إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما. سورة الأحزاب الآية 56.

اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

بعث الرب سبحانه وتعالى فينا رسولا من أنفسُنا هو أنفَسُنا، وخصه بأكمل الصفات وأزكى المقامات، فلا خفاء على متطلع أن ذكره صلى الله عليه وسلم سبق خلق آدم فمر عليه هو والأنبياء من بعده. و أن مولده بدَّل الدنيا وغير التاريخ ولا يزال. فلا يقوم مجدد لهذه الأمة إلا إلى هديه يدعو وعلى سنده يعتمد ومن حبه ينهل ويستمد. أحاديث عظيمة جليلة تلك التي تخبرنا بما وقع عند ولادته صلى الله عليه وسلم: نور يخرج أضاءت له قصور الشام، إيوان كسرى يتصدع وينكسر، نار المجوس تنطفئ وتخمد… كل ذلك هو جلب للأبصار وتقويم للألباب وتوجيهها إلى المولود الكريم على الله، وتأكيد على أن سنته هي محجة لاحبة تصلك بنور الله، وجهاد دائم لإحقاق الحق وإبطال الباطل ولتكون كلمة الله هي العليا.

الحمد لله الذي جعلنا من أمة خير الورى إمام المرسلين وحبيب الله تعالى، من جعل الله محبتَه من محبتِه وطاعتَه من طاعتِه والتولِّي عنه كفرا وعدا عنه سبحانه: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين. آل عمران 31/32.

لا جدال ولا مراء في أن حبه صلى الله عليه وسلم هو العروة الوثقى، وثوق كتاب الله المحفوظ من لدن الله، الممتدة سندا قلبيا يتوارثها جيل عن جيل، من تمسك بها مجتمعة الشمل بالثقل الأول كتاب الله فقد تقرب وأفلح، ومن ترك أو تخلى عن أحدهما أو كليهما فقد ضل وخسر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به” فحث على كتاب الله ورغّب فيه ثم قال “وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي”. رواه مسلم عن زيد بن أرقم.

أمِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم متصلٌ به مَنْ خرج من الدنيا مثلوم الروح فارغ القلب من بذرة من حبه، خالي البال والعزيمة من خطوة اقتداء من آثار سيره صلى الله عليه وسلم؟

لنا فيه الأسوة الحسنة، تركنا على البيضاء الواضحة ليلها كنهارها. عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك”. حسنه الحافظ المنذري رحمه الله. بيضاء لاحبة هي سنته صلى الله عليه وسلم، ننظر فيما خلَّفناه فيها وعملنا به منها، خاصة وأمته، المؤتمنون نحن عليها، تتنسم هبة اليقظة والانتفاضة على من ظلمها سنين طويلة، وهذا الشباب المبارك والرجال والنساء والكل يصحو من سبات غفلته ليؤكد ويعلن أن ليس له عن انتمائه إلى الإسلام بديل، وأن ليس له عن باب ربه محيد. نقرأ في السيرة العطرة المشرفة، وننظر في صفحاتها المشرقة المربية كيف جاهد صلى الله عليه وسلم، كيف صبر على ظلم من ظلم بل كيف قام في وجه من ظلم واستكبر، وكيف ربى الرجال حتى كانوا كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم. ننظر كيف وصى وربى على الجهاد الأكبر جهاد النفس. كان، ولا يزال، هو النور القويم، الذي صلحت به النفوس وسمت إلى ربها بعدما عاشت في حضيض الدوابية أو الغفلة.

علَّمنا كما علمنا القرآن أن الشرك ظلم عظيم، وأن الله يفرح بتوبة عبده، وأن الله يحب التوابين، وأن بعد الموت حياة أبدية يجازى فيها الصادقون بصدقهم، وأن من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه… كل ذلك تربية منه وتعليم، رحمة منه ودعوة لنا لنكون مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. لنكون من الفائزين الفوز العظيم.

البيضاء الواضحة هي سنته المطهرة، تدعونا لنرتقي، في دعوتهم ورحمتهم، مدارج النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وفي جهادهم ليكون الدين كله لله، ولتبلغ العالمين رحمة الإسلام ونور الإيمان، وفي تقربهم قبل كل شيء وبعد كل شيء إلى رب كل شيء.