مقدمة

إن أجمل حديث يطرب، وأحسن كلام يسعد، هو الحديث والكلام عن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فليس من الأدب أن يُسهب الإنسان في الحديث عن كل شيء وينسى أو يتناسى الحديث عمن إحسانه به واصل، وخيره عبر التاريخ بكل الناس متواصل، شخصه الكريم حتى وإن غاب فأثره نحياه نورا داخل كل قلب مؤمن وفي كل طريق خير وعند كل باب من أبواب الرحمة. فإن كان من الطبيعة الإنسانية أن تحب من أسدى إليها جميلا فهو أولى بالحب من غيره من البشر، لأنه أسدى إلينا جميلا لا يوصف، لا حدّ له ولا عدّ. يكفي أنه أكمل الله به الدين وأتمّ به النعمة.

هذا الحبيب الذي بذكره تهتز القلوب طربا، وتحنّ الأرواح إلى رؤيته شوقا وقربا هو بشر ولكن ليس ككل البشر، قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد (الكهف: 105). “يوحى إليه” هذه هي الميزة التي تجعله بشرا ليس ككل البشر. ولما كان كذلك فإن أي حديث عنه صلى الله عليه وسلم يعجز أن يستوفي حقّه في ذكر سيرته الطاهرة، فكيف به أن يستوفي حق الحديث عنه في أسراره الباطنية وجوهره النوراني، يقول الله تعالى: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (المائدة: 15)، قيل: الكتاب هو القرآن، والنور هو النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه. ولله درّ البصيري رحمه الله حين قال:

وكيف يُدرك في الدنيا حقيقته ** قوم نيام تسلّوا عنه بالحلم

ومما جاء في شرح الصلاة المشيشية أن أويسا القرني رضي الله عنه لما التقى به بعض الصحابة رضوان الله عليهم، قال لهم: “والله ما رأى أصحاب محمد من محمد صلى الله عليه وسلم إلا قشره الظاهر، وأما الباطن فلم يعرفه أحد”، فقيل له: ولو ابن أبي قحافة؟ قال: “ولو ابن أبي قحافة”.

ولادته صلى الله عليه وسلم

عندما نتحدث عن ولادة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإننا نجد أنفسنا أمام نوعين من الولادة، الأولى روحية نورانية، والثانية طينية بشرية.

– الولادة البشرية: كما نعلمها من كتب السيرة أنه صلى الله عليه ولد يوم الاثنين صباحا في وقت السحر وساعة الاستجابة، ولد وقتذاك ساجدا ومختونا ومسرورا صلى الله عليه وسلم، وذلك في شهر ربيع الأول عام الفيل. ولحظة ولادته صلى الله عليه وسلم اضطرب إيوان كسرى حتى سُمع صوته، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، كما خمدت نار فارس ولم تُخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، وأما الشيطان فهرب إلى الأرض السابعة. في حين أمه أخبرتنا أنها لما وضعته رأت كأن نورا خرج منها أضاء لها العالمين. آلله قد وقع كل هذا! نعم، لأنه قد وُلد محمد، فما أعظمه وأسعده من مولود!

كان مولده صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ربيع الأول، لماذا هذا اليوم وهذا الشهر وليس غيرهما؟ لماذا لم يكن في شهر رمضان وفيه أنزل القرآن، وفيه ليلة القدر، ولا في الأشهر الحرم، ولا في ليلة النصف من شعبان، ولا في يوم الجمعة ولا في ليلتها، فلبيان سبب اختصاص ولادته بيوم الاثنين شهر ربيع الأول قال الحاكم أبو أحمد وهو شيخ الحاكم أبي عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، وهاجر من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، قيل: إن يوم الاثنين فيه خلق الله أسباب الحياة المادية من أقوات وأرزاق، فجعله كذلك يوم خلقِ أسباب الحياة المعنوية بخلق وولادة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم” 1.

