دستور ما بعد حراك 20 فبراير

لقد ارتأينا رصد رقمين سيساعداننا على الوصول إلى إجابات عن بعض من الأسئلة المطروحة سلفا:

أما الرقم الأول، ونعتبره الأهم، هو: الدستور “الجديد”، في حين يكون الرقم الثاني بعضا من معالم حكومتي العدالة والتنمية، وخاصة أولاهما بقيادة السيد عبد الإله بنكيران. مع الإشارة إلى أننا قد أعرضنا عن ذكر تقابلات عديدة تتلاقى فيها التجربتان، اختصارا.

أما الدستور الجديد، والذي جاء بعد أشهر معدودة من حراك حركة 20 فبراير، فلن يكفينا المقام لوضع مقارنة بين دستور 30/06/2012 وسابقيه إن شكلا أو مضمونا، خاصة وبراعة فقهائنا في إنتاج ترسانة من المفاهيم المتجددة والمتلونة تستطيع تحميل المتون الدستورية المتعاقبة تأويلات لها من الصفة الديمقراطية بقدر ما لها من الصفة الدكتاتورية، وبالتالي جعلها لا تراوح مكانها قيد أنملة..

لكن يمكن القول إن الحكم بمدى تجدد الوثيقة الدستورية المغربية، ودون الالتفات حتى لطريقة إصدارها، يمر، في تقديرنا، عبر خلخلة نقاط أساسية ثلاث: موقع الملكية أولا، والقضاء وعلاقته بباقي السلط ثانيا، ثم الحريات والحقوق وكيفية التنصيص عليها وآليات تطبيقها ثالثا وأخيرا.

إن الحديث عن موقع الملكية يرتبط في الحقيقة بمدى تخلي هذه الأخيرة عن بعض من سلطاتها لصالح الحكومة ورئيسها بداية، ثم عن درجة ضبطها لإيقاع تدبير السياسة العامة للبلد داخليا وخارجيا، أو بعبارة الواقع المغربي احتفاظها بعصب حركية الحكومة من خلال وضع اليد على وزارات بعينها تأخذ اسم وزارات السيادة.

وهنا نجد أن الدستور الجديد قد أجاب عن كل سؤال من هذه الأسئلة، بالشكل الذي يحافظ فيه على جوهر سابقيه.

فقد تصدى لدعوات الملكية البرلمانية، (وهو مطلب أخد في التداول بين شباب حركة 20 فبراير دون تحقيق أي إجماع حقيقي حوله) بتحريك أنزيم الخصوصية المغربية الذي لا يسمح لا بتبني هذا النظام كما هو مسطور في النظم الدستورية العالمية، ولا بسمو مجموع مواثيق ومعاهدات حقوق الإنسان وآليات تطبيقها، في وقت تزيد عملية خلق مؤسسات موازية من تراكم الرئاسات لدى الملك (المجلس الأعلى للقضاء، المجلس العلمي، المجلس الأعلى للأمن……) الضامن والمغني عن الأخذ بزمام أي وزارة ولو كانت سيادية، بل عاملا مخترقا لكل فصل بين السلطات، وبالنتيجة وفاء حليمة لبنيتها القديمة.

الأحزاب الساسية المغربية ودستور 2011

استسمح القارئ الكريم، وللمرة الثالثة لأعرج خلفا، وبالضبط قبيل استفتاء إقرار الدستور “الجديد”.

وهي وقفة أريد من خلالها رسم صورة مبسطة عن الحالة التي كانت عليها كل الأحزاب السياسية وبدون اسثتناء يذكر. خاصة ونحن نتحدث عن فترة من أسوأ فترات العهد الجديد إن لم نقل أسوأها على الإطلاق .

