حبل التقرير السياسي الصادر عن المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الـ22، المنعقد قبل أسبوع، بمواقف سياسية واضحة وبتحليل معزز بأفكار عميقة ومعطيات مُحيّنة تغطي السنة الجارية (2018).

توزع التقرير على محاور عدة؛ خارجية ديبلوماسية، وسياسية داخلية، واقتصادية، واجتماعية، وحقوقية… نعيد طرحه بشكل موزع على حلقات/محاور تسهيلا لاطلاع القراء على مضامينه الغنية.

اليوم مع المحور الحقوقي:

أبدت جل المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية قلقها الشديد حيال ما وصفته بالأوضاع الحقوقية الخطيرة التي يشهدها المغرب، فبدل أن تبادر السلطة إلى معالجة أسباب السخط والاحتجاجات السلمية والأصوات المتعالية المطالبة بالعدالة الاجتماعية والحريات العامة، لجأت إلى استعمال أساليب تمس بشكل كبير حقوق الإنسان كالاعتقال والتضييق على حرية التعبير وفرض قيود على المنابر الإعلامية ومحاكمة الصحفيين والمدونين والحقوقيين والنشطاء المنتقدين لسياسات الدولة أو الناشرين لأنباء عن انتهاكات لحقوق الإنسان أو فساد أو المشاركين في احتجاجات شعبية. أما الحق في المعلومة فما يزال حبيس النصوص للتسويق الخارجي ولا تجد لها مكانا للتنزيل على واقع المغرب، ولعل أكبر الشواهد على ذلك التحقيقات حول بعض الأحداث المجتمعية، آخرها الحادث الأليم لقطار بوقنادل، والتي تفتح حولها تحقيقات لا تتاح حيثياتها وتفاصيلها للمواطن وتغلق إما بالرهان على الزمن للنسيان أو البحث عن كبش فداء بعيدا عن المسؤولين الكبار. وثاني مثال على غياب الحق في المعلومة هي اللجان التي تستحدث لإنجاز دراسات حول قضايا هامة ولا يتم إطلاع الرأي العام عن تفاصيل ومعايير وعينات الدراسة التي تتخذ مسوغا لفرض تشريعات وقوانين وسياسات تمس المواطن، ولعل آخر مثال في هذا الباب قرار اعتماد التوقيت الصيفي طيلة السنة دون إطلاع المواطن على نتائج الدراسة التي قيل أنه استند إليها في هذا القرار الذي استهجنه المغاربة لما يخلفه من نتائج سلبية على المستويات النفسية والاقتصادية والاجتماعية.

1.  الحراك الشعبي: اعتقالات واسعة ومحاكمات جائرة

تجاوز عدد معتقلي الريف وجرادة 700 معتقل، أغلبهم يحاكمون بدائرة نفوذ استئنافية الحسيمة، البيضاء، وجدة، وجلهم ينتمون إلى فئة الشباب. وقد سجلت منظمات حقوقية وهيئات دفاعهم أثناء سريان اعتقالهم ومحاكماتهم باستعمال القمع الشرس مما أدىإلى وفاة الشاب عماد العتابي، إلى جانب تعريضهم للتعذيب والعنف ولممارسات حاطة وماسة بالكرامة أثناء إيقافهم والتحقيق معهم، فضلا عن غياب ضمانات وشروط المحاكمة العادلة، بدء من تعريض هيئة دفاعهم لعدة مضايقات وضغوطات عبر الاستهداف والتهديد، مما شكل انتهاكا صارخا لحصانة الدفاع. كما تم تسجيل استخفاف النيابة العامة وقاضي التحقيق والمحكمة بحرية المعتقلين من خلال غياب المبررات الموضوعية والقانونية لإخضاعهم للإجراءات السالبة للحرية، وعدم تفاعلهم مع الدفوع الشكلية التي أثارها دفاعهم في اتجاه إبطال المحاضر والمساطر المنجزة في حقهم وسقوط المتابعات لكونها أنجزت خارج إطار القانون، وعدم التزام المحكمة بالحياد التام والاستخفاف بقرينة البراءة، مما يجعل السياسة الجنائية تسير نحو أفق مجهول حيث تطرح علامات استفهام حول موقع مؤسسة النيابة العامة بين باقي المؤسسات القضائية الأخرى، وخاصة مؤسسة الضابطة القضائية ومديرية حماية التراب الوطني، سواء على مستوى ضمانات تطبيقها وتقيدها بالقانون، أو مدى حرصها  على الأمن القانوني والقضائي للمواطن. ومما يؤكد على أن ملف اعتقال نشطاء الحسيمة وجرادة سياسي وليس قانونيا هو العفو الذي أصدره الملك علن 54 من المعتقلين.

