كلمة للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى خلال زيارة الأحد 12 ربيع النبوي 1425هـ الموافق لـ2 ماي 2004م.

في هذه الأجواء الفواحة بالعطر النبوي، عطر المحبة والوداد والشوق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أرجو أن تصل إخوانَنا المشاركين معنا في هذه الشبكة نفحات من جو الفرح والحبور الذي يسود هذا المجلس المبارك.

كيف لا نفرح بمن بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين ونحن من العالمين؟ يشعر بعضنا ولا يشعر آخرون. من المسلمين من لا يستحضر عظمة مولد النبي صلى الله عليه وسلم بينما هم في ميلاد أحد أبنائهم يملؤون الدنيا بمظاهر الفرح والحبور!

ويأتي قوم آخرون ويقولون: هذه بدعة. سبحان الله! وما هي السنة إن كنا لا نحتفل ولا نهتبل بميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي بعثه الله فينا رحمة ومنة وجميلا وخيرا عاما؟

والله عز وجل في سورة آل عمران يقول: لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ.

وكلنا ذلك الذي كان في غيابات الضلال والظلام فبعث الله فينا رسوله صلى الله عليه وسلم؛ البعثة الزمنية التاريخية تتجدد في قلب كل مسلم يتوب، في قلب كل مومن يرقى في مدارج الإيمان إلى ذرى الإحسان، يقع في قلبه ميلاد محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن لا يشعر بهذا الميلاد وبأن قلبه كان ميتا وكان خرابا وكان بلقعا قبل أن تبزغ فيه نورانية الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، من كان لا يشعر هذا الشعور فترجى له توبة تجدد إيمانه.

لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ المنة هو العطاء الذي لا ينتظر جزاء، الله عز وجل هو الحنّان المنان، ومنته العظمى أن بعث فينا رسولا يذكرنا بأننا مخلوقات مدعوة إلى حياة أبدية، مدعوة إلى السعادة، وخط لنا الطريق وعلمنا كيف نصل إلى ذلك المآل الجميل، نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يعرف منة الله عز وجل على المومنين ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم والسامعين نكون من الذين تنبعث في قلوبهم وأرواحهم في كل يوم مشاعر الغبطة ومشاعر المنة الإلهية بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وتتجدد وتتكرر، فقلوب العباد ميتة إلا أن يمن الله عليها ببصيص من نور يصلها بالنور الأبدي، نور سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

طالع أيضا  ليساسفة/الدار البيضاء.. موكب الصلاة على المصطفى

إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ بشر مثلنا صلى الله عليه وسلم، نشاركه في البشرية لكنه بشر لا كالبشر.

وجدتكم تقرؤون بردة سيدنا الإمام البصيري رضي الله عنه؛ هذه القصيدة الجميلة بموضوعها وبمعناها وبمبناها يليق بنا أن نتعلم منها اللغة العربية والبيان العربي والجمال الشعري، وغير ذلك من أسرار اللغة العربية ومن أسرار اللطافة في تبليغ المعاني الجميلة التي يليق بنا تتبعها في كلامه رضي الله عنه في شعره الجميل، وكيف يبلغنا عواطفه ورقة قلبه عسى أن يرق قلبنا إن شاء الله.

يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ التنمية؛ قلوب كدرة تصفى وتنمو كما ينمو الطفل الرضيع الذي لا يزال في خرقه ونجاساته فتصفيه أمه وتنميه حتى يستقل قائما بشأنه، كذلك يزكينا الله عز وجل برسوله صلى الله عليه وسلم. الرسول صلى الله عليه وسلم يقبل منا أن ننهض من أوساخنا وأكدارنا وسيئات أعمالنا فنطمح إلى الصفاء وإلى العلو فنزكو ونتطهر، ثم يزكو وينمو فينا الإيمان.

وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ وعن الحكمة نبحث في مجالسنا دائما. من هم الذين كانوا في ضلال مبين؟ أقوام كانوا في ضلال مبين في الجاهلية، هذا فهم سطحي وغافل، الفهم الحاضر مع الله عز وجل ومع كلامه عز وجل هو الذي يجعلني في كل آية أقرؤها من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أرجع إلى نفسي، الذين كانوا تاريخيا أي في الجاهلية.. المهم عندي هو تاريخي أنا، أنا كنت في ضلال مبين فمنّ الله علي بأن اكتشفت بأن الله عز وجل بعث رسولا اسمه محمدا علمني ودعاني إلى الخير، لذلك ينبغي أن نعرف منة الله عز وجل علينا ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أن نحب هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لكي نحب الله الذي من علينا برسوله، نحب رسول الله لكي تكون هذه المحبة مرقاة لنا لكي نحب الله، نحب الله شكرا له ومعرفة به وبفضله ومنته علينا.

طالع أيضا  في ذكرى المولد النبوي: فجرُ الولادة الثانية

وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ من هم الذين لما يلحقوا بهم؟ تاريخيا هم التابعون وتابعوهم وصالحو الأمة ونحن منهم.. ولكن بالفهم والتدبر أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها يتدبرون بمعنى يرون ويتحسسون ما وراء الألفاظ، ما وراء الدلالات التاريخية، ما وراء ذلك هو أنا، مصيري أنا وتاريخي أنا ولمّا أنا، نسأل الله تعالى أن ندخل في معنى الرجاء الذي توحي به كلمة لمّا، لمّا حرف نفي ورجاء واستقبال..

ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فضل الله على يتيم وقف به جده عبد المطلب يعرضه على المرضعات وخص الله بهذا السيدة حليمة السعدية، فضل الله على هذا اليتيم، الذي وجده الله يتيما فآواه، ووجده عائلا فأغناه. وانتقالا وتدبرا للمعاني اليتيم هو أنا، القرآن يخاطب لتنذر من كان حيا حي القلب، في قلبه محبة الله ورسوله، في قلبه شوق إلى الله ورسوله. اليتيم هو أنا، إن لم يكن يتم نسلي فهو يتم معنوي، كنت تائها في الدنيا فألقاني الله عز وجل وهيأني ودلني على طريق الهداية، كنت ضالا فهداني الله وقيض لي من دلني على الطريق، كنت عائلا، فإن كنت أملك شيئا من حطام الدنيا فلم أكن أملك شيئا من معاني السمو الروحي وما ينفعني في الآخرة.

أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ هذا خطاب موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموجه إلى كل من اهتدى بهديه إلى يوم القيامة، كان قلبك مضموما منغلقا حزينا كئيبا مظلما فشرح الله صدرك.

وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ كنت تحمل أثقالا، وأكبر الأثقال على الإطلاق هو الجهل بمعنى وجودي، كنت لا أعرف معنى وجودي..

.. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الإثنين ويقول هذا يوم ولدت فيه، فكان يحتفل بعيد ميلاده، ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد اليهود في المدينة يصومون عاشوراء، سأل لماذا؟ قالوا إنه يوم نجى الله فيه موسى، فهم يحتفلون بنجاة سيدنا موسى، قال: نحن أولى بموسى منهم فأوصى أن نصوم عاشوراء ونوى أن يصوم تاسوعاء وعاشوراء في العام المقبل قبل أن يتوفاه الله.

طالع أيضا  جئتكم من عند خير الناس

فإذن شرعا وذوقا وإيمانا نحتفل بمنة الله علينا. أما التنزيل الفقهي فانظروا ما كتبه الإمام السيوطي رحمه الله في هذا الباب فهو يفيد.