فاتحة

في مثل هذا الشهر المبارك قبل أكثر من 1400 من السنين ولد سيد الأنبياء وصفوة المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم بمكة المكرمة، فاستنار الكون -بكل المخلوقات- بنور طلعته صلى الله عليه وسلم وضياء قدومه وجمال حلوله، وأشرقت الأرض -كل الأرض- بهذا النور الوهاج والقمر المنير حتى انقشعت الظلمات المتراكمة على هذا العالم، المتوارثة من القرون الهمجية المتوغلة في الفتنة العارمة والجاهلية الجهلاء بشتى أصنافها وألوانها عقيدة وحكما وسلوكا وفكرا، فردا وأمة.

وشهر ربيع الأول هو رمز ذلك اليوم السعيد المسعود، واليوم الذي لا ولن ينسى، ذاك اليوم الشاهد والمشهود، مولد فخر الوجود –صلوات الله وسلامه عليه- الذي كان مولده فصلا بين عهدين وبعثته فرقانا بين عالمين: ما قبل الرسالة المحمدية ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، وعهد البعثة الخالدة والرسالة العالمية المحمدية، التي كشفت الغمة وأذهبت الظلمة، ورفعت الحجب وهتكت الأستار وهدمت السدود المانعة من الوصول إلى الله وبناء حضارة العمران الإنساني.

ومن استعرض ما كانت تعيشه البشرية عموما عربا وعجما أذهله ما كانت عليه من جهل مطبق لما بعد الموت والمصير، وانطماس الأبصار والبصائر عن معاني الإيمان ومعرفة الخالق سبحانه. ثم التناحر والاقتتال لأتفه الأسباب وشيوع الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتكالب القوي على الضعيف، والضعيف لا عون له ولا نصير، والظالم لا ناصح ولا قائم في وجهه. والبشرية عموما في غي وظلم: للنفوس فلا إيمان، وللغير فلا عدل. إلى أن ولد النور الذي بدد الظلمات، وأزال الحجب والموانع عن معرفة الله، وزكى النفوس، وطهر الجوارح، ووحد القلوب، وألف الأمم، وعلم البشرية ما لم تكن تعلم. صلى الله عليه وآله وسلم.

ولهذا وغيره نرى المسلمين شرقا وغربا طوال هذا الشهر المبارك مثابرين على الاحتفاء بذكرى ولادته ومطلع نور هدايته صلى الله عليه وسلم، والوقوف على سيرته والعكوف على أخباره، محبة لذاته الشريفة وشوقا للقياه وعرفانًا منهم لما فاض عليهم من نور هدى طلعته الميمونة، وما تنزل عليهم بسببه من الرحمات والبركات واعترافا وامتنانا لما عاشوه ويعيشونه من معاني السكينة والاطمئنان والإيمان والتطلع لمقامات القرب من الله تعالى والسعادة الأخوية الإنسانية بعد ظلمة متراكمة وزيغ متواصل وضلال ليس فوقه ضلال، حتى تبدلت الأرض غير الأرض والقلوب غير القلوب وعاد الإنسان إلى أصله ومبتدإ أمره يتطلع إلى حسن خاتمته وجميل خبره بعد انقطاع أثره وانمحاء أثره إلا من الثلاث الباقيات.

ولــــد الهدى فالكائنات ضياء *** وفــــم الزمان تبسم وثناء

الروح والملأ الملائكي حوله *** للــــدين والدنيا به بشراء

1- مولده نور

– الجاهلية: ظلمات بعضها فوق بعض

ذكرى مولد النبي صلوات الله وسلامه عليه تجعلنا نعرض ما كانت عليه طوائف البشر -كل البشر لا العرب فقط- من صنوف الزيغ ووجوه الجاهلية من قبل، وما تمَّ بيده الكريمة من سعادةٍ شاملة لمن تبع دينه ونورٍ وهّاج يهدي إلى كل خير في الدارين ويكشف صنوف الظلمات المتراكمة على أبصارهم وبصائرهم من عهد الشقاء والضنك الذي ليس بعده ضنك، وكل ذلك بيُمن بعثته صلى الله عليه وسلم إلى كافة الناس بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.

كانت البشرية ما قبل البعثة النبوية الشريفة في ظلام حالك وتيه دامس، واضطراب في القيم، وفساد السلوك، وفشو الفواحش والموبقات، وهيمنة القوي على الضعيف.

