خلق نبينا من أرضى الأرض أرضا، وأصفى الأوصاف وصفا، وصين آباؤه من زلل الزنا إلى أن صدفت بتلك الدرة صدفة آمنة، فوثبت لرضاعه ثُوَيبة، ثم قضت باقي الدين حليمة، فنشأ في حجر الكمال.

كانت تسلم عليه قبل النبوة الأحجار، وتبشره بما أولاه مولاه الأشجار، وكان خاتم النبوة بين كتفيه.

أُلبس إِهاب الهيبة، وتُوِّج تاج السيادة، وضمخ بأذكى خَلُوق أزكى الأخلاق، وأُحل دار المداراة، وأجلس على صفحة الصفح، ولُقِم لُقَم لقمان الحكيم، ووضعت له أكواب التواضع، وأديرت عليه كؤوس الكَيْس متضمنة حلاوة الحِلم ختامها مسك النُّسك، وأعطي لقطع مفازة الدنيا جواد الجود، ونُووِّل قلم العز فوقع على صحائف الكد: “كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد”.

وكان صلى الله عليه وسلم يعود المريض، ويجيب دعوة المملوك، ويجلس على الأرض، ويلبس الخشن، ويبيت الليالي طاويا يتقلب في قعر الفقر ولسان الحال يناديه: يا محمد، نحن نَضِنُّ بك عن الدنيا لا بها عنك.

ولقد شارك صلى الله عليه وسلم الأنبياء في فضائلهم وزاد. أين سطوة “لا تذر” من حِلْم “اهد قومي”؟ أين انشقاق البحر من انشقاق القمر؟ أين انفجار الحجر من نبع الماء من بين الأصابع؟ أين التكليم عند الطور من “قاب قوسين”؟ أين تسبيح الجبال في أماكنها من تقديس الحصى في الكف؟ أين علو سليمان بالريح من ليلة المعراج؟ أين إحياء عيسى الأموات من تكليم الذراع؟ كل الأنبياء ذهبت معجزاتهم بموتهم، ومعجزة نبينا الكبرى صلى الله عليه وسلم قائمة على منار: لأنذركم به ومن بلغ، تنادي: فأتوا بسورة من مثله.

فهو صلى الله عليه وسلم أول الناس خروجا إذا بعثوا، وخطيب الخلائق إذا وفدوا، ومبشر القوم إذا يئسوا.

الأنبياء قد سكتوا لنطقه، والأملاك قد اعترفوا بحقه، والجنة والنار تحت أمره، والخُزّان داخلون في دائرة حكمه، وكلام غيره قبل قوله لا ينفع، وجواب الحبيب له: “قل تُسمع”. فسبحان من فض له من الفضائل ما فضله، وكسب من حلل الفخر الجم ما جمله! جمع الله بيننا وبينه في جنته، وأحيانا على كتابه وسنته.