حبل التقرير السياسي الصادر عن المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الـ22، المنعقد قبل أسبوع، بمواقف سياسية واضحة وبتحليل معزز بأفكار عميقة ومعطيات مُحيّنة تغطي السنة الجارية (2018).

توزع التقرير على محاور عدة؛ خارجية ديبلوماسية، وسياسية داخلية، واقتصادية، واجتماعية، وحقوقية… نعيد طرحه بشكل موزع على حلقات/محاور تسهيلا لاطلاع القراء على مضامينه الغنية.

اليوم مع ”الشأن الديني” والثقافي:

1.  “الشأن الديني”: احتكار وتأميم

تواصل السلطة سياستها في احتكار الدين وتأميم المساجد واستغلال مداخيل الأوقاف دون مراقبة وتوجيه خطب الجمعة وتسييسها في اتجاه خدمة الاستبداد وتبرير الفساد. كما تستمر في استخدام المساجد وسيلةَ صراعٍ سياسي لتخوين الاحتجاجات وتشويه المعارضين، مع تكميم الأفواه وإعدام الرأي المخالف عبر عزل عدد من الأئمة ومنع آخرين من إلقاء الدروس المسجدية، مقابل غض الطرف عن جهات مشبوهة تحاول النيل من مقدسات الشعب ودينه وتهدد أمنه الروحي، حيث تفتح مجالات الإعلام الرسمي أمام أنشطتها وصوتها النشاز لتستمر في استهداف قيم المجتمع ومبادئه. فيما تشتغل الدعاية للنظام السياسي من على المنابر متجاهلة قول الله تعالى وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (سورة الجن، 18).

ومن أبرز ما عرفته هذه السنة، وبات فضيحة عالمية، الفساد الطافح في تدبير حج المغاربة حيث يسجل غلاء الكلفة مقابل سوء الخدمات أكلا وشربا وتنقلا وتطبيبا وسكنا وتأطيرا وتوجيها للحجاج. وقد نتج عن هذا الاستهتار معاناة حقيقية مست على وجه الخصوص كبار السن والأميين وذوي الاحتياجات الخاصة الذين وقفوا عاجزين تائهين وسط الجموع، بل منهم من فوت ركنا أساسيا من أركان الحج، ولم تفتح الوزارة المعنية أي تحقيق أو بحث لتحديد المسؤوليات وما يترتب عليها من مساءلة ومحاسبة وعقاب.

من جهة أخرى تم منع عشرات المغاربة من اعتكاف العشر الأواخر من رمضان بالمساجد إحياء لهذه السنة النبوية العظيمة، حيث تم إخراجهم بالقوة من معتكفاتهم في تناقض مع الادعاء الرسمي بكون الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا (سورة البقرة، 114).

2.  الشأن الثقافي: تمييع وتسطيح  

من اللافت للأنظار المساهمة الرسمية للسلطة في نشر خطاب مغالط حول اللغة العربية مقابل تشجيع غير بريء للدارجة المغربية، مع ما يتضمنه ذلك من تفتيت لمقومات الهوية المغربية، في تناقض صارخ حتى مع منطوق الدستور الذي وُضع على أعين السلطة وبيديها. ويزداد الأمر انتشارا في الإعلام والتعليم، من خلال التضييق على العربية اللغة الرسمية للبلاد تارة بتعميم الفرنسية في التعليم وعبر آليات صناعة النخب، وتارة أخرى عبر فتح نقاشات يائسة تروم تقديم دارجة عامية بديلا عن لغة عربية فصحى وسامية.

أما على المستوى الفني فما تزال الأطر المرجعية الناظمة للسياسات العمومية غارقة في الرؤية السلطوية التقليدية للمجال الثقافي، الذي يفسر الانفراد في التدبير وتغييب الإشراك اللازم، وغياب رؤية استراتيجية في التعاطي مع الشأن الثقافي والفني، وذلك من خلال الانطلاق من نظرة دونية للقطاع الثقافي والفني واعتباره مجالا ثانويا في عملية التنمية الشاملة المطلوبة وقطاعا غير منتج، مما ينعكس على الأدوار الهامشية التي تطلب منه، وهي عموما ذات طابع تبريري تزييني مدحي لواقع الفساد والاستبداد، أو هي محصورة ومحاصرة في مراتب ومواضع لا ترقى إلى التأثير المطلوب في مسار المجتمع وقيمه. حيث يتم اعتماد منطق الريع في نسبة معتبرة من الأنشطة والمشاريع الثقافية، وكذا في احتواء المثقفين وتشجيع التفاهة، من خلال إقصاء وتهميش الرموز الثقافية والفنية الجادة في مقابل ترميز وتلميع نماذج الثقافة الجوفاء والسطحية عبر احتضان وتفريخ المهرجانات، وغلبة الرؤية الكمية على حساب النوعية والجدوى، وتبذير ملايين الدراهم على سويعات من السهرات الغنائية للرقص على جراح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة التي يرزح تحت وطأتها المواطنون، الذين عبروا عن سخطهم من استهتار السلطة بهم وبمعاناتهم من خلال مقاطعة تلك المهرجانات بشكل كبير فاجأ المنظمين والمشاركين على السواء.

أما على مستوى المؤسسات الثقافية فيتم تسجيل بطء كبير في عملية تقريبها من المواطنين، وفراغ تدبيري وتجهيزي وتكويني يحد من فاعلية تلك المؤسسات، ويجعل أغلبها يدور في أشكال روتينية لا ترقى إلى المستوى التأطيري وجودة الخدمات الثقافية المرجوة، بله الرهان عليها في خلق دينامية ثقافية وفنية مدمجة في رهان تنموي واضح وناجز.