الظن الجاهلي القائم على الكفر والشرك، والحمية العصبية المقتاء شعارها: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، والتبرج السافر المتجلي في معاقرة أم الخبائث والزنا والقمار والربا … وحكم الاستبداد والظلم والقهر والسلب… تلك بعض سمات المجتمع الجاهلي.

فكانت البشرية تحتاج إلى نور تنقشع به الظلمة وسراج منير يهتدي به الحيارى ويبدد الظلم…. فولد النور صلوات ربي وسلامه عليه فنور الله به القلوب، وهدى به العقول، وزكى به النفوس، ووحد الأمة من شتات وأيقظها من سبات.

– مولده نور أضاء ما بين المشرق إلى المغرب

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ آمِنَةَ ابْنَةَ وَهْبٍ قَالَتْ: “لَقَدْ عَلِقْتُ بِهِ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا وَجَدْتُ لَهُ مَشَقَّةً حَتَّى وَضَعْتُهُ، فَلَمَّا فَصَلَ مِنِّي خَرَجَ مَعَهُ نُورٌ أَضَاءَ لَهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ وَقَعَ إِلَى الأَرْضِ جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَخَرَجَ مَعَهُ نُورًا أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ وَأَسْوَاقُهَا، حَتَّى رَأَيْتُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ” 1.

مولده نور، بعثته نور، هجرته نور، كلامه نور، طلعته نور وأي نور، فعَنْ أَنَسٍ بن مالك قَالَ: “لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ وَمَا نَفَضْنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَيْدِيَ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا” 2.

فذاته الشريفة نور وليس دينه فقط، وليست رسالته فقط، وليست دعوته فقط، بل كل عضو منه يبرق نورا، ولا غرو أن تضيء المدينة النبوية بدخوله وتظلم عند موته ولقاء ربه.

صلى الله على النور صلاة دائمة أبدية سرمدية بدوام ملكه كما يرضى ربنا تعالى. ويا حسرة على من قرأ الرسالة ولفظ المرسل، ومن استجاب للدعوة ونسي الداعي. يا حسرة على العباد.

– أخرج الناس من الظلمات إلى النور

قال الله تعالىَ: قدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 3. يقول الإمام الطبري في تفسير الآية: يعني بالنور، محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي أنار الله به الحقَّ، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به يبيِّن الحق.

جمع صلى الله عليه وآله وسلم القلوب التائهة على الله سبحانه وعرف الأرواح ببارئها، ورقَّى بنورانية قلبه وصفاء سره ونقاء جوهره الأرواح إلى أعلى درجات الطهر، وبلين عشرته وطهارة مخبره وحسن كلامه وأدبه الرفيع زكى النفوس حتى أطمأنت فاستجابت لنداء الله الآمر الناهي.

يأتيه الكافر جاحدا ويخرج مؤمنا صادقا. يأتيه الرجل مجادلا معاندا فينظر إلى وجهه الشريف قبل محاورته ومناظرته فيرى صدقه على وجهه قبل أن يستمع لصدق كلامه فيقول الرجل: والله ما هذا بوجه كذاب فيسلم. عن عبد الله بن سلام قال: “لما قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة انْجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ، وَقِيلَ: قد قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، ثَلاثًا، فجِئْتُ في النَّاسِ لأَنْظرَ، فلمَّا تَبيَّنْتُ وجْههُ عرَفتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ. فكان أوَّلُ شيْءٍ سمعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ”، فدنوت منه وشهدتُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، فالتفتَ النبي عليه الصلاة والسلام وقال: “ما اسمك؟” فقلتُ: الحصين بن سلام، فقال عليه الصلاة والسلام: “بل عبد الله بن سلام”، قلت: نعم عبد الله بن سلام، والذي بعثك بالحق ما أُحبُّ أنّ لي اسماً آخر بعد اليوم… الحديث” 4.

أخرج الإنسانية من ظلمات الجهل والخرافات إلى نور العلم وجمال المعرفة وسداد القول وقول السداد، وجعل شعار “اقرأ” شعورا وممارسة، حتى سادت الأمة الإسلامية العالم. ويقول أحد ملوكها -مخاطبا سحابة ممطرة-: أمطري حيث شئت فخراجك سيصل إلي.

– النور من أسمائه عليه الصلاة والسلام

من أسمائه عليه الصلاة والسلام النور والسراج المنير، وقد أوصلها البعض إلى ما يربو عن 300 اسم، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى.

ونوره صلى الله عليه وآله وسلم هداية ودلالة على الطريق القويم وتعريف بالمولى عز وجل، كما هو نور حسي يرى عليه صلى الله عليه وآله وسلم. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: “انَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ” 5. ثم ينقل عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله: “ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجرى في وجهه وإذا ضحك يتلألأ في الجدر” 6. وقال جابر بن سمرة وقال له رجل: “كان وجهه صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ فقال: لا بل مثل الشمس والقمر” 7.