وذلك من خلال إجراء قراءة للمذكرات/ المقترحات التي قدمتها هذه الأحزاب إلى الجنة التي كلفها الملك محمد السادس بمراجعة دستور 1996، وهي أوراق بالقدر الذي ترسم لنا رؤيتها للمرحلة، وكيفية استشرفها لمستقبل البلد، بعد زلزال الربيع العربي. بالقدر الذي تمكننا من معرفة الحجم الحققي لـ”مؤسسات” منوط بها قيادة الوطن والمواطن إلى بر الأمان السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

إذ إنه:  

بعد إلقاء الملك محمد السادس لخطابه الاستباقي (جاء بعد أقل من شهر على بداية احتجاجات حركة 20 فبراير)، والقاضي بإجراء تعديلات دستورية تعيد ترتيب الحياة السياسية للمغرب والمغاربة. بادرت هذه الأحزاب، وهي التي كانت تراوح مكانها إزاء الحراك الشعبي العربي وامتداداته داخل الوطن أي: حركة 20 فبراير، بادرت وفي صورة إقرب إلى تقديم أوراق الاعتماد منها إلى تقديم مشاريع /مقترحات، سميت بالمذكرات، وذلك مشاركة منها في عملية التعديل الدستوري هذه.

وقد خلصنا إلى مؤطرات ثلاث:

وهي تلك الأفكار التي تتوزع عبر المقدمات والخواتيم التي وضعت لهذه الأوراق والتي تحاول عبرها وضع هذه التعديلات في إطار ما تتبناه وما تبنته منظومتها الإيديولوجية. أو بعبارة أصح وضع الحزب داخل السياق المرحلي للخطاب الملكي، هذا أولا، ثم بيان مدى التزامها بالخصوصية المغربية لهذه التعديلات ثانيا لنخلص إلى حقيقة وماهية هذه المذكرات، وبالنتيجة حقيقة الأحزاب نفسها ثالثا.

1-   سياق التعديلات

حيث نجد أن كل الأحزاب ما فتئت -وفي محاولة ظهرت وكأنها تحاول إبعاد تهمة ما- تؤكد على أن مسألة مراجعة الدستور كانت من أبجديات نضالاتها ومطالبها عبر التاريخ، وتدلل على ذلك بما قدمته من مذكرات إلى المؤسسة الملكية، أو فيما خلصت إليه إحدى مؤتمراتها، أو كتابات بعض مناضليها على الصحف والمجلات حتى .

أي بعبارة أخرى أنها كانت تعارض إن بالتعريض أو بالتصريح متن الدستور السابق وتعتبره مليئا بالنقائص، ثم أنه لا يواكب التطور الموضوعي للعالم والوطن.

وقد منعها مانع من الصدع بهذا في الزمان والمكان المناسبين. وهي بذلك تنقض على فرصة العمر لتصدع به، حتى ولو كان ذلك فقط في وجه اللجنة الموكول إليها أمر التعديلات حقيقة .

2-   الخصوصية المغربية

إصرارا منها على عدم ملامسة المنطقة الحساسة في المسألة الدستورية، وفي صورة أقرب إلى التناقض، نجد الأحزاب مجمعة على إجراء إصلاح دستوري شامل يتجاوز التعديلات التقنية المتعارف عليها في التعديلات السابقة، بل وينضبط لإفرازات المرحلة المتقدمة للمسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان في الألفية الثالثة، وذلك عبر إرساء معالم الملكية البرلمانية التي يسود فيها الملك ولا يحكم، لكن دون أن يعني ذلك أن المؤسسة الملكية هي مجرد رمز يكتفي بالمتابعة من بعيد .

بل يجب صياغة مفهوم مغربي للملكية البرلمانية يؤمن للمؤسسة الملكية في نفس الآن الاستمرارية التاريخية و”الجنوح التقدمي”.

3-   حقيقة المذكرات

وفي الأخير تتشارك هذه الأوراق في الإقرار بأن ما قدمته هو عبارة عن تصورات ومقترحات أولية في شكل أفكار ومبادئ تتوخى الإغناء والمشاركة/ المساهمة، وفقط، ويبقى للجنة المكلفة واسع النظر . ضعف الطالب والمطلوب.

يتبع