كما يسجل عدم إنشاء آلية وطنية للوقاية من التعذيب بعد، فما زالت المحاكم تستند إلى أقوال أدلى بها الضحايا أثناء الاحتجاز في غياب محام من أجل إدانتهم دون إجراء تحقيقات كافية ووافية في الادعاءات القائلة بأن هذه الأقوال انتزعت بالإكراه من خلال التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، إضافة إلى استمرار الإفلات من العقاب بتقاعس السلطة عن اتخاذ أي خطوات نحو التصدي لهاته الظاهرة.

وبالمقاربة الأمنية نفسها تعاملت السلطة مع قضايا أخرى من مختلف المناطق الجغرافية والفئات العمرية، منها مثلا الاعتقالات والمحاكمات التي تعرض لها عدد من المحتجين فيما عرف بانتفاضة العطش بمدينة زاكورة، والتضييقات التي تمارسها السلطات على العمل النقابي والثقافي لطلاب المغرب، والذي تمثلت هذه السنة في ملفات قضائية مصطنعة، لطلبة كل من الجديدة وطنجة وفاس نموذجا.

وإيمانا منها بعدالة القضية وإسهاما في إشاعة ثقافة التضامن فقد تعاطت جماعة العدل والإحسان مع هذا المشهد الحقوقي، من خلال تمثيلها الوازن والفعال في هيئات الدفاع بجل الملفات الحقوقية الرائجة بالمحاكم الوطنية، حيث تعد الجلسات بالمئات، ومن خلال مشاركتها في التظاهرات والوقفات التضامنية مع المعتقلين أبرزها المسيرتين الشعبيتين بالرباط بتاريخ 11 يونيو 2017 و15 يوليوز 2018، ناهيك عن التضامن الحقوقي من خلال البيانات المؤازرة الصادرة عن مؤسسات الجماعة المركزية وكذا الدعم الاجتماعي لأسر المعتقلين من خلال العضوية الفاعلة بلجن دعم عائلات المعتقلين، إلى جانب التغطية والمواكبة الإعلامية لجل الملفات والقضايا الحقوقية في اتجاه نصرة المظلوم وفضح الوجه الكالح للمخزن تحقيقا لهدف تقويض أركان الفساد والاستبداد.

2.  الإعلام: التضييق على حرية الرأي والصحافة

واصلت السلطات تشديد القيود على حرية الرأي والتعبير والحقوق والحريات المرتبطة بها، وعلى رأسها الحق في الوصول إلى المعلومة وتداولها بعد  صدور قانون 31.13 المخيب للآمال، كما استمرت في مقاربتها الأمنية بتفعيل متابعة الصحافيين بقوانين غير قانون الصحافة والنشر تضمنها القانون الجنائي الذي يتضمن عقوبات سالبة للحرية، وهو ما يكشف خلفيات السلطة التضييقية على الصحافة، ويفضح حقيقة قانون الصحافة والنشر الذي بشر به حين صدوره باعتباره خال من العقوبات الحبسية، والتستر على أن هذا القانون يفتح الباب لمتابعة الصحافيين بقوانين أخرى.. وهو ما تكرر مع متابعة صحافيين بالقانون الجنائي بالقانون التنظيمي للجان تقصي الحقائق. واستمر كذلك التحكم في الخطوط التحريرية من خلال سلاح الدعم والاشهار والضغط على بعض المستشهرين.

فحسب تقرير لمنظمة مراسلون بلا حدود فإن المغرب يقبع في الرتبة 135 في مؤشر حرية الصحافة؛ حيث بينت تظاهرات “حراك الريف” مدى الصعوبات التي يتعرض لها الصحافيون المغاربة والأجانب في محاولة تغطية أي مواضيع تعتبر من المحرمات، في هذا السياق تم اعتقال 14 صحافيا أواخر السنة المنصرمة، كما تم ترحيل عدد من الصحافيين الأجانب.

وقد جاء الارتباك في تأسيس المجلس الوطني للصحافة، وما صاحبه من جدل ومن محاولات للتحكم والضبط، ليعكس حجم التخبط الذي يعرفه القطاع، وإخفاق السلطة في استكمال حلقات الضبط التشريعي والتنظيمي للسلطة الرابعة.

ولم تختلف سنة 2018 عن سابقاتها بخصوص التحكم في الإعلام العمومي من خلال حرمان المعارضين السياسيين من التعبير عن آرائهم، وإبداء مواقفهم وانتقاداتهم وتقويمهم للسياسات الرسمية في مختلف المجالات، فرغم أن الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري “الهاكا” أصدرت بتاريخ 7 يونيو 2018 قرارا ينظم التعبير التعددي لتيارات الفكر والرأي في خدمات الاتصال السمعي البصري خارج فترات الانتخابات العامة والاستفتاءات، إلا أن واقع الحال تمثل في استمرار الاستفراد بالإعلام العمومي وفرض الرأي الوحيد ومنع كل الفاعلين الذين يعبرون خارج “النسق الرسمي” من التعبير عن آرائهم.