2- مولده تحرير للإنسان

كانت البشرية قبل بعثته تعيش كل صنوف الزيغ والضلال وتتخبط في كل أنواع الجاهلية، يصنعون التماثيل والأصنام بأيديهم ثم يعبدونها. يتقاتلون لأتفه الأسباب، ويتخذون من الغارات والسلب والنهب وقطع الطرق مصدرا للارتزاق. كما يئدون البنات مخافة الإملاق وإلحاق العار ويفضلون الذكور ويستضعفون الضعيف ويأكلون حقه. كانت جاهلية وكفى.

فكان المولد الشريف ومنه المولد الجديد للإنسان وإعادة الحياة إلى الحياة البشرية، بإقامة الميزان بين بني الإنسان على أساس العدل والشورى والكرامة والأخوة.

ذكر بعض أهل السير أنه: (لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام) 8.‏‏

– إقامة الوجهة لله

نعم خمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وهي إشارة واضحة أن الله سيمحي بهذا المولود الكريم كل معاني الشرك والكفر والوثنية وعبادة ما سوى المعبود تعالى.

في حديث ابن حبان رحمه الله تعالى السابق أنه صلى الله عليه وسلم: “عند ولادته وقع جاثيا على ركبتيه، رافعا رأسه إلى السماء”. جثو الركب عبودية وطاعة واستجابة فورية للسيد وإنما السيد الله. ورفع الرأس إلى السماء توحيد وإقامة الوجهة لله تعالى.

أول ما غرسه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في القلوب تعلقها بربها وتوحيد العبادة لخالقها وإقامة الوجهة لله تعالى. برهان ذلك ذكر الله الكثير والإقبال على الله الكبير وطاعة المحب للمحبوب.

حرر صلى الله عليه وسلم القلوب من سلطان الهوى وسيطرة الشهوة وتمكن الرغبة الجامحة، وأطلق الروح الإنسانية لتعود إلى أصلها وتصل ما انقطع، وما قطعته الجاهلية، من معاني الولاء الكامل للمولى عز وجل ومن الوصال القوي للعلي القدير.

أرسل صلى الله عليه وآله وسلم الإنسان من عبودية النفس والهوى، وفك وثاقه من سلطان كل مخلوق حجرا أو شجرا شمسا أو قمرا، ووحد وخلّص له الوجهة والقصد، فكان شعاره الخالد: “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا” 9.

– إقامة العدل ورفع الظلم

وفي مولد الحبيب صلى الله عليه وسلم تصدع إيوان كسرى، رمز القهر والظلم والاستبداد والجور والاستعباد، الذي حكم الناس بالحديد والنار وأقام دولته على الدم والجماجم.

تصدع القصر وتزلزله إشارة من الباري جل شأنه وعز سلطانه أن هذا المولود الشريف سينشر العدل ويمحي الظلم، وسيجعل الناس سواسية كالمشط الواحد، لا فضل لأحد على أحد، والأفضلية إنما في التقوى والعمل الصالح. عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: “”يا أيُّهَا النَّاسُ: إنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وإنَّ أبَاكُم واحدٌ. أَلَا لَا فَضْلَ لْعَرَبِي على عجَمِي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمرَ على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى. إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلغت؟”، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: “فليبلغ الشاهد الغائب””. ثم ذكر الحديث في تحريم الدماء والأموال والأعراض 10.

الشورى والعدل في الحكم، واللين وخفض الجناح في المعاملة والسلوك، وإرادة الخير للغير دعائم أرسى صلى الله عليه وسلم بها دولة القرآن استجابة لأمر ربه -وهو المعصوم- قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ 11.

– تحقيق العدالة الاجتماعية

كما حارب صلى الله عليه وسلم التطفيف في الميزان والغش والربا والبخل والاحتكار.. ودعا إلى التكافل والتعاون والتآزر وإطعام الطعام وقضاء حوائج الناس. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ” 12.

وإعانة الضعيف وإغاثة الملهوف وتفريج الكرب والتوسيع على المعسر من وصاياه. كما أوصى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العناية بالأرملة والمسكين وذوي الحاجات. عن أبي هريرة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “السَّاعِي عَلَى الأَرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله” 13  وعن أبي هريرة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن رجلاً شكا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قسوة قلبه فقال: “امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين” 14.

