حبل التقرير السياسي الصادر عن المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الـ22، المنعقد قبل أسبوع، بمواقف سياسية واضحة وبتحليل معزز بأفكار عميقة ومعطيات مُحيّنة تغطي السنة الجارية (2018).

توزع التقرير على محاور عدة؛ خارجية ديبلوماسية، وسياسية داخلية، واقتصادية، واجتماعية، وحقوقية… نعيد طرحه بشكل موزع على حلقات/محاور تسهيلا لاطلاع القراء على مضامينه الغنية.

اليوم مع المحور السياسي:

أضافت بلادنا إلى رصيدها سنة عجفاء أخرى قضتها في دوامة الحلقة المفرغة بفعل سياسات النظام الحاكم. فلم يعد العنوان الوحيد الذي يطبع المشهد السياسي الرسمي، فقط، ما استقر سنين من سلطوية واستبداد يميز القبضة الملكية على مجمل مفاصل السياسة، بل أصبح يزاحمه سؤال فاعلية هذه المؤسسة التي وضعت في يدها كافة الصلاحيات الدستورية والسياسية وكل الممكنات المادية والمالية. وبإزاء هذا الفاعل المهيمن تصطف مؤسسات رسمية كان يفترض أن تنتصب لخدمة المواطن، لكن مسارها المرسوم جعلها هياكل موضوعة للطلب والخدمة، كما أن سلوكها وثقافتها وقواعد عملها وسَمها بالتثاقل والجمود.

1.  المؤسسة الملكية: الحكم لي والمسؤولية عليكم

لقد كررت جماعة العدل والإحسان مرارا القول في وثائقها السياسية المختلفة، إن المؤسسة الملكية في المغرب تحتكر جل السلطات وأهمها، والنص الدستوري الذي تم إقراره سنة 2011 كاشفٌ والممارسة السياسية ناطقةٌ. وبعد أن بيّنا في العديد من تِلْكم الوثائق، من بينها الوثائق الصادرة بمناسبة دستور 2011 والانتخابات التشريعية 2011 و2016 والجماعية 2015، جوهرَ الطبيعة الاستبدادية لنظام الحكم؛ والمتمثلة في استفراد حاكم فرد غير منتخب بالسلطة، إلى جانب حاشيته ومستشاريه، دون إمكانية أية مساءلة أو محاسبة، مقابل منتخبين يوضعون في الواجهة دون قدرة حقيقية على ممارسة السلطة. يكفينا هنا استدعاء عاجل لملمحين تابعين يؤكدان هذا الوضع الذي استمر خلال هذه السنة:

الملمح الأول يتجسد في تضخم ثروة الملك وعائلته، وهو ما يعكسه، من جهة، حجم الأرباح الضخمة التي تحققها شركاتهم المهيمنة على الكثير من القطاعات الاستراتيجية، والتي تجد تفسيرها في حجم الريع والامتيازات التي يتمتعون بها. ومن جهة ثانية حجم الميزانية المرصودة لهم والمقررة رسميا في ميزانية الدولة والتي لا تخضع لأي نقاش لا في قيمتها ولا في تدبيرها. ولعل الرتبة المتقدمة التي يتبوؤها رئيس الدولة، وتتعزز كل عام، بين أغنى ملوك ورؤساء الدول بحسب مجلة “فوربيس” المتخصصة، تكشف حجم الاختلال وعمق التسلط في بلد يعيش الملايين من مواطنيه تحت عتبة الفقر ويرزح في أواخر سلم التنمية البشرية بحسب كافة التقارير الدولية وحتى المحلية. كما أن الصمت المفروض اتجاه هذه الكلفة العالية والثروة المتزايدة على حساب مقدرات البلد ومواطنيه، يؤكد طبيعة النظام ونوعية العلاقة التي تربطه ب”مؤسسات الرقابة”.

الملمح الثاني يتمثل في نزوع خطابات الملك اتجاه باقي الفاعلين نحو تصدير المسؤولية إليهم، فرغم أنه رئيس السلطة التنفيذية وصاحب القول التشريعي النهائي ورأس العديد من أذرع الدولة ومؤسساتها وهياكلها، لا يتردد في التنصل من مسؤوليته تجاه الاختلالات المتعددة ويحملها لتلك المؤسسات التي تتبع له، حتى أصبح من سمات الخطب الملكية إدانة تهاون الأحزاب وتباطؤ البرلمان وتراخي الحكومة وفساد الإدارة… هذا الخطاب -الذي يبدو وكأنه صادر عن المعارضة- يعكس قواعد اللعبة السياسية المنغلقة: الحكم لي والمسؤولية عليكم. وهو ما يطرح سؤال المسؤولية بإزاء احتكار السلطة والثروة، خاصة مع الأسفار المتكررة للملك وغيابه لمدد طويلة عن الساحة الوطنية وتفاعلاتها. ولعل من أبرز الملفات التي ظهر فيها تنصل النظام من المسؤولية وضعف تفاعله في الفترة التي يغطيها هذا التقرير؛ قضية المحاكمات والأحكام القاسية في حق معتقلي حراك الحسيمة وجرادة، وملف مقاطعة عدد من المواد الاستهلاكية إثر الارتفاع الفاحش لكلفة العيش.