أما ولادته في شهر ربيع الأول فلأنه مبعث على التفاؤل، ولأنه أعدل الفصول وأحسنها، ففي هذا الشهر تنشق الأرض عما في باطنها من نعم الله عز وجل وأرزاقه التي بها قوام حياة العباد وصلاح أحوالهم. وقد شاء الله أن تتشرف به صلى الله عليه وسلم الأزمنة والأمكنة لا أن يتشرف هو بها، وقد قال للسائل الذي سأله عن صوم الاثنين: “ذلك يوم ولدت فيه” 2.

– الولادة النورانية: فإن الله تبارك وتعالى خلق نور سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قبل خلق آدم بألفي عام، وجعله في عمود أمام عرشه يسبح الله ويقدسه، ثم خلق آدم من نور محمد صلى الله عليه وسلم، وخلق النبيين من نور آدم عليه السلام. ولما خلق الله آدم وضع في ظهره قبضة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فسمع آدم في ظهره نشيشا كنشيش الطير، فقال آدم يا رب ما هذا النشيش؟ قال: هذا تسبيح نور محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء الذي أخرجه من ظهرك، فخذه بعهدي وميثاقي، ولا تودعه إلا في الأرحام الطاهرة، فقال: يا رب قد أخذته بعهدك وميثاقك ولا أودعه إلا في المطهرين من الرجال والنساء، وذلك قوله تعالى: وتقلبك في الساجدين (الشعراء: 219)، وقوله صلى الله عليه وسلم: “خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء” 3.

فكان نور محمد صلى الله عليه وسلم يتلألأ في ظهر آدم، وكانت الملائكة تقف خلفه صفوفا ينظرون إليه ويقولون: سبحان الله! فلما رأى سيدنا آدم عليه السلام ذلك، قال: أي رب ما بال هؤلاء يقفون خلفي صفوفا؟ فقال الجليل سبحانه وتعالى له: يا آدم ينظرون إلى نور خاتم الأنبياء الذي أخرجه من ظهرك. فقال: أي رب أرنيه، فأراه الله إياه، فآمن به وصلى عليه مشيرا بأصبعه، ومن ذلك كانت الإشارة بالسبابة حين الشهادة في الصلاة. فقال آدم عليه السلام: رب اجعل هذا النور في مقدمي كي تستقبلني الملائكة ولا تستدبرني، فجعل ذلك النور في جبهته فكان يُرى في غرة سيدنا آدم دائرة كدائرة الشمس في دوران فلكها، أو كالبدر في تمامه. وقيل: أن سجود الملائكة لآدم إنما كان لهذا النور حيث جُعل قبلة كالكعبة 4.

وقال أهل التحقيق من أهل الله بأن العالم على قسمين: عالم الأمر وعالم الخلق، مصداقا لقوله تعالى: ألا له الخلق والأمر (الأعراف: 54)، واتفقوا أن عالم الأمر مقدم على عالم الخلق، فعالم الأرواح من عالم الأمر، وأول شيء خلق من هذه الأرواح القدسية الروح المحمدي الأعظم. وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم: “أول ما خلق الله روحي” 5.

حقيقته صلى الله عليه وسلم

لم يترك المحبون لرسول الله من شيء مرتبط به صلى الله عليه وسلم إلا وخبروه لاستخراج الحكمة منه، ومن ذلك الحكمة من اسمه أربعة أحرف، فوجدوها توافق أحرف اسم الله تعالى الأربعة. وقرن اسمه سبحانه باسمه صلى الله عليه وسلم في الشهادتين رفعا لذكره وبنفس الأحرف وهي اثنا عشر حرفا، ولكمال مناسبة الخلفاء في أخلاقهم لتلك الحضرة المحمدية جعل الله لهم في كل اسم من أسمائهم اثني عشر حرفا.

