حبل التقرير السياسي الصادر عن المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الـ22، المنعقد قبل أسبوع، بمواقف سياسية واضحة وبتحليل معزز بأفكار عميقة ومعطيات مُحيّنة تغطي السنة الجارية (2018).

توزع التقرير على محاور عدة؛ خارجية ديبلوماسية، وسياسية داخلية، واقتصادية، واجتماعية، وحقوقية… نعيد طرحه بشكل موزع على حلقات/محاور تسهيلا لاطلاع القراء على مضامينه الغنية.

اليوم مع المحور الاجتماعي:

شهد المغرب هذه السنة استمرار السلطة في رهن البلاد للتوجيهات الخارجية والتمادي في نهج السياسات التقشفية وضرب التوازنات الاجتماعية، واستهداف الخدمات الحيوية بعيدا عن آلية الحوار الاجتماعي والإشراك المجتمعي، والاستخفاف بكل النداءات والصرخات التي بُحَّت بها أصوات المواطنين منددة بالإجهاز على الحقوق وضرب أنظمة الحماية الاجتماعية والمطالب والحاجيات الشعبية خاصة للفئات المعزولة بالبوادي التي يسائل وضعها إخفاقات برامج وميزانيات تنمية العالم القروي، أو الفئات التي تعاني وسط أحياء الصفيح وتكتوي من ضعف البنيات وبطء وسوء تدبير مشاريع إعادة الإسكان. 

1.  التعليم: ماذا بعد إعلان الفشل؟

لقد اعتقد الكثيرون أنه، وبعد الاعتراف الرسمي والصريح من أعلى هرم السلطة بأزمة التعليم وفشل مشاريع إصلاحه، أن يتم الانخراط بجدية وصدق ومسؤولية في استئصال مكامن الداء وبحث سبل الدواء، بيد أن الواقع، الذي لا يرتفع، أكد بالواضح الملموس أن أصحاب القرار السياسي والتربوي بهذا البلد اختاروا الاختباء وراء سياسة الانتقاد والتقريع وهدر الجهود والموارد والفرص في إصلاح الإصلاح وترميم الواجهات عوض التصدي للإشكالات الحقيقية والاختلالات العميقة للمنظومة التعليمية.

ولم تخرج الخطابات الملكية لهذه السنة عن هذه القاعدة، بل كرست منطق الهروب إلى الإمام عبر عرض المؤشرات المقلقة وتحميل المُدبرين التنفيذيين مسؤولية التأخر في تنزيل مقتضيات الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 رغم انصرام ثلاث سنوات من أمدها. حيث مازالت كل مؤشرات المستوى التعليمي والهدر المدرسي وتكافؤ الفرص تضع المغرب في آخر الترتيب خلف دول تعيش حالة حروب وصراعات دموية. فحسب مؤشر التعليم العالي والتدريب لعام 2017/2018 الذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي وفقا لمعايير أهمها جودة نظام التعليم ومعدل الالتحاق بالتعليم العالي والثانوي ومستوى تعلم الرياضيات والعلوم وإدارة المؤسسات التعليمية، فإن المغرب يحتل الرتبة 101 من بين 137 دولة حول العالم، والرتبة 12 من بين 14 دولة عربية. كما أظهرت إحصائيات تقرير المجلس الأعلى للتعليم لسنة 2017 أن نزيف الانقطاع لازال مستمرا حيث غادر مقاعد الدراسة خلال الموسم الماضي أكثر من ربع مليون متعلم ومتعلمة (279177 تلميذ) وتجاوزت نسب الانقطاع في الابتدائي 4.8% وفاقت 23% بالثانية بكالوريا.

التقارير نفسها أعلنت عن فشل منظومة التوجيه وإعادة الإدماج الدراسي وأكدت على العجز عن تحقيق الإنصاف المدرسي وإدماج التلاميذ في وضعية صعبة وغياب مشروع حقيقي لتطوير المناهج والنماذج البيداغوجية وغياب رؤية جدية وفعالة للارتقاء بالأطر التربوية والإدارية وربط التعليم بالتنمية. فضلا عن استمرار غياب الجامعات المغربية عن لائحة الألف الأوائل عالميا وفق تصنيف شنغاي بسبب أعطابها البنيوية وهزالة البحث العلمي فيها.