لسنا ندعو إلى أن تتدخل سلطة واحدة مهما كانت في كل شيء وتفصل القول في كل شيء، لكن نتساءل -مسايرة للقواعد والمبادئ الدستورية والسياسية المفروضة- عن حجم الفاعلية في مقابل الإمكانيات والاختصاصات المحتكرة.

2.  المؤسسات الرسمية: هياكل تحت الطلب

هذا المشهد الذي يتحكم فيه فاعل مركزي رئيس يحتكر السلطة ويصدّر المسؤولية، تُستكمل صورته بفاعلين ثانويين يُمنحون هامشا من السلطة ويوضعون بقوة القانون والواقع في موقع اللاحق والتابع والخادم. هي هياكل تحت الطلب، تتسابق لخدمة السيّد، ولا تستنكف عن تبرير سلطويته وتعزيزها وتثبيتها، وهو ما اتضح بشكل لا لبس فيه بعد إقرار دستور 2011؛ عبر الانحياز الواضح نحو تنزيلٍ وتأويلٍ وتفسيرٍ يرسخ الاستبداد وينتصر للملكية التنفيذية ويبتعد عن فصل السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما كرسته وما تزال القوانين والقواعد والممارسة.

فالحكومة عاجزة عن ممارسة سلطتها التنفيذية خارج منطق التعليمات والخطط التي تؤشر عليها الجهات العليا، حيث أن البرنامج الحكومي تنتهي صلاحيته بمجرد عرضه على البرلمان، لتصبح الأجندة الحكومية تابعة للبرامج والخطب والتعليمات الملكية. وهذا ما عبر عنه رئيس الحكومة حين صرح عقب الخطاب الملكي لعيد العرش لسنة 2018 قائلا “مباشرة بعد الخطاب الملكي عُقد اجتماع حكومي بالقطاعات المعنية بهدف وضع برنامج تنفيذي”. كما عرفت هذه السنة إعفاء الملك لوزيرين جديدين بعد أن أعفى السنة الماضية أربعة وزراء آخرين دون محاسبة أو متابعة، وأحيانا دون حتى إطلاع الرأي العام على أسباب وخلفيات هذا الإعفاء كما حدث مع وزير الاقتصاد والمالية، حيث اكتفى بلاغ للديوان الملكي بالإشارة إلى أن هذا القرار الملكي يأتي في إطار تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، في حين لم يجد الناطق الرسمي للحكومة ما يفسر به هذا القرار غير قوله “ليس لدي ما أضيفه”، وهي عبارة تقول كل شيء عن موقع الحكومة وحدود اختصاصاتها. ويتأكد هذا العجز الحكومي مع التخبط والارتجال الذي دبرت به الحكومة قرار اعتماد التوقيت الصيفي طيلة السنة وما رافقه من تدابير ارتجالية ومرتبكة وتصريحات متناقضة على مستوى الوزارات في محاولة لأجرأة سريعة لقرار لم تساهم في صياغته فأحرى الإعداد الكافي والناجع لتطبيقه.  

هذه الحكومة التي شاهد الجميع كيف تعيش أحزابها ووزراؤها على إيقاع عدم الانسجام والمناكفات والملاسنات وانتخاب جل مكونات أغلبيتها لمرشح المعارضة إبان انتخاب رئيس مجلس المستشارين! في مشاهد جد معبرة عن طبيعتها وطبيعة الإطار الدستوري والقانوني والسياسي الضاغط والمتحكم الذي تشتغل في ظله.

قبة البرلمان أيضا لازالت أسيرة نمط تقليدي في التدبير والإنجاز، فعلى المستوى الرقابي ليس غريبا أن تجد أن لجنة تقصي حقائق قضية ما، لا تمضي إلى مداها ولا يترتب عن عملها أثر ولا نتيجة، وما تكشّف على لسان رئيس اللجنة الاستطلاعية حول أسعار المحروقات في ماي 2018، والسجال الذي أعقبه بين نواب أحزاب الأغلبية والمعارضة في البرلمان، بقدر ما كشف جشع شركات المحروقات واحتكار هذه المادة وحجم الأرباح التي حققتها السنة المنصرمة واستفادة الشركات الكبرى على حساب المواطن -الذي قيل إن تحرير المحروقات ونظام المقايسة جاء لمصلحته- أظهر المصلحية والتباطؤ الذي يحكم هذه المؤسسة وأعضاءها. كما أن اجتهاد الكثير من البرلمانيين للحفاظ على مكسب التقاعد (تقاعد البرلمانيين) وتسابق فرق الأغلبية كما جل فرق المعارضة إلى تحصين هذا المكسب الشخصي على حساب ميزانية الدولة والمواطن، لتأكيد إضافي على طبيعة أدوار هذه المؤسسة في سياق مطبوع ب”تأمين المصالح” مقابل “تقديم الولاء”.