وأوصى بكفالة اليتيم فعَنْ سَهْلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ. وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ” 15.

دعوته صلى الله عليه وسلم كلها إرساء لمعاني التعاون والتآزر، وتثبيت لقيم التكافل والتواصل والتضامن بين المسلمين. أعلاهم لأدناهم، وغنيهم لفقيرهم، وذو الحاجة متعفف، والسيد خادم، والخادم سيد. المسلمون ذات واحدة، وجسد واحد، وبنيان مرصوص يشد بعضه بعضا.

– تحرير للمرأة

في مولده أعتقت امرأة: ثويبة جارية أبي لهب عم المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تأتي سيدها مبشرة بولادة ذكر لبني هاشم بن أخيه محمد بن عبد الله فيعتقها أبو لهب من ساعته. ويكون أول لبن يصل إلى جوفه الشريف صلى الله عليه وسلم من ثدي هذه الجارية. وفي هذا معنى وهو أن هذا المولود سيحرر النساء من القهر والظلم والجحود الممارس عليهن في العصر الجاهلي.

كانت المرأة في العهد الجاهلي عرضة الغبن والظلم وقهر الرجال والمجتمع: تقتل وهي صغيرة، وإن بقيت حية فمسلوبة الحقوق، لا حق في مالها، ولاحق لها في مال زوجها المتوفى أو أبيها الميت، بل كانت تعتبر متاعا فتورث كما يورث المتاع.

وجاءت رسالة الإسلام فحفظت كرامتها، وصانت حقوقها. قال تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ 16. وقال محرر النساء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ” 17. وعند موته يوصي بالنساء خيرا، وفي حياته يعطي النموذج والمثال فيقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي” 18.

3- مولده ربيع

وقد ولد الحبيب المصطفى في شهر ربيع الأول. والربيع فصل من فصول السنة الأربعة امتاز عنها بتنوع ألوانه وجمالية وبهاء الخلائق فيه، وبتوازنه واعتداله، كما يبعث في النفس الهدوء وراحة البال.

– تنوع فلا ملل

تنوعت أوامر الإسلام وفرائضه: صلوات مفروضات وفي أوقات مختلفة، وبكيفيات متنوعة، وحركات كثيرة، حتى لا تكون الرتابة والروتين والسآمة والملل -وإن الله لا يمل حتى تملوا- والصيام والزكاة والحج، والدعاء ثم الصدقة والنصيحة، والمعاملة بالحسنى وصلة الرحم. بل الأعمال الدنيوية يؤجر عنها العبد الصالح إن حصلت نية التقرب من المولى والأعمال بالنيات كما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح.

– وسطية فلا خلل

الربيع وسطي معتدل ليس فيه حر الصيف ولا قر الشتاء. وأمته أمة الوسطية والاعتدال وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ 19. دينه قائم على اليسر والسماحة والرفق. عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك فإن المنبت لا سفرا قطع ولا ظهرا” 20.

– سرور واطمئنان

إذا كان الربيع شهر الانشراح والسكينة فقد ولد الهادي لنشر معاني راحة القلوب، وسكينة الأرواح، وطمأنينة الجوارح. فكل ما جاء به إنما لتحقيق ذلك. يقول مولانا سبحانه وهو يحدثنا عن مقومات صحة النفوس وركائز بناء الحياة الطيبة المحققة لسعادة الدنيا والآخرة قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 21.

كل الطاعات والأوامر التي جاء بها الحبيب صلى الله عليه وسلم وإن كان فيها جهد وعنت وكلفة على النفس، فإنها مع المداومة والإلحاح تترك في القلب انشراحا وفي النفس سكينة وهدوءا وفي الروح رقيا ومعراجا. والمشقة تجلب التيسير.

– حسن وجمال

ومن معاني الربيع بهجة المناظر، وجمال الطبيعة، ورونق أشجاره، وتعدد أزهاره الزاهية، فيتملى الإنسان من رؤية صنع الله في خليقته ويتجلى له فيها معاني الكمال المطلق وأسرار الجمال الباهر فيقول اللسان: ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك.

كان رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحسن الناس خُلقا وخَلقا. آية في الجمال الحسي والمعنوي، حسن القلب والروح مع حسن القالب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال البراء بن عازب: “مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَمْ يَكُنْ بِالْقَصِيرِ وَلا بِالطَّوِيلِ” 22.

وقالت أم معبد في بعض ما وصفته به: “أجمل الناس من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب” 23. وفي حديث ابن أبى هالة: “يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر” 24.