هذه المؤشرات ليست جديدة على واقع التعليم ببلادنا إلا أنها تحمل دلالة إزاء استمرار التلاعب بهذا القطاع الاستراتيجي في نهضة البلاد، خاصة أن الدولة ماضية في برامجها الارتجالية التي لا تزيد الوضع إلا تأزما وتعقيدا. فبدل أن تضع أسس بناء منظومة تعليمية تراعي مقومات الهوية المغربية وأبعادها الحضارية وتستجيب والأوضاع للحاجات الاجتماعية والاقتصادية وتستحضر انتظارات الأسر وتطلعات الأجيال، نجدها مع مطلع الموسم الدراسي 2018/2019 تصدمهم بتسريب “الدارجة العامية” إلى بعض مقررات الابتدائي والتضييق على اللغة العربية باعتبارها لغة لتدريس جميع المواد. فضلا عن مصادقة المجلس الوزاري على مشروع القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي الذي يحمل بين بنوده إلغاء المجانية تحت مسمى تنويع مصادر تمويل التعليم وتوسيع استعمال اللغة الفرنسية في التدريس وضرب الوظيفة العمومية. في الوقت الذي تطفو فيه بين الفينة والأخرى نجاحات لأطفال وشباب مغاربة في المسابقات العلمية أو تلك الخاصة باللغة العربية وحصولهم على الرتب الأولى دوليا بمجهودات فردية أسرية وبدعم من أساتذتهم المتفانين رغم الصعوبات والإكراهات، وهو ما يكشف عن حجم ما تختزنه بلادنا من الطاقات الكامنة والإمكانيات المهدورة التي تضيع بسبب غياب الإرادة السياسية لإصلاح حقيقي وسوء تدبير قطاع التعليم.

وقد كان تفاعل قطاع التعليم لجماعة العدل والإحسان مع هذا الواقع مستمرا من خلال تشخيصاته ومواقفه وحضوره في مختلف المواقف النضالية والملفات المطلبية (الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، الدفاع عن مجانية التعليم، ملف الترسيبات والإعفاءات، ضحايا النظامين، ضحايا الحركة الانتقالية، مسلك الإدارة،….)، ثم من خلال مجهوده في بناء جبهة وطنية للدفاع عن التعليم العمومي.

2.  الصحة: الجرح المزمن

عرف العرض الصحي خلال هذه السنة استمرارا في التردي إذ لم يعد يخفى على المواطن العجز الواضح في توفير الخدمات الصحية، مما بوأ المغرب الرتبة الذيلية في هذا المجال سواء من حيث الجودة والمعدات أو من حيث تغطية الأطباء والممرضين للساكنة متخلفا بكثير عن دول الجوار.

وقد شهدت هذه السنة إصابة عدد من الأطباء الداخليين والممرضين بداء السل بمصلحة المستعجلات بمستشفى الرازي التابع للمركز الاستشفائي الجامعي بمراكش نظرا لغياب معايير بناء المستشفيات وعدم توفير، على الأقل، التهوية الطبيعية مما ساهم في انتقال العدوى لكثير من المواطنين المرتفقين ومقدمي العلاج على حد سواء. كما استمرت الدولة في سياسة تقويض المرفق الصحي العمومي وتشجيع المؤسسات الصحية الريعية التي تقتات على حساب المراكز الاستشفائية العمومية والتي نتج عنها تهجير الكثير من أطباء القطاع العام نحو القطاع الخاص.

وتعكس بعض الدراسات الإحصائية مزيدا من الارتفاع في عدد من الأمراض المزمنة غير الوبائية نظرا لغياب رؤية شمولية طبية نفسية واجتماعية تشتغل على محددات الصحة والتدابير الوقائية. كما تم تسجيل عودة غير اعتيادية لأمراض الفقر والأوبئة كمرض اللشمانيات الذي غزا جنوب المغرب والمغرب الشرقي وسط احتجاجات المواطنين. ورغم الاحتفاء بالإحصائيات الرسمية التي تدعي خفض معدل وفيات الأمهات الحوامل والأطفال دون سن الخامسة فإن ذلك يفتقد للمصداقية نظرا لما تعيشه الوضعية المزرية لمتابعة الحمل والوضع ولغياب أبحاث محايدة ومستقلة.

أمام هذا الوضع المتردي، عرف المشهد الصحي احتقانا شديدا حيث خاضت الأطر الصحية بكل فئاتها (الأساتذة الأطباء، أطباء القطاع العام، أطباء القطاع الخاص، الممرضون، أطباء الأسنان، الصيادلة…) وبمختلف المراكز والمواقع، حركات احتجاجية تعبيرا عما لحقها من ظلم وعسف. فضلا عن مواقف ونضالات مجموعة من الأطر الصحية التي تعرضت للاستهداف بسبب تأدية واجبها المهني وفضحها للوبيات الفساد بالقطاع.