وعلى المستوى التشريعي يظل البرلمان مجرد غرفة لرجع الصدى، ذلك أن بلادنا تعيش سلطة تشريعية برأسين متفاوتين في الدرجة؛ فالعديد من مشاريع القوانين تمر عبر المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك، كما هو حال مشروع قانون الخدمة العسكرية ومشروع قانون -إطار يتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي اللذين صادق عليهما المجلس الوزاري بتاريخ 20 غشت 2018، مما يجعل مرورها خلال المسطرة التشريعية أمام البرلمان مرورا شكليا ليس إلا.

أما على مستوى السلطة القضائية، فبعد السابع من أكتوبر 2017 تم ترسيم إبعاد النيابة العامة عن المساءلة أمام البرلمان بدعوى الاستقلالية وهو ما أكدته المحكمة الدستورية في قرارها عدد 110 بعلة أن رئيس النيابة العامة أصبح مسؤولا أمام الملك باعتباره السلطة التي عينته، مما سجل على هذا التوجه عدة ملاحظات سلبية، تتمثل في السقوط فيما كان يتخوف منه كثيرون. إذ بدلا من خضوعها لسلطة وزير حزبي أصبحت تخضع لسلطة مخزنية تغولت بها على الكل، وهو ما يجعلها سلطة موازية لسلطة القضاء ولكنها في خدمة المخزن. وهذا ما تكشفه التخوفات التي عبر عنها الكثيرون بعد إقرار استقلالية النيابة ممن دافعوا عن هذا الطرح قبل ذلك، وتؤكده كذلك الممارسات المتزايدة لهذه السلطة التي صارت تشتغل بدون حسيب ولا رقيب طالما أنها تخدم أجندة المخزن، والوقائع بشأن هذا كثيرة مثل الخرجات الإعلامية للنيابة العامة في الكثير من الملفات التي تخرق قرينة البراءة وتتحرك بمنطق الفاعل السياسي.

وما تعيشه المؤسسات الدستورية على المستوى المركزي من سحب للاختصاصات وبطء في الأداء يمتد ليشمل أيضا مجالس الجهات، ذلك أن مشروع الجهوية المتقدمة الذي تم تسويقه كنقلة من أجل التخفيف من التمركز والمركزية ظل مجرد خطاب للترويج الإعلامي، حيث أن مجالس الجهات ورؤساءها لا يمارسون اختصاصاتهم ولا يتمتعون بصلاحياتهم في ظل التحكم الكبير الذي تمارسه وزارة الداخلية في مختلف المجالات القطاعية والجغرافية.

الأمر نفسه يطبع عددا من مؤسسات الحكامة وباقي المؤسسات الدستورية الرسمية، فالمجلس الأعلى للحسابات يصدر بين الفينة والأخرى تقارير تدقق حسابات وتدبير مالية مؤسسات الدولة، ويدين بشكل صريح بعض الاختلال لكن دون أن يترتب عن ذلك أي متابعة أو محاسبة. فمثلا في تقرير المجلس الصادر في ماي 2018 كشف الوضعية المزرية التي تعيشها عدد من مؤسسات الرعاية الاجتماعية التي تعنى بالأشخاص في وضعية صعبة. وفي تقريره السنوي في يوليوز 2018 سجل بعد مراقبة سبع مؤسسات استشفائية نفس اختلالات السنة التي قبلها!! ثم ماذا بعد؟ لا شيء يوقف النزيف ويصلح العطب، وكأن المراد هو التشخيص والتوصيف. ثم لماذا لم تصل يد هذا المجلس الانتقائية لافتحاص حكامة المؤسسات الكبرى مثل المكتب الشريف للفوسفاط، وصندوق الإيداع والتدبير!!!!  

ومجلس المنافسة الذي يفترض أن يحمي المستهلك ويضمن شفافية منافسة الشركات لايزال جامدا منذ انتهاء انتداب أعضائه سنة 2013، ولعل تنديد المواطنين هذه السنة، في سياق المقاطعة الاقتصادية، باحتكار شركات بعينها لمنتوجات أساسية قد وضع هذا المجلس تحت دائرة الضوء الكاشف وفضح وضعه، ما جعل كثيرا من المتتبعين والمهتمين يشيرون إلى وقوف اللوبيات الاقتصادية وراء ذلك في تحالف مكشوف بين السلطة والمال. وهو ما يعزز التحليل الذي نذهب إليه، ويؤكد وضع العطالة والتقليد والجمود مع التبعية وتقديم الخدمة التي تعيشها الكثير من مؤسسات الحكامة ومنها المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومجلس الجالية المغربية بالخارج وغيرهما.