يتواصل نزيف الهجرة في المغرب، فلا يكاد يمضي أسبوع دون انتشار أخبار عن أشخاص أعيتهم الحيلة في الحصول على عيش كريم في بلدهم، فهجروه بحثا عن ظروف تتيح لهم عيشا أفضل، منهم من ينجح في الوصول إلى وجهته ليبدأ حياته المجهولة من جديد، ومنهم من تتلقفه أيدي خفر السواحل لترده خائبا متوجعا، ومنهم من يغادر الدنيا غرقا أو قتلا برصاص السلطات. والغريب أن أخبار فشل الهجرات المنتشرة في العالم الأزرق بقوة لا تثني البقية ممن يحلمون بمغادرة وطنهم عن خوض المغامرة، ما يدل على أن اليأس، خصوصا عند الشباب، بلغ منتهاه حتى أصبحوا يستبدلون العيش في وطنهم بالموت.

قصة هذه المرة بطلها بطل في رياضة “كيك بوكسينغ” بمدينة سلا؛ أيوب مبروك، توج ثلاث مرات، يبلغ من العمر 21 سنة، راودته أحلام كبيرة وهو يجد ويجتهد في رياضته ويتوج المرة تلو الأخرى بطلا للمغرب، ولما لم يحظ باهتمام ورعاية رسميين قرر الهجرة خلسة عن عائلته بحثا عنهما في الجارة الإسبانية، غير أن القارب الذي كان يقله، وآخرون، انقلب على السواحل الإسبانية ليلفظ البطل الوطني أنفاسه الأخيرة في البحر قبل أن يحقق حلمه ويصبح بطلا عالميا.

الضحية رقم 10، كما يطلق عليه الإعلام الإسباني، كان يتهيأ لخوض مباراة بالعاصمة الرباط يوم الأحد 4 نونبر الجاري، وكان آخر اتصال أجراه معه مدربه يوم السبت 3 نونبر؛ تحدثا فيه عن ترتيبات المباراة، وبينما كان المدرب وأخ الضحية ينتظرانه في حلبة النزال، كان أيوب يخوض عباب البحر بحثا عن مستقبل أفضل.

يشهد له أصدقاؤه في الجامعة، حيث كان أيوب في سنته الثانية بكلية الآداب، بالأخلاق الحسنة، والإرادة العالية والتطلع إلى مستقبل أفضل معتمدا على إمكانياته الذاتية دون أي دعم رسمي وسط أسرة متواضعة لا تملك من المقومات ما به تستطيع مساعدته.

لم يكن منزل عائلة أيوب وحده من يعيش الحزن في حي لعيايدة في سلا، بل كانت بيوت عديدة تعيش نفس المأساة وتبكي فلذات أكبادها، حيث قرر العديد من أبناء نفس الحي الهجرة معا ليلقوا نفس المصير، وينقل من استطاع النجاة أخبار الباقين.

كان القارب ينقل 46 مهاجرا وقضى في عرض البحر 25 ساعة، وعلى بعد 100 متر من السواحل الإسبانية اصطدم بالشعاب المرجانية، تمكن 22 شخصا من النجاة، وتم العثور على 19 جثة ولم يلفظ البحر جثث البقية ممن لقوا حتفهم.

إن حالة الاختناق الذي يعيشه المغرب والتي تشيع جوا عاما من الإحباط لدى مختلف شرائح المجتمع وخصوصا الشباب، أصبحت تدفعهم للمخاطرة بحياتهم قصد استبدال وطن يعيشون فيه المهانة والضيق والتهميش بآخر من شأنه أن يضمن لهم العيش الكريم والحرية والكرامة. فمتى يستيقظ المسؤولون ويسائلون أنفسهم عن موقعهم مما يحدث اليوم؟ والكل يعلم أن الظروف الحالية الناتجة عن فشل سياسات الدولة لسنوات عديدة على جميع الأصعدة لا تخدم أحدا، وأنها تمضي في اتجاه الهاوية لا قدر الله سبحانه وتعالى، إن لم يتدارك الجميع الأمر ويعلنون عن إرادة حقيقية في التغيير تتضافر فيها جهود جميع الفاعلين على مرأى من الشعب حتى تنعم البلاد بالأمان والاستقرار الفعلي، لا الذي يروجون له حاليا وهو الغائب الأكبر.