كما يسجل استمرار تحكم منطق الريع في الإنتاج الإعلامي العمومي؛ إذ تحولت “دفاتر تحملات” القنوات العمومية من آلية تنافسية إلى أسلوب لتبييض عملية تفويت البرامج والإنتاجات إلى شركات محدودة تقتسم كعكة الإنتاج. واقع دفع، من جهة، بعدد كبير من شركات الإنتاج إلى الإفلاس، ومن جهة ثانية إلى استمرار حالة تردي المنتوج الإعلامي بعيدا عن تطلعات الجمهور وحاجته إلى إعلام يلامس الواقع والقضايا الحقيقة التي يعيشها المواطن، ويرتقي بالبلد ويساهم في نهضتها. بل وعلى العكس من ذلك تزايدت حدة استهداف قيم وهوية المجتمع المغربي في ظل ازدياد مظاهر الإسفاف والابتذال.

3.  الحق في العمل الجمعوي: بين المنع والريع

على نحو أكثر واقعية وصرامة وصفت تقارير المنظمات الدولية الوضعية الحقوقية لجمعيات المغرب خلال سنة 2017 بالصعبة، وأن الحق في تأسيس الجمعيات لازال خاضعا لمنطق التحكم، ذلك أن المسؤولين يواصلون منع الجمعيات من الحق في النشاط والتأسيس والتجديد، “كالعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان” و”الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” نموذجا.

كما أكدت المنظمات الدولية أن المجتمع المدني يخضع للمضايقات القانونية ولقيود السفر وغيرها من القيود التي تحول دون عملها، فقد منعت السلطة في يوليوز 2018 جمعية وطنية من تنظيم مخيم للأطفال بسبب الانتماء السياسي لآباء بعض المشاركين فيه منتهكة بذلك حقوق الطفل في الاستجمام والترفيه، وحق الجمعية في النشاط والتنظيم. ولا تزال العديد من الجمعيات المحسوبة أو المقربة من جماعة العدل والإحسان، تعاني من المنع من مزاولة أنشطتها بدون مبرر قانوني، فمازالت الأجهزة المخزنية تمنع مئات الجمعيات الثقافية، الاجتماعية، التضامنية، التنموية والشبابية من حقها في التأسيس أو النشاط العادي، وهذا يكرس بطبيعة الحال واقع الاستبداد وقمع الحريات ويؤكد تشبث السلطة بخيار الضبط مفتاحا محوريا لمحاصرة كل فعل جمعوي لا ترغب بوجوده أو امتداده.

4.  العدل والإحسان: ملف حقوقي مستمر

لازالت الملفات الحقوقية التي تهم جماعة العدل والإحسان مفتوحة، فبالإضافة إلى الحصار والتضييق ومصادرة حقوقها في التنظيم والتعبير، لازالت بيوت بعض أعضائها مشمعة وعلى رأسها بيت أمينها العام الأستاذ محمد عبادي، ولازال المعتقل السياسي عمر محب يقضي مدة 10 سنوات سجنا ظلما في ملف فارغ قانونيا، فضلا عن محاولات إقبار ملف الشهيد كمال عماري ومعه إقبار الحقيقة في تورط السلطات في مقتله.

من جهة أخرى لازالت حملة الإعفاءات من مهام بالوظيفة العمومية التي تعرض لها عشرات الأطر من نشطاءجماعة العدل والإحسان بخلفية انتمائهم السياسي، تثير نقاشا ساخنا وحادا في الوسط الحقوقي والمشهد السياسي. حيث تمكنت اللجنة الوطنية لمساندة المتضررين من الإعفاءات التعسفية من الترافع عن الملف أمام الفرق البرلمانية بغرفتي مجلس المستشارين ومجلس النواب فضلا عن مراسلة الآليات الأممية قصد فضح وإسقاط قرارات الإعفاءات التعسفية التي اتخذتها الدولة خارقة بذلك كل المواثيق والقوانين والمقتضيات المتعلقة بالحماية القانونية والإدارية للموظف.

كما سلكت هيأة الدفاع المسار القضائي من خلال سلوك مساطر الطعون في قرارات الإعفاء أمام المحاكم الإدارية المختصة، ناهيك عن الندوات الصحفية التي نظمت حول الموضوع من قبل قيادة الجماعة المركزية، والتظاهرات الاحتجاجية التضامنية والبيانات الحقوقية والسياسية والنقابية الداعمة.