين.


[1] سورة القلم / الآية: 4.\
[2] سورة النساء من الآية 13.\
[3] سورة الأنفال من الآية 24.\
[4] سورة الفتح الآيات 1-3.\
[5] رواه الإمام البخاري، كتاب: التفسير، باب: “ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر”، حديث رقم: 4836. والإمام مسلم، كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، حديث رقم: 79-2819.\
[6] رواه الإمام البخاري، كتاب: الرقاق، باب: في الحوض، حديث رقم: 6581.\
[7] رواه الإمام ابن ماجة، كتاب: الزهد، باب: ذكر الشفاعة، حديث رقم: 4308.\
[8] رواه الإمام البخاري، كتاب: الدعوات، باب: لكل نبي دعوة مستجابة، حديث رقم: 6304.\
[9] رواه الإمام مسلم، كتاب: الإيمان، باب: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: “أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعا”، حديث رقم: 330-196.\
[10] رواه الإمام ابن ماجة، كتاب: الزهد، باب: ذكر الشفاعة، حديث رقم: 4311.\
[11] رواه الإمام مسلم، كتاب: الصلاة، باب: استحباب قول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسأل اللهَ له الوسيلةَ، حديث رقم: 11-384.\
[12] سورة آل عمران الآية: 31.\