تطرق فضيلة الأستاذ محمد عبادي، في المجلس الثامن من مجالس “في رحاب شعب الإيمان”، إلى الشعبة الرابعة: التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خُلقه، فتناول بالدرس والتحليل والإرشاد والاستخلاص الأحاديث من 90 إلى 95. وهذا بعض ما جاء في هذا المجلس المبارك:

الحديث 90:

عن سعد بن هشام في حديث طويل يسأل فيه أمنا عائشة رضي الله عنها عن وِتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فَقُلت: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ! أَنبئِينِي عَن خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَت: أَلَستَ تَقرَأُ القُرآنَ؟ قُلتُ: بَلَى، قَالَت: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ القُرآنَ.

(أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، رقم: 746).

عرف الأستاذ عبادي بداية راوي الحديث فقال: سعد بن هشام رضي الله عنه هو من التابعين، استشهد والده في غزوة أحد وكان لا يزال صبيا صغيرا، لم يتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يسأل عنه. كان مجاهدا شارك في الفتوحات الإسلامية وبقي في المدينة المنورة، وهو من تلامذة سيدنا عبد الله بن عباس، جاء ليأخذ العلم عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه فسأله عن الوتر النبوي، فلم يجبه سيدنا عبد الله وأحاله على من هو أعلم منه؛ أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها.

ثم انتقل إلى شرح الحديث واستنباط أحكامه، موضحا: نستفيد من الحديث أن من سئل عن شيء وهو يعلم أن هناك من هو أعلم منه فعليه أن يحيله عليه تأدبا؛ أيُفتى ومالك في المدينة؟ فالناس كانوا يتجنبون الفتوى، وكان الإمام مالك أعلم من في المدينة فكانوا يحيلون عليه الأسئلة.

فسأل -التابعي- أمنا عائشة عن الوتر النبوي فأخبرته، ثم سألها عن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من المنتظر أن تجيب أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها إجابة طويلة تتحدث فيها عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخلاقه الحميدة لا حصر لها ولا عد، ولكنها بما أوتيت من جوامع الكلم التي تعلمتها من الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم اختصرت الجواب وقالت: كان خلقه القرآن.

فمن أراد أن يتعرف على أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فليقرأ القرآن، فهو صلى الله عليه وسلم يجسد القرآن بسلوكه العملي؛ بمواقفه وأخلاقه ومعاملاته، فهو قد اصطبغ بكتاب الله سبحانه وتعالى عز وجل.

والقرآن قبل أن يكون كتاب أحكام وأخبار وقصص وعبر فهو نور ورحمة وهدى، فهذا النور يستقبله الإنسان بالقلب، فإذا امتلأ القلب نورا سرى في الجوارح فيدفعها إلى الانضباط بضوابط القرآن، والتخلق بأخلاقه، فيكون ذلك الإيمان الذي تشربه الإنسان من كتاب الله سبحانه وتعالى عز وجل هو الدافع له لامتثال أوامر القرآن والانتهاء عن نواهيه. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم، إذن الإيمان محرك للإنسان، ضعيف الإيمان لا يستطيع أن يقوم بأي شيء، حتى الصلاة، كما قال الله سبحانه وتعالى وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، ولكن الذي امتلأ قلبه إيمانا ينجز من المهام والأوامر والأعمال الشيء الكثير، لأنه يمتلك إرادة وقوة، جاء بها من النور الذي قذفه الله سبحانه وتعالى عز وجل في قلبه. فبقدر ما يتشرب الإنسان من نور القرآن بقدر ما يصطبغ بأحكام القرآن وبأخلاق القرآن.

نحن الآن نتكلف، ونتدرب؛ مرة نخالف ومرة ننضبط لضوابط القرآن، ونحمل أنفسنا على التخلق بأخلاق القرآن، الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يعد يكلف نفسه على تطبيق ما أمر الله سبحانه وتعالى، تلقائيا يجد نفسه منضبطا مع كتاب الله سبحانه وتعالى. فكيف نصل نحن إلى هذه المرحلة؟ لابد من أن نطهر القلب ليستوعب نور القرآن، الذي يدفع الإنسان للعمل بكتاب الله سبحانه وتعالى عز وجل.

الحديث 93:

كعادته في كل حديث، عرف الأستاذ عبادي راوي الحديث بقوله: ابن سعد هذا من علماء القرن الثاني والثالث، وله كتاب مهم جدا هو “الطبقات” الصغرى والكبرى، في بضعة عشر مجلدا، يتحدث فيه عن طبقات الصحابة والتابعين، وهو الذي أخرج هذا الحديث عن سيدنا أنس.

لينتقل إلى تفسير الحديث، واستنباط عبره: يأتي الحديث في نفس المعنى، إلا أنه فيه زيادة، وهي “تناول أذنه”، أي أراد أن يسر إليه سرا، أي يقترب إليه ليكلمه في أذنه حتى لا يسمع الآخرون ما يريد أن يقوله له، فيصغي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتكلم، فلا يصرف الرسول صلى الله عليه وسلم أذنه حتى ينصرف الرجل.

يؤخذ من الحديث أننا عندما نتذاكر فيما بيننا؛ فبينما الأخ لم ينه كلامه بعد، تقاطعه أنت أو تنصرف عنه، فهذا من سوء الأدب، استمع إلى أخيك حتى ينهي كلامه، لا تقاطعه ولا تنصرف وتتركه يتحدث.

الحديث 95:

في هذا الحديث يوضح الأستاذ عبادي: هذه من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله؛ ما ضرب رسول الله بيده خادما له قط ولا امرأة، يحكي سيدنا أنس ويقول: خدمت رسول الله 10 سنين فما قال لي لشيء فعلته: لمَ فعلته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟

ولا ضرب بيده شيئا قط؛ يدخل هنا حتى الحيوانات والبهائم، وننظر الآن كيف يعامل الناس في البادية الحمير والبغال.. يحملون الأثقال على ظهرها مع النغز في ظهورها والضرب، ولا ينبغي ذلك، بل ينبغي أن نرفق بهم ونرحمهم.

“ولا خُير بين أمرين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما”، هل يتعلق أمر التخيير بأمور الدنيا أم بالعبادات؟ قال البعض أن العبادات مستثناة، وكأن المطلوب أن يقوم الإنسان بالأشق والأشد في حين أن الحديث عام، أي ما خير الرسول بين أمرين سواء تعلق الأمر بأمور الدنيا أو بأمور الآخرة إلا اختار أيسرهما.

فيما يلي الدرس كاملا: