عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة  1 .

عندما يتأمل المؤمن هذا الحديث يدرك كم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كريما وسخيا وعظيما، ذلك أنه كان يؤمن بمجموعة من المبادئ لا نجدها إلا لدى العظماء وهو أعظمهم، وهذا الحديث يعبر عن أحد هذه المبادئ وهو مبدأ العطاء والبذل بلا حدود. فبالتأمل والنظر في الكون سنجده كله يقوم على هذا المبدأ، فالشمس تعطي الضوء بلا حدود، والقمر يعطي النور بلا حدود، وكذلك الأشجار، والبحار، والماء، والهواء والحيوانات، والنبات، وقس على ذلك كل الموجودات. باستثناء الإنسان وحده يخشى الفقر والحاجة والنقص، ولذلك يبخل ويشح.

لكن رجلا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مثالا للعطاء والبذل والسخاء بلا حدود، أجود بالخير من الريح المرسلة، تعبير رائع على معنى دوام العطاء وسرعة تقديمه. وقد صدق الذي قال: كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. فإيماننا بهذا المبدأ النبيل في حياتنا سيعطي لها طعما خاصا يجعلنا نعيش القناعة في كل شيء، وهذا ما يتنافى مع العبارات التي تصدر منا والتي تعبر عن النقص والندرة والطمع، من قبيل: “إني محتاج”، “إنني ضعيف”، “ليس لدي ما يكفيني”، “أتمنى أن يكون لدي مثل ما لدى فلان”… فنتخيل حياتنا كلها نقص وحاجة، وأن غيرنا سعداء بما يملكون بينما نحن لسنا سعداء لأننا غير محظوظين مثلهم.

إن ثقافة النقص والحاجة مثلها مثل ثقافة التسول تربينا عليها في مجتمع يحتاج إلى الإصلاح والتغيير. فطالما نحن نؤمن بهذه الثقافة في حياتنا فذلك هو ما سنجلبه لأنفسنا النقص والحاجة والمعاناة للحصول على الحاجة والمزيد منها، وبالتالي صعوبة التفكير في العطاء والبذل. السؤال المطروح إذا هو كيف نتخلص من ثقافة النقص والحاجة ونعيش ثقافة العطاء والبذل بلا حدود كما كان رسولنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم؟

في البداية علينا ندرك أن المنطق العقلي قد لا يستسيغ هذا المبدأ الذي هو العطاء والبذل بلا حدود لأنه يؤمن بالحسابات المادية، ما يدخل إلى الجيب هو ربح، وما يخرج منه نقص وبالتالي خسارة. لكن المنطق الإيماني الذي يتعامل مع الغيب يستسيغ هذا المبدأ لأنه يؤمن بالبركة والقناعة. ما يخرج من الجيب بنية العطاء في سبيل الله يُعوض أضعافا مضاعفة، وبالتالي هو ربح وليس خسارة.

ولترسيخ هذا المنطق الإيماني علينا أن نستحضر جملة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر ما يلي:

فمن الآيات القرآنية:

– قوله سبحانه تعالى: لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون، وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم (آل عمران: 92).

– وقوله تعالى: وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون (الأنفال: 60).

– وقوله سبحانه: يسألونك ماذا ينفقون، قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل، وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (البقرة: 215).

– وقوله عز وجل: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم (البقرة: 261).

ومن الأحاديث النبوية:

– عن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- قال: “سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني، ثم قال: “يا حكيم: إن هذا المال خضرة حلوه، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى”، وفيه .. حتى قال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، إني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي” 2 .

– وعن أنس رضي الله عنه قال: “ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ًإلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها” 3 .

– عن جابر رضي الله عنهما قال: “ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم قط فقال: لا” 4 .

إلى جانب ما سبق حتى يصبح المبدأ جزءا من سلوكنا علينا أن نركز فكرنا على ما نملك من النعم التي حبانا الله بها من جهتين، من جهة الشكر، أن نقدم عليها الشكر لله في كل لحظة، وعلى رأسها نعمة الإيجاد في الحياة، ونعمة الإمداد بالخيرات، ونعمة الهداية إلى الطاعات، فإن تركيزنا على تقديم الشكر لله هو تقدير لإنسانيتنا العظيمة، ومن جهة الرضا، أن نرضى بما قسّم الله لنا من نعم، فإن تركيزنا على الرضا توجيه لتفكيرنا إلى مبدأ السخاء والاكتفاء والاستغناء. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “وارض بما قسّم الله لك تكن أغنى الناس” 5 .

وبهذه الخطوات نقضي على ثقافة النقص والحاجة ونعيش ثقافة العطاء والبذل بلا حدود التي كانت مبدأ من مبادئ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ما بعث إلا ليتمم مكارم الأخلاق صلى الله عليه وسلم.


[1] رواه البخاري رحمه الله.\
[2] رواه البخاري واللفظ له ومسلم.\
[3] رواه مسلم في فضائل النبي صلى الله عليه وسلم.\
[4] رواه البخاري في الأدب باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل، ومسلم في فضائل النبي صلى الله عليه وسلم.\
[5] أخرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما.\