ويكفيه شرفا ثناء الله عليه بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ 25.

وقال علي رضي الله عنه في آخر وصفه له: “من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم” 26.

وصاحب الجمال الذي يحب الجمال يدعو ويرشد أمته أن تكون من أهل الكمال في كل شيء، معنى وذوقا وحسا. ومن الجمال العناية بالنظافة والطهارة والسواك وحسن الملبس … أن نكون من أهل السمت الحسن. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: “لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ” 27.

4- مولده بشرى لهذه الأمة

مولده كان بشرى لثويبة الأَمة وبشرى للأمة جميعا، فكانت أمته خير الأمم خفف الله عنها، وشرفها لشرف نبيها، وما كتبه علماء الأمة من ميزات الأمة الإسلامية وما خصها المولى من كرائم وفضائل وتشريفات فلا يعد ولا يحصى. وارجع إن شئت إلى كتاب الخصائص المحمدية للسيد محمد بن علوي مالكي ففيه ما يغني. وأذكر قطرة من فيض من غيض من بحر ليس إلا.

– بالقراطين

عمل قليل من الأمة الإسلامية تقوم به مقارنة بمن سبق من الأمم والمقابل والجزاء من الله مضاعف كبير، كرم رباني لشرف الحبيب صلى الله عليه وسلم.

عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه أخبره أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إِنَمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنْ الأمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَوْرَاةِ التَوْرَاةَ فَعَمِلُوا، حَتَى إِذَا انْتَصَفَ النَهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطاً قِيرَاطاً، ثُمَ أُوتِيَ أَهْلُ الإنْجِيلِ الإنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطاً قِيرَاطاً، ثُمَ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْن، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْن، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطاً قِيرَاطاً، وَنَحْنُ كُنَا أَكْثَرَ عَمَلاً، قَالَ: قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ” 28.

– وبالخيرية

قال الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ 29.

عن أبي الحسن كرم الله تعالى وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض وسميت أحمد وجعل التراب لي طهوراً وجعلت أمتي خير الأمم” 30.

– اختصاص نبي الأمة بالشفاعة العظمى

وهذه بشرى وأي بشرى. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خُيِّرْتُ بَيْنَ الشَّفَاعَةِ أَوْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِي الجَنَّةَ، فاخترتُ الشفاعةَ لأَنَّهَا أَعَمُّ وَأَكْفَى، أَمَا إِنَّهَا لَيْسَتْ لِلْمُؤمِنينَ المُتَقَدِّمِينَ، وَلَكِنَّها للمُذنبينَ الخَطَّائِينَ المُتَـلَوِّثِينَ” 31. للمؤمنين المتقدمين: أي السلف الصالح.

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أشفعُ لأمتي حتَّى يُناديَنِي ربِّي تبارك وتَعالى فيقولُ: أَقْدْ رَضِيتَ يَامُحَمَّدُ؟ فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ قَدْ رَضِيتُ” 32.

آل النبـي بحـبــكــــم *** قد طاب عَـرْفُ ســريرتي

أنتــم سُــلالــة أحمــدٍ *** هــادي الأنــام ذخـيرتــي

أرجـو شفــاعته غــدا *** لكـبــيرتـي وصـغــيرتـي

– مولده رحمة للإنسانية جمعاء

قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ 33.

وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ 34. قيل: لجميع الخلق، للمؤمن رحمة بالهداية، ورحمة للمنافق بالأمان من القتل، ورحمة للكافر بتأخير العذاب. روى الطبري في تفسيره بسنده عن ابن عباس، في قوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ قال: تمت الرحمة لمن آمن به في الدنيا والآخرة ، ومن لم يؤمن به عوفي مما أصاب الأمم من قبل.

ومن تمام الكرامات أن حظيت أمته صلى الله عليه وسلم بالتكريم والرفعة، وأعلى الله قدرها فوق باقي الأمم الأخرى. قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ 35.

وما ارتفعت هذه الأمة وما شرفت إلا به صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 36.

ومن الرحمة الخاصة أن رفع عنهم الإصر والأغلال ولم يحملهم ما لا طاقة لهم به. قال تعالى: قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 37.

ومن شفقته ورحمته على أمته عليه الصلاة والسلام كما يقول القاضي عياض رحمه الله: (تخفيفه وتسهيله عليهم، وكراهته أشياء مخافة أن تفرض عليهم، كقوله: “لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء” 38. ونهيهم عن الوصال. وكراهته دخول الكعبة لئلا يعنت أمته. ورغبته لربه أن يجعل سبه ولعنه لهم رحمة بهم، وأنه كان يسمع بكاء الصبي فيتجوز في صلاته. ومن شفقته صلى الله عليه وسلم أن دعا ربه وعاهده، فقال: “أيما رجل سببته أو لعنته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة، وصلاة وطهوراً، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة” 39.( 40.