ومن ذلك اختياره سبحانه لمحمد صلى الله عليه وسلم ليكون نبيا ورسولا، فقالوا: لما أن الأمور جميعا تقبل في أنفسها الاختيار، كذلك الله تعالى اختار في جميع الموجودات، فاختار من العبّاد الملائكة، ومن الأفلاك العرش، ومن الأركان الماء، ومن الشهور رمضان، ومن العبادات الصوم، ومن القرون قرن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أيام الأسبوع الجمعة، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الأعمال الفرائض، ومن الديار الجنة، ومن أحوال السعادة رؤية وجهه الكريم، ومن الأذكار لا إله إلا الله، ومن الكلام القرآن، ومن سور القرآن يس، ومن آي القرآن آية الكرسي، ومن قصار المفصل (قل هو الله أحد).

واختار من أدعية الأزمنة دعاء يوم عرفة، ومن الإنسان القلب، ومن الأحجار الحجر الأسود، ومن البيوت البيت المعمور، ومن الأشجار السدرة، ومن النساء مريم وآسية، ومن الرجال سيدهم محمد صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: “أنا سيد ولد آدم ولا فخر” 6، وقال أيضا: “آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة” 7.

كان محمد صلى الله عليه وسلم عين سابقة النبوة البشرية بدليل قوله: “كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد”، وفي رواية “بين الماء والطين” 8. وهو عين خاتم النبيين لقوله تعالى: ولكن رسول الله وخاتم النبيين (الأحزاب: 40). فهو النبي بالسابقة، وهو النبي بالخاتمة صلى الله عليه وسلم.

وكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو الواسطة، فالكون كله ظلمة وإنما صار فيه النور لظهور نوره صلى الله عليه وسلم، وكل ما برز من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فنبينا محمد واسطة فيه، ولولا الواسطة الذي هو محمد صلى الله عليه وسلم لذهب الموسوط وهو الكون وبقي في العدم. وفي بردة البصيري رحمه الله:

وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ** لولاه لم تخرج الدنيا من العدم

وكان محمد صلى الله عليه وسلم الرحمة العالمية، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (الأنبياء: 107)، رحمة للجن وللإنس وحتى للملائكة، رحمة في الدنيا بالرسالة، وفي الآخرة بالشفاعة، رحمة للأولين ورحمة للآخرين، الرحمة المهداة، إن كان سيدنا عيسى خُلق من الرحمة فهو صلى الله عليه وسلم عين الرحمة.

خاتمة

كانت روحانيته صلى الله عليه وسلم جامعة لأوصاف الكمالات، وبشريته جامعة لأنواع المحاسن، وشريعته جامعة لجميع الشرائع، وكتابه جامعا للكتب. فهو الدال على الله الهادي إليه بأقواله وأفعاله وأحواله. خطبه ومواعظه ترق منها القلوب، وتذرف منها العيون، وما ترك شيئا يجمع العباد على الله إلا دلهم عليه، وعرفهم به، ولا رأى شيئا يقطع عن الله إلا حذر العباد منه، فهو حجاب الحضرة الإلهية، لا يدخلها أحد إلا على يديه، يتوسط بين الله والداخلين عليه، فكل من دخل على يديه عليه السلام وعظمه واتبع سنته أدخله الحضرة الإلهية ونال السعادة. ولله در الشاعر:

وأنت باب الله أي امرئِ *** وافى من غير بابك لا يدخل

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه. والحمد لله رب العالمين.


[1] انظر يوسف بن إسماعيل النبهاني، جواهر البحار في فضائل النبي المختار.
[2] رواه البيهقي رحمه الله في السنن.
[3] رواه الطبراني في الأوسط وابن عدي وغيرهما عن سيدنا علي رضي الله عنه.
[4] انظر يوسف بن إسماعيل النبهاني، جواهر البحار في فضائل النبي المختار.
[5] نفس المرجع.
[6] رواه الحاكم رحمه الله في المستدرك.
[7] رواه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده.
[8] رواه الحاكم في المستدرك.