الصحابي الجليل كعب بن زهير رضي الله عنه

قبل أن يبدأ في شرحه لقصيدة بانت سعاد، ذكر الشيخ عبد الله بن هشام الأنصاري تعريفا لصاحبها، حيث قال: (هو كعب بن زهير بن أبي سُلمى بضم السين، واسم أبي سلمى ربيعة بن رباح.. أحد من بني مزينة، كان من فحول الشعراء هو وأبوه، وكان عمر رضي الله عنه لا يقدم على أبيه أحدا، ويقول: أشعر الناس) 1. فكعب بن زهير رضي الله عنه صحابي جليل وشاعر مخضرم، عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام. تتلمذ في الشعر على يد والده الذي كان من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية. وقد سمعه أبوه يقول الشعر وهو صغير السن، فمنعه من ذلك خشية أن يروى عنه ما لا خير ولا قيمة فيه، فيكون وصمة عار وسبة له ولأسرته التي كان لها قدم راسخة في الشعر، إلا أن كعبا أصر أن يقول الشعر رغم ذلك، فامتحنه أبوه، حيث كان يخرج به إلى الصحراء فيلقي عليه بيتا أو شطرا ويطلب منه أن يتمه، فتأكد من نبوغه وفصاحته المبكرة، فسمح له بالانطلاق في ذلك.

رويت عنه قصائد شعرية امتاز فيها بفخامة أسلوبه ورصانة لغته، لكنه اشتهر بقصيدة البردة. وسأذكر قصة إسلامه مضمنة فيما يأتي من مناسبة القصيدة وسياقها. وقد توفي رضي الله عنه سنة ست وعشرين بعد الهجرة.

مناسبة القصيدة

ذاع في الآفاق أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصبح الناس يتحدثون بالإسلام؛ الدين الجديد، وكعب بن زهير آنذاك في اكتمال شبابه، فأرسل أخاه بجيرا إلى المدينة يستطلع خبر النبي صلى الله عليه وسلم. ولما التقى بجيرا برسول الله صلى الله عليه وسلم آمن به وبقي في المدينة ولم يعد. فغضب كعب لذلك ونظم شعرا أساء فيه للنبي صلى الله عليه وسلم ووبخ أخاه فيه وأرسله إليه قال فيه:

ألا أبلغــتـا عني بجيرا رسالة *** فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا

سقاك بها المـامون كاسا روية *** فانهلك منها المـــامون وعلــكا

ففارقت أسباب الهدى واتبعته *** على أي شيء ويب غيرك دلكا

على مذهب لم تلف به أما ولا أبا *** عليه ولم تعرف عليه أخا لكـا

فإن أنت لم تفعل فلست بآسف *** ولا قائل إما عثرت لعا لـــــــك

فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما احتملته الأبيات من هجاء وإساءة فظيعة، أهدر دمه، لما يشكل من خطر كبير على انتشار دعوة الله، وذلك لامتلاكه سلاحا فتاكا هو الشعر الذي كانت له السلطة المؤثرة في حياة العرب.

أخبره أخوه بجيرا بالأمر، ونصحه أن يأتي إلى رسول الله معتذرا، فهو يقبل العذر ومن شيمه العفو. حاول كعب أن يحتمي بقبيلته، فرفضت ذلك وتبرأت منه. فحمل نفسه وجاء المدينة، ودخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع كفه في كفه والنبي صلى الله عليه وسلم لا يعرفه وقال: (إن كعب بن زهير أتاك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه؟ أجابه: نعم. قال: فأنا كعب. فوثب رجل من الأنصار قائلا: دعني يا نبي الله أضرب عنقه، فكفه النبي صلى الله عليه وسلم عنه) 2.

فقام كعب بن زهير رضي الله عنه وأنشد قصيدته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، اعتذر فيها له عما بدر منه، وطلب فيها العفو عنه، وختمها بمدحه صلى الله عليه وسلم وبمدح المهاجرين رضي الله عنهم.

“البردة”

سميت هذه القصيدة بالبردة، وبه اشتهرت عبر التاريخ. وسبب تسميتها بذلك هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع هذه القصيدة من كعب بن زهير رضي الله عنه، وخاصة عندما تلا عليه هذا البيت النوراني:

إن الرسول لسيف يستضاء به *** مهند من سيوف الله مسلول

قام صلى الله عليه وسلم ورمى عليه بردته الشريفة. وقد ظل رضي الله عنه محتفظا بها طوال حياته، وامتنع أن يعطيها معاوية رضي الله عنه مقابل مال أرسله إليه، وأجابه قائلا: (ما كنت لأوثر بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا) 3. ولم يحصل عليها إلا بعد وفاته، حيث أخذها من أبنائه مقابل مال أعطاه إياهم.

أي شعر وأي كلام هذا قد نفذ إلى أعماق رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعله يتخذ هذا الموقف؟! لم يكن صلى الله عليه وسلم بشاعر، لكن ذوقه الشريف حي يتفاعل مع كل ما هو جميل وذي معنى نبيل، ذلك لأنه رسول الله. بهذا الوسام النبوي نالت هذه القصيدة الشرف والسمو والرفعة، وسميت بالبردة، وظلت حية إلى يومنا هذا والحمد لله، فكانت عبر هذه القرون مصدر إلهام للشعراء في مدحهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولما كانت البردة قد حركت المشاعر الشريفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلته يزداد فرحا وابتهاجا عند سماعها، فقد اهتم بها العلماء والشعراء حفظا وشرحا. فلم (يزل الشعراء من ذلك الوقت إلى الآن ينسجون على منوالها ويقتدون بأقوالها تبركا بمن أنشدت بين يديه (صلى الله عليه وسلم) ونسب مدحها إليه) 4.

والدارس لهذه القصيدة يحصل على ثروة لغوية كبيرة، فيزداد حبا للغة العربة وتعلقا بها، وذلك لأصالة وفصاحة ألفاظها اللغوية، ولما تتميز به من أسلوب جذاب، ومن موسيقى يطرب لها الذوق السليم. فهي تستحق أن تكون نص انطلاق لتعلم اللغة بكل مستوياتها في مدارسنا، بدل اعتماد نصوص تافهة المبنى والمعنى.

وقد كان لهذه القصيدة تأثير كبير في ميدان الأدب والثقافة الإسلامية، فقد قام العلماء على مر العصور بشرحها واستنباط الدروس اللغوية والبلاغية والنحوية منها، والتي بلغت عددا كبيرا توزعت في مكتبات العالم ما بين مطبوع ومخطوط، المتوفر منها حوالي خمسين شرحا.

وهي تسمى أيضا بـ”الكعبية اللامية”، وبـ”بانت سعاد”. وبهذا الأخير قد اشتهرت أيضا، حيث ابتدأ الشاعر قصيدته بالنسيب على عادة العرب بهذا البيت:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول *** متيم إثرها لم يفد مكبول

فأغلب الشروح لها كانت تضع هذا الاسم ضمن عناوينها.


[1] “شرح قصيدة بانت سعاد”، الإمام عبد الله بن هشام الأنصاري.
[2] انظر طبقات ابن سلام 100، وشرح قصيدة بانت سعاد للتبريزي 32-33، وشرح قصيدة البردة للانباري90، وشرح ابن هشام 32-37.
[3] “شرح قصيدة بانت سعاد”، الإمام عبد الله بن هشام الانصاري.
[4] “الاستسعاد بشرح بانت سعاد”، الشريف أبي حامد سيدي المكي البطاوري، ص4.