روي أن “أعْرَابِيًّا جَاءَهُ يَطْلُبُ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ قَالَ: أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا وَلا أَجْمَلْتَ. فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ، وَقامُوا إِلَيْهِ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ كُفُّوا، ثُمَّ قَامَ وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَأرْسَلَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَزَادَهُ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.فَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ أَهْلٍ وَعَشِيرَةٍ خَيْرًا.فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكَ قُلْتَ مَا قُلْتَ وَفِي نَفْسِ أَصْحَابِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بَيْنَ يَدَيَّ حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِي صُدُورِهمْ عَلَيْكَ، قَالَ: نَعَمْ.فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَوِ الْعَشِيُّ جَاءَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ قَالَ مَا قَالَ فَزِدْنَاهُ، فَزَعَمَ أَنَّهُ رَضِيَ أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ أَهْلٍ وَعِشِيرَةٍ خَيْرًا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَلِي وَمَثَلُ هَذَا، مثل رَجُلٍ لَهُ نَاقَةٌ شَرَدَتْ عَلَيْهِ، فَاتَّبَعَهَا النَّاسُ فَلَمْ يَزِيدُوهَا إِلَّا نُفُورًا، فَنَادَاهُمْ صَاحِبُهَا: خَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ نَاقَتِي، فَإِنِّي أَرْفَقُ بِهَا مِنْكُمْ وَأَعْلَمُ، فَتَوَجَّهَ لَهَا بَيْنَ يَدَيْهَا فَأَخَذَ لَهَا مِنْ قُمَامِ الْأَرْضِ، فَرَدَّهَا حَتَّى جَاءَتْ وَاسْتَنَاخَتْ، وَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهَا، وَاسْتَوَى عَلَيْهَا، وَإِنِّي لَوْ تَرَكْتُكُمْ حَيْثُ قَالَ الرَّجُلُ مَا قَالَ، فَقَتَلْتُمُوهُ دَخَلَ النَّارَ” 41.

ورحمته صلى الله عليه وسلم شملت المومن والكافر كما شملت الحيوان والجماد والنبات بل العالم كله. فعن عائشة رضي الله عنها: “أَنَّهَا رَكِبَتْ بَعِيرًا وَفِيهِ صُعُوبَةٌ فَجَعَلْت تُرَدِّدُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَيْكَ بِالرِّفْقِ” 42.

5- مولده تأليف للقلوب وتوحيد للكلمة

استطاع صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يؤلف القلوب، وينير الأبصار، وينقي العقول، ويشحذ العزائم، ويرفع الهمم، وينسق الجهود. جمع الناس على كلمة واحدة ووحد كلمتهم. يقول الكريم المنان وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 43 أراد سبحانه بما ذكر في هذه الآية ما كان بين الأوس والخزرج من الحروب التي تطاولت مائة وعشرين سنة إلى أن ألف سبحانه بينهم بالإسلام فزالت الأحقاد. كما أراد ما كان بين مشركي العرب من التنازع الطويل والقتال العريض ومنه حرب البسوس وحرب داحس وغبراء…

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 44 شعار الأمة. ودستور الأخوة بنوده حددها الحبيب المصطفى في قوله في ما يرويه عن ربه: “حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ” 45.

عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” 46.

6- مولده حفظ للبيت المعمور

ولد المصطفى صلى الله عيه وسلم في عام الفيل سنة 571م وهو العام الذي وقعت فيه حادثة الفيل.

أبرهة نائب النجاشي على اليمن لما رأى العرب يحجون الكعبة بنى كنيسة كبيرة بصنعاء وأراد أن يصرف حج العرب إليها وسمع بذلك رجل من كنانة فدخلها ليلا فلطخ قبلتها بالعذرة. ولما علم أبرهة بذلك ثار غيظه وسار بجيش عظيم عرمرم إلى الكعبة ليهدمها يتقدمه فيل كبير.. إلى أن أرسل الله عليهم طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ 47. فدمر الله الجيش بأضعف مخلوقاته وعلم الناس أن لهذا البيت ربا يحميه.