في هذا السياق كان لقطاع الصحة لجماعة العدل والاحسان، الى جانب مختلف الهيئات الصحية والضمائر الحية ومختلف الغيورين على صحة المواطن، مساهمات في مختلف المواقف النضالية والمهنية والمناسبات التأطيرية والاقتراحية والتطوعية، دفاعا عن الخدمة الصحية العمومية وضد المتاجرة في صحة المواطنين.

إن الأزمة التي يعاني منها قطاع الصحة ومنذ عقود، هي أزمة بنيوية أساسها غياب إرادة سياسية واجتماعية حقيقية تعطي القطاع مكانته الاستراتيجية وترصد له كل الإمكانات المادية والتقنية والموارد البشرية وتؤهل المنظومة القانونية وفق المعايير الحديثة لكي يكون القطاع رافعة للحفاظ على صحة المواطنين بكل أبعادها الجسدية والنفسية والاجتماعية.

3.  الحوار الاجتماعي: حوار معلق ومأسسة غائبة

ارتسمت على المشهد العمالي معالم قاتمة عن أوضاع الانتهاك المستمر لحقوق الشغيلة وضرب مكتسباتها التاريخية، واستهداف العيش اليومي والاستقرار الاجتماعي، مما زاد من معاناة الفئات المنتجة وفتح الأبواب مترعة أمام منطق الاستعباد ونظام السخرة وعقود الإذعان.

ولقد كانت حصيلة ما سمي بالحوار الاجتماعي محبطة للجميع ومخيبة للآمال، إذ لم تسفر اللقاءات التي أجرتها الحكومة مع المركزيات النقابية وممثلي المقاولات إلا عن بيانات إعلان فشل الحوار وتبادل الاتهامات عن مسؤولية إفشاله، فجاء العرض الذي تقدمت به الحكومة هزيلا للغاية ومحبطا لآمال الشغيلة وحمل تراجعات خطيرة، واعتبر استفزازا للطبقة العمالية واستهتارا بمطالبها العادلة والمشروعة ودفعا في مزيد من الاحتقان الشعبي … فكانت النتيجة حوارا بدون مخرجات نتيجة غياب الجدية والجدوى. في الوقت الذي تعاني فيه الشغيلة من تداعيات السياسات العمومية في مجال التشغيل مع التضييق على العمل النقابي.

بالمقابل عكست صورة العمل النقابي، مشهدا مؤسفا وتشتتا مستفحلا زاد من تأزيم الوضع الاجتماعي للبلاد، ومكّن للسياسات الحكومية من التغول في استنزاف الحقوق والإمعان في ضرب المكتسبات. إن تشرذم الجسم النقابي وانشغاله بقضايا جزئية ومعارك هامشية، أفرز عزوفا ملحوظا عن العمل وانكماشا في الفعل النقابي عبّر عن نفسه من خلال المحطات النضالية التي أضحت في عمومها محتشمة (الإضرابات العامة، مسيرات فاتح ماي، المسيرات الوطنية، هشاشة مبادرات التنسيق النقابي …) مقابل تنامي التنسيقيات الفئوية.

ولقد ترسخ لدى القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان اقتناع بأهمية بناء جسور التواصل والاشتغال على المشترك النضالي وزرع الثقة بين مختلف مكونات المشهد النقابي، تشهد على ذلك كل النداءات والبيانات والمبادرات التي أطلقها خلال هذه السنة والتي توجت بالقافلة النقابية في نسختها الثانية والتي حملت شعار: “من أجل فعل نقابي وحدوي ومساهم في التغيير”. بالإضافة إلى سعي أعضائه، الذين يناضلون ضمن مختلف الهيئات النقابية المهنية والمستقلة، إلى لم شمل الجسم النقابي وتهيئة أجواء الحوار النقابي والعمل الوحدوي، مقدمة لجبهة نقابية موحدة تنفتح على مختلف الحساسيات النضالية وكافة المناضلين والغيورين من أبناء الوطن، وتلتحم أكثر بهموم الشعب المغربي وقضاياه ونضالاته العادلة والمشروعة، جبهة مناضلة تكون في مستوى واجب المرحلة وحجم التضحيات والمخططات التي تواجهها.