في الحلقة 35 من سلسلة مجالس الإحسان يتناول الأستاذ عبد الكريم العلمي قراءة فقرة “حلق الذكر” من الفصل الرابع “الذكر” من كتاب الإحسان الجزء الأول، للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى؛ فيقول:

الذكر هو الخصلة الثانية من الخصال العشر والشرط الثاني من شروط التربية في التربية الإحسانية على المنهاج النبوي، عنوان هذه الفقرة هو “حلق الذكر”، ورأينا مع الإمام المجدد رحمة الله عليه في المبحث السابق معالم واضحة من الذكر في سياق الجهاد عند الإمام رحمه الله، في هذا المبحث يزيد الإمام المجدد رحمه الله هذا الأمر بيانا ووضوحا وجلاء، فهو رحمه الله عندما يولي ذكر الله الأهمية القصوى، كما نجد ذلك في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يخرج هذا الأمر عن سياقه الجهادي، والجهاد في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين هو كل جهد يخلص فيه المؤمن النية في نصرة الله عز وجل ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم ونصرة دين الله وأمة رسول الله عليه الصلاة والسلام، بكل ما أوتي المؤمن والمؤمنة ما حباهم الله سبحانه وتعالى في كل الأبواب؛ بالمال والنفس والكلمة والعلم والمدافعة والسياسة والكفاءة والخبرة.. في إطار جماعي.

في هذا المبحث المخصص لحلق الذكر ومجالس الاجتماع على ذكر الله يتناول الإمام المجدد رحمة الله عليه في محورين رئيسين الموقف السلبي لصنفين من المشتغلين بـ”الدعوة” من هذه المجالس، كما يتناول مجالس الذكر وحلق الذكر في كمالها عند النموذج الكامل الخالد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته، ثم ما طرأ بعد ذلك على هذه المجالس، وكل هذا من خلال أحاديث لرسول الله عليه الصلاة والسلام ونظرات ينظر من خلالها الإمام المجدد رحمة الله عليه في هذه الأحاديث.

ونبدأ بما يبدأ به رحمة الله عليه هذه المباحث؛ الدعاء: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل.

ويعود بنا الإمام رحمه الله بداية إلى الصنفين اللذين تحدث عنهما في المبحث السابق “سبق المفردون”، فيتحدث من جديد عن المرافعات والاتهامات التي يعقدها الوراقون الذين يأتون بها من القرون التي خلت ومن نيات أصحابها، ويغذون ذلك بما في نفوسهم من إرادة الغلبة وإرادة الرئاسة على الناس، فهُما تغذيتان، ولكن يقول في عبارة جميلة جدا: “فهم في زمان غيرهم في خدمة أنفسهم” التواقة إلى الرئاسة والغلبة، ويصفهم بأنهم “أنصاف أميين”.

في مقابل هؤلاء هناك الداعون للإسلام الثقافي، ويقول رحمة الله عليه أن هؤلاء سواء أصحاب المرافعات أو أصحاب الإسلام الثقافي “قد يكون من هؤلاء وهؤلاء صادقون خانهم الفهمُ وخانهم التوفيق، وقد يكون آخرون إنما يشتغلون “بالدعوة” على هذه الأساليب التواءً عن جادة الجهاد، وإعذاراً إلى أنفسهم الجبانة بمعاذير أنهم حماة السنة فوارس قامعون للبدعة”.

ويقول رحمه الله: “هؤلائك وهؤلاء غفر الله لنا ولهم بحاجة إلى تعلم أبجدية الإيمان وهي حب الله، وحب رسول الله، وذكر الله، والجهاد في سبيل الله. لا سبيل إلى الأسوة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إذا قرأنا القرآن والحديث و”الكون الكبير وما انبث فيه من أحياء” بلغة أبجديتها علم الكلام، وخلاف المجادلين في الله، وعواصمُ سوء الظن بكل عباد الله من قواصم الوهم الشركيِّ، أو بلغة نقلناها من ألم واقعنا المنهزم، وتخلُّفنا الاقتصادي، والاستبداد الواقع علينا من الحكام الجائرين علينا منا، وتقلّصنا في رقعة العالم القوي المنتج المصنَّع الغني المتعلم إلى ما يشبه الأصفار على الشمال. وإن اتخذنا من أبجدية الانهزام لغة تنمويَّة وحيدة مراجعها هناك ومواجعها هنا، تنتقش عباراتها وجملها وعَروضها وقواعدها في عقولنا فتحول دون أن ينتقش في قلوبنا حب الله ورسوله، وذكر الله، وسنة رسول الله، والجهاد في سبيل الله أسوة برسول الله.

من أبجدية الإيمان الاجتماع على ذكر الله. قوم من الدعاة الورّاقين يعلنونها حربا على كل مجلس يقعد فيه المسلمون لذكر الله، أو لتلاوة القرآن. يرون كل ذلك بدعة محدثة وضلالة في النار لمجرد أن جماعات من المؤمنين على مر الأعصار عرفوا بذكر الله، لكنهم سموا صوفية فباءت أعمالهم بسوء ظن الوراقين وحروبِهم لمّا باء الاسم بِسيِّئ السمعة”. اتخذوا موقفا من الصوفية جملة وتفصيلا وسحبوا هذا الموقف على كل مجلس يذكر فيه الله سبحانه وتعالى، فكل ذلك في نظرهم بدعة.

في المقابل أصحاب الإسلام الثقافي، بحكم أن هاجسهم هو العلوم والفكر، وهو كما يقولون الإيمان يزداد بالدراسة الواعية للكون الكبير.. إلخ، يعتبرون أن هؤلاء الجالسين لذكر الله تعالى بطالون، وهنا يعلق الإمام المجدد رحمة الله تعالى عليه: “وحق لهم أن يظنوا بالقاعدين لذكر الخمول سوءا لِمَا يرون من دراويشَ أخذوا كلمة التوحيد يجلسون إليها وعليها ويطرحون واجب العمل من ألواحهم بينما الأمة جائعة عارية تابعة خاضعة، لو قطعت عنها أمريكا القمح الأمريكي لَعَزَّ الغذاء في الأسواق العالمية ولماتت جوعا”.

ولكن “بين الإسلام الثقافي الأجوف وثرثرة الوراقين السفاكة تضيع الحقائق الجوهرية للدين”.

ويفصل في هذه الحقائق الجوهرية للدين فيقول رحمة الله عليه: “من يقعد في حلقات الذكر آناء الليل وأطراف النهار يعولُه غيره فهو عاجز كاسل باخل، نعوذ بالله من العجز والكسل والبخل ورفاقها الانهزامية. وإن ضرورة الجهاد والسلوك الجهادي تعني فيما تعني النهوض لجهاد بناء الأمة، اقتصادِها وصناعتِها وتعليمِها وسياستِها وتنظيمِها وإحقاقِ الحقوقِ فيها بالعدل والإحسان”.

لاحظوا كيف ينظر الإمام المجدد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمة الله عليه إلى الجهاد وإلى غايته “جهاد بناء الأمة” وبكل الأبواب والأوجه…

للاستماع إلى تتمة قراءة الفقرة انظر الشريط التالي: