حبل التقرير السياسي الصادر عن المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الـ22، المنعقد قبل أسبوع، بمواقف سياسية واضحة وبتحليل معزز بأفكار عميقة ومعطيات مُحيّنة تغطي السنة الجارية (2018).

توزع التقرير على محاور عدة؛ خارجية ديبلوماسية، وسياسية داخلية، واقتصادية، واجتماعية، وحقوقية… نعيد طرحه بشكل موزع على حلقات/محاور تسهيلا لاطلاع القراء على مضامينه الغنية.

اليوم مع المحور الاقتصادي:

1.  السياسات الاقتصادية: فشل التنمية وضعف التنافسية

اقتصادياً، كان العنوان الأبرز لهذه السنة هو إعلان أعلى سلطة في البلاد عن فشل النموذج التنموي المغربي في الاستجابة لانتظارات المغاربة. هذا الفشل أكده من جديد خطاب العرش وأكدته التقارير المتناسلة لمؤسسات الحكامة ذات الصلة. لقد أفرز هذا النموذج ظواهر خطيرة تهدد السلم الاجتماعي بحكم ضعف نجاعة الاستثمار العمومي واستفحال الخروقات في تدبير مالية الدولة إضافة إلى ضعف الاستثمار الخاص بسبب عدم وضوح الرؤية وغياب استراتيجية عمومية في هذا المجال.

كما ولّد هذا النموذج معدلات نمو جد منخفضة وأنتج تفاوتات مجالية واجتماعية كبرى وفوارق على مستوى توزيع الثروة. إذ بلغ معدل البطالة 10,2% وما يقارب 15% بالمدن، في حين بلغت بطالة الشباب بالمدن أكثر من 40%. كما ارتفعت الهشاشة وخاصة بالقرى والأرياف. فالحصول على العمل لا يضمن بالضرورة مستوى لائقا من العيش الكريم، حيث أن 20% من السكان النشيطين المشتغلين لا يتقاضون أجرا و80% منهم لا يتوفرون على تغطية صحية وما يقارب 70% يشتغلون بدون عقد عمل.

وقد كان هذا الفشل منتظرا، بل كان واقعا يستشعره المواطن في عيشه اليومي. فكيف لعمل أصله فاسد أن ينتج واقعا صالحا؟ “إن اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ” (سورة يونس، 81). فمن أهم أسبابه هو أن هذا النموذج التنموي ينطلق من خلفية اقتصادية ريعية تحميها سلطة مستبدة فاسدة تدعم فئة قليلة من الناس لتحقيق أرباح وإنجاز مشاريع، فيما يتم وضع البعدين التنموي والاجتماعي في آخر الاعتبارات.

أما على مستوى مناخ الأعمال وتشجيع الاستثمار الذي يعتبر عنصرا محدِّدا في النمو، مازال المغرب يحتل فيه مراتب متدنية حسب الترتيب الدولي. إذ احتل الرتبة 75 في مؤشر التنافسية للمنتدى الاقتصادي العالمي وبتحسن طفيف عن السنة الماضية احتل الرتبة 60 في تصنيف بيئة الأعمال للبنك الدولي. ووفق هذه المؤسسات، تعتبر الرشوة العائق الأول في تحسين بيئة الأعمال بالمغرب متبوعة بضعف نجاعة الإدارة العمومية. كما أن بعض المؤسسات الدستورية المنوط بها مهمة توفير الظروف الملائمة للاستثمار تعاني من الجمود والبيروقراطية.

في السياق نفسه، وعلى الرغم من انفتاح الاقتصاد المغربي على العالم وتوقيع المغرب على عدد من اتفاقيات التبادل الحر مع بعض الدول والمجموعات الاقتصادية، مازال المغرب يعاني من ضعف كبير على مستوى تنافسية الاقتصاد الوطني، حيث استمر تدهور عجز الميزان التجاري (188,8 مليار درهم)، بسبب ضعف العرض التصديري وتركيز الصادرات تجاه المناطق الاقتصادية ذات النمو المنخفض وارتهان المغرب للسوق الأوربي. وهذا ما يشكل ضغطا على التوازنات المالية الخارجية للمغرب ويؤثر سلبا على أداء الاقتصاد الوطني.  

وجدد المغرب والاتحاد الأوروبي اتفاقية الصيد البحري في 20 يوليوز 2018 مما أتاح لسفن 11 بلدا أوروبيا استمرار الصيد في المنطقة البحرية المغربية، مقابل مساهمة اقتصادية أوروبية سنوية لا تتعدى 52 مليون يورو، وهو رقم ضعيف إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الأضرار البيئية واستنزاف الثروة السمكية للمغرب ما أدى إلى انقراض عدد من الأنواع التي تحضر الاتفاقية صيدها، ذلك أن ضعف المراقبة والمتابعة أتاح للأساطيل الأوربية خرق البنود التي تمنع ذلك. ويبدو أن هذه الاتفاقية تحكمها الخلفية السياسية على حساب مصلحة الاقتصاد أو البيئة أو التنمية المستدامة أو حسن تدبير الثروة الوطنية.