فكان مولده صلى الله عليه وسلم حفظا للبيت المعمور، حتى يبقى هذا البيت العتيق قبلة القاصدين ومحج العاكفين والطائفين والقائمين والركع السجود. وملاذا لمن سأل عن الحاجات العظمى وطلب الدرجات العلى وتشوق للزلفى والقرب من المولى. قال الله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِر 48.

7- مولده لبنة وكمال ونعمة

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ” 49.

– هو اللبنة الخاتمة

الرسالة المحمدية امتداد لدعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتجديد لرسائلهم. قال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ 50. نعم تختلف الرسالات فيما بينها في بعض الشرائع لكنها تتوحد جميعا في الدعوة إلى التوحيد، وإخلاص العبادة لله تعالى، وتكريم الإنسان.

وختم الله الدين الذي بعث به الرسل بالإسلام، فكان شرف اللبنة الخاتمة لصرح الدين -بمعناه الواسع- من نصيب أشرف خلق الله كلهم وأشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، به أتم الله البناء وبه زين جماله وأحسن كماله.

عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” 51.

فهو آخر لبنة في بناء الأخلاق والدين صلى الله عليه وسلم. واللبنة الأخيرة تدل على التمام والكمال والجمال.

– كمال وتمام

يقول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا 52.

كان صلى الله عليه وسلم أخشى الناس لربه، وأتقى الناس، وأطهر الناس أفئدة، وأرحمهم بخلق الله حريصا عليهم. كان على الخُلق العظيم، وعلى تفيد العلو والفوقية والتمكن والرسوخ.

بلغ صلى الله عليه ذروة الكمال البشري فلا مقام فوقه. دينه قمة الكمال وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذروة الكمال: كمال قلب وكمال عقل وكمال قوة وكمال محبة وكمال إقبال وكمال رحمة وكمال حكمة وكمال جهاد وكمال دعوة وكمال ذوق…..-لن تسطيع عدها-. فاستحق المختار المجتبى أن يكون حبيب الرحمان فضلا من المنان ورحمة. ويكون أفضل الرسل أهل الفضل والكمال عليهم الصلوات والسلام.

ولهذا علم الحبيب المصطفى أتباعه وأحبابه طلب الكمال والطموح إلى المقصد العالي والنفيس الغالي. عَنْ حُسَيْنِ بن عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفَاسِفَهَا” 53.

ومن الكمال الذي ندب إليه كمال الخُلق والمعشر، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ” 54.

– النعمة العظمى

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي” 55.

هو النعمة العظمى، بل هو أصل النعم كلها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ونعم الإيمان والإسلام وكل خير نعيشه ويصيبنا إنما هو سببه والداعي إليه.

عود على بدء والعود أحمد

أقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثم إن الباعث على كتابة هذا المقال إنما هو امتنان ومحبة للحبيب المصطفى، وتلمس الطريق الموصلة إلى جنابه، والوقوف على بابه، والتعريف به وبدعوته، لعل زهرة الحب الإلهي النبوي تحيى وتقوى في قلوبنا، حتى تكون شجرة طيبة أصلها ثابت، وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها.

وكلمة ختام لطيفة رقيقة عن كيف تثمر زهرة الحب الإلهي النبوي في قلوبنا، وما الموانع القواطع عن ذلك، من كلام العارف بالله المجاهد الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى:

(من أصدق المعايير على تردّي إيماننا ذبول زهرة الحب الإلهي النبوي في قلوبنا. حالت أكداس الكتب والتفاريع بيننا وبين المعين الفياض، حالت بيننا وبين الوراثة القلبية لأولئك الرجال انقطاعات الفتنة. واحتفظ الصوفية رضي الله عنهم بالتعلق الشديد بجناب النبوة. قال الناطق بلسان الصفوة المحبين شيخ الإسلام ابن القيم نضر الله وجهه: “فهذا العلم (يعني علم القلوب، علم الأولياء) الصافي المتلقّى من مشكاة الوحي والنبوة يُهذب صاحبَه لسلوك طريق العبودية. وحقيقتها التأدب بآداب رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا، وتحكيمُه باطنا وظاهرا، والوقوفُ معه حيث وقف بك، والمسيرُ معه حيث سار بك، بحيث تجعله بمنزلة شيخك الذي قد ألقيت إليه أمرك كلَّه سرَّه وظاهره (…) وتعلق قلبك بقلبه الكريم، وروحانيتك بروحانيته، كما يُعَلِّق المريد روحانيته بروحانية شيخه. لكن أنى لك بذلك التعلق بالقلب الأسمى والجناب الأحمى ونفسك في الحضيض، عديمُ الإرادة، ساقط الهمة! عليك بمحبة العوام واسأل ربك أن يقيض لك روحانية عارف تطير بك همتها بأجنحة المحبة إلى رحاب الوحي والنبوة) 56.