كما استمرت تفاعلات قرار تحرير سعر صرف الدرهم، وما رافقه من تخبط وارتجال وتضارب الأدوار بين السلطات الاقتصادية والمالية في البلاد، خاصة بعدما تم التأجيل ثم الإعلان بشكل مفاجئ عن العمل بالنظام الجديد. ويندرج هذا القرار في إطار نفس مسلسل رفع الدعم عن المواد الأساسية وتحرير قطاع المحروقات، وما نتج عنه من تحقيق الشركات الكبرى لأرباح خيالية على حساب القدرة الشرائية للمواطنين. كل هذا تم تنفيذا لتوصيات المؤسسات المالية الدولية التي أوصت المغرب بإعادة تموقع دور الدولة أساسا في الوظائف التقليدية والتراجع عن دورها في القطاعات الاجتماعية الحيوية كالصحة والتعليم.

من جهة أخرى، سجل المغرب مستويات قياسية على مستوى الدين العمومي الإجمالي إذ بلغ أكثر من 970 مليار درهم أي حوالي 93% من الناتج الداخلي الخام دون اعتبار الديون المستحقة للقطاع الخاص على الدولة ومؤسساتها. في حين عرف الدين العمومي الخارجي منعطفا خطيرا انعكس سلبا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والذي يكاد المغرب أن يفقد معه هامش المناورة. يحدث هذا، في الوقت الذي ارتفعت فيه الأسعار بشكل مضطرد وخاصة أسعار المواد الأساسية، وعرف فيه التضريب مستويات قياسية أضعفت معها القدرة الشرائية للمواطنين وأثقلت كاهل المقاولات وحَدّت من إمكانية توسيع استثماراتها ومن ضمان استمراريتها.

وفي هذا السياق، ارتفع عدد الشركات المفلسة إلى 8045 مقاولة ما بين 2013 و2017. وبهذا يحتل المغرب المرتبة الثالثة عالميا من حيث إفلاس الشركات. هذا الواقع يكذب الخطاب الرسمي الذي يروج لتحسن بيئة الأعمال بالمغرب ولتشجيع إحداث المقاولات، ويتكتم عن وتيرة إفلاسها.

2.  المقاطعة الاقتصادية: صرخة جديدة في وجه الريع

عرفت هذه المرحلة حركة مقاطعة منتوجات من طرف فئات واسعة من المغاربة، همت مجموعات اقتصادية كبرى تنشط في قطاعات المحروقات والصناعات الغذائية؛ وذلك احتجاجاً على ارتفاع أسعار هذه المنتوجات واتساع هوامش ربح تلك الشركات.

فبالنسبة لقطاع المحروقات، وبعد اللجوء إلى رفع الدعم كليا نهاية سنة 2015 التزاما بتوصيات المؤسسات المالية الدولية المانحة، لم تعمد الدولة إلى وضع آليات موازية لمراقبة الأسعار وهوامش الربح ارتباطا بالسوق الدولية. وأمام تجميد دور مجلس المنافسة، وجد المغاربة أنفسهم أمام ارتفاع غير مبرر للأسعار وهامش أرباح الشركات هددا بشكل مباشر القدرة الشرائية للمواطنين، وزاد من احتقان الشارع.

وأمام هذا الاحتجاج النوعي غير المسبوق، وعوض أن تلجأ السلطة إلى معالجة اقتصادية للظاهرة، عبر القبول بحل تجاري تلجأ إليه الشركات المعنية، عمدت إلى تسييس الموضوع وتفويت فرصة هذا الحل الذي يتناغم مع المنطق الذي يحكم سلوك الفاعلين الاقتصاديين في سوق حرة ومفتوحة. بل أكثر من هذا، لجأ بعض أعضاء الحكومة إلى تأجيج غضب الشارع عبر إطلاق تصريحات غير مسؤولة واصطف بعضهم إلى جانب بعض الشركات المقاطعة.

وتعرف مصفاة “سامير” الوحيدة أزمة كبيرة لم تكن لتحدث لولا لجوء السلطات سنة 1997 وبتوجيه من المانحين الدوليين إلى خوصصتها، ورهنها لمستثمر أجنبي يحكمه منطق الربح والخسارة مع مستقبل البلد وأمنه الطاقي. وفي سنة 2016، أعلن هذا الفاعل في قطاع المحروقات عن صعوبات مالية عجلت بإفلاسه. فتوقفت هذه المصفاة كليا عن الإنتاج وعهد إلى شركات خاصة استيراد وتوزيع مواد المحروقات. وبذلك تحكمت لوبيات كبرى في كل مراحل السوق بتواطؤ مكشوف من السلطة، بل بتحالف من يملكون الثروة والسلطة في الآن نفسه. فيما ضاعت حقوق عمال هذا القطاع الحيوي بين مطرقة الفساد وسندان الريع رغم النضالات النقابية التي خاضوها.