اللهم صل وسلم تسليما كثيرا على محمد وآله وصحبه الذي جعلت طاعته من طاعتك، ومعصيته والتولي عنه كفرا، وبيعته من بيعتك، ومحبته من محبتك، عبدك ونبيك ورسولك ومصطفاك من خلقك، العروة الوثقى وثوق كتابك الذي أنزلت، الحبل الممدود بينك وبين أحبابك وأصفيائك وأوليائك، سندا متصلا.

اللهم صل على سيدنا محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته، وأهل بيته، كما صليت على سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

وارزقنا سيدي ومولاي كمال محبته وطاعته، وتمام نصرته وتوقيره، ودوام ذكره صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه، ووفقنا اللهم لزيارة مضجعه والدعاء بين يديه والسكنى بجواره، وشوق أرواحنا إليه، وامددنا من نوره وهيئ قلوبنا للتعلق المتين بعترته أهل بيته ووراث سره القائمين على سنته المجاهدين في سبيلك لإعلاء كلمة لا إله إلا الله.

آمين والحمد لله رب العالمين.


[1] رواه ابن حبان رحمه الله.
[2] رواه الترمذي رحمه الله.
[3] سورة المائدة: الآية: 15 – 16.
[4] الإمام الترمذي و ابن ماجه رحمهما الله.
[5] رواه الدارمي رحمه الله في سننه والطبراني رحمه الله.
[6] كتاب الشفا ص 63.
[7] رواه مسلم رحمه.
[8] دلائل النبوة للاصبهاني رحمه الله 1/ 174 ـ 177 ودلائل النبوة للبيهقي رحمه الله: 1/ 126 ـ 129.
[9] رواه أحمد رحمه الله في مسنده وبن أبي شيبة رحمه الله في مصنفه.
[10] رواه أحمد رحمه الله.
[11] سورة آل عمران: 159.
[12] رواه مسلم رحمه الله.
[13] البخاري ومالك رحمهم الله.
[14] رواه أحمد رحمه الله.
[15] رواه البخاري رحمه الله.
[16] سورة البقرة: الآية: 128.
[17] رواه أبو داود والترمذي وأحمد رحمهم الله.
[18] الترمذي وابن ماجه رحمها الله.
[19] سورة البقرة: 143.
[20] رواه البيهقي رحمه الله في سننه.
[21] سورة النحل: الآية: 97.
[22] رواه الترمذي رحمه الله.
[23] كتاب الشفا للقاضي عياض رحمه الله تعالى ص: 63.
[24] كتاب الشفا للقاضي عياض رحمه الله تعالى ص: 63.
[25] سورة القلم: الآية: 4.
[26] كتاب الشفا للقاضي عياض رحمه الله تعالى: ص: 63.
[27] رواه مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه رحمهم الله تعالى.
[28] رواه البخاري رحمه الله.
[29] سورة آل عمران: الآية: 13.
[30] أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
[31] رواه أحمد والطبراني رحمهما الله واللفظ له وإسناده جيد.
[32] رواه البزار والطبراني وابن حبان في صحيحه والبيهقي رحمهم الله.
[33] سورة التوبة: الآية: 103.
[34] سورة الأنبياء: الآية 17.
[35] سورة آل عمران: الآية: 110.
[36] سورة آل عمران: الآية: 164.
[37] سورة الأعراف، الآيات 154- 155 – 156 – 157.
[38] رواه البخاري رحمه الله تعالى.
[39] رواه مسلم رحمه الله تعالى.
[40] القاضي عياض الشفا: ص: 116.
[41] القاضي عياض الشفا ص: 116.
[42] رواه مسلم رحمه الله.
[43] آل عمران: الآية: 103.
[44] سورة الحجرات: الآية: 10.
[45] رواه أحمد رحمه الله.
[46] رواه البخاري رحمه الله.
[47] سورة الفيل الآية:3-4.
[48] سورة البقرة: الآية: 125.
[49] متفق عليه.
[50] سورة الشورى الآية: 13.
[51] رواه البيهقي رحمه الله.
[52] سورة المائدة الآية: الآية: 3.
[53] رواه الطبراني رحمه الله في المعجم الكبير.
[54] أبو داود والترمذي وأحمد رحمهم الله تعالى.
[55] رواه الترمذي رحمه الله تعالى.
[56] الإحسان للإمام المجدد عبد السلام: 1.