وأما وفور عقله، وذكاء لبه، وقوة حواسه، وفصاحة لسانه واعتدال حركاته، وحسن شمائله فلا مرية أنه كان أعقل الناس، وأذكاهم، ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق، وظواهرهم، وسياسة العامة، والخاصة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلا عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب منه، لم يمتر في رجحان عقله، وثقوب فهمه لأول بديهة، وهذا ما لا يحتاج إلى تقريره لتحققه، وقد قال وهب بن منبه: قرأت في أحد وسبعين كتابا، فوجدت في جميعها أن النبي صلى الله عليه وسلم أرجح الناس عقلا، وأفضلهم رأيا، وفي رواية أخرى: فوجدت في جميعها أن الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله صلى الله عليه وسلم إلا كحبة رمل من بين رمال الدنيا.

(…)

وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول، فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل أمة منها بلسانها، ويحاورها بلغتها، ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه، وتفسير قوله، ومن تأمل حديثه، وسيره علم ذلك، وتحققه، وليس كلامه مع قريش، والأنصار، وأهل الحجاز، ونجد ككلامه مع ذي المشعار الهمداني، وطهفة النهدي، وقطن بن حارثة العليمي، والأشعث بن قيس، ووائل بن حجر الكندي، وغيرهم من أقيال حضرموت، وملوك اليمن وانظر كتابه إلى همدان: إن لكم فراعها، ووهاطها، وعزازها، تأكلون علافها، وترعون عفاءها، لنا من دفئهم، وصرامهم ما سلموا بالميثاق، والأمانة، ولهم من الصدقة الثلب، والناب، والفصيل، والفارض، والداجن، والكبش الحواري، وعليهم فيها الصالغ، والقارح.

وقوله لنهد: اللهم بارك لهم في محضها، ومخضها، ومذقها، وابعث راعيها في الدثر، وافجر له الثمد، وبارك لهم في المال، والولد، من أقام الصلاة كان مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا، لكم يا بني نهد ودائع الشرك، ووضائع الملك، لا تلطط في الزكاة، ولا تلحد في الحياة، ولا تتثاقل عن الصلاة.

وكتب لهم في الوظيفة الفريضة: ولكم الفارض، والفريش، وذو العنان الركوب، والفلو الضبيس، لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم، ولا يحبس دركم ما لم تضمروا الرماق، وتأكلوا الرباق، من أقر فله الوفاء بالعهد، والذمة، ومن أبى فعليه الربوة.

ومن كتابه لوائل بن حجر. إلى الأقيال العباهلة، والأوراع المشابيب. وفيه: في التيعة شاة، لا مقورة الألياط، ولا ضناك، وأنطوا الثيجة، وفي السيوب الخمس، ومن زنى مم بكر فاصقعوه مائة، واستوفضوه عاما، ومن زنى مم ثيب، وضرجوه بالأضاميم، ولا توصيم في الدين، ولا عمة في فرائض الله، وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفل على الأقيال.

أين هذا من كتابه لأنس في الصدقة المشهور. لما كان كلام هؤلاء على هذا الحد، وبلاغتهم على هذا النمط، وأكثر استعمالهم هذه الألفاظ؟ استعملها معهم، ليبين للناس ما نزل إليهم، وليحدث الناس بما يعملون، وكقوله في حديث عطية السعدي: فإن اليد العليا هي المنطية، واليد السفلى هي المنطاة. قال: فكلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغتنا.

وقوله في حديث العامري حين سأله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “هل عنك” أي سل عما شئت، وهي لغة بني عامر. وأما كلامه المعتاد، وفصاحته المعلومة، وجوامع كلمه، وحكمه المأثورة فقد ألف الناس فيها الدواوين، وجمعت في ألفاظها، ومعانيها الكتب، ومنها ما لا يوازى فصاحة، ولا يبارى بلاغة، كقوله: المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.

(…) وقوله في بعض دعائه: اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمري، وتلم بها شعثي، وتصلح بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها علمي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمني بها من كل سوء. اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء. إلى ما روته الكافة عن الكافة من مقاماته، ومحاضراته، وخطبه، وأدعيته، ومخاطباته، وعهوده، مما لا خلاف أنه نزل من ذلك مرتبة لا يقاس بها غيره، وحاز فيها سبقا لا يقدر قدره، وقد جمعت من كلماته التي لم يسبق إليها، ولا قدر أحد أن يفرغ في قالبه عليها، كقوله: حمي الوطيس. ومات حتف أنفه ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. والسعيد من وعظ بغيره.. في أخواتها مما يدرك الناظر العجب في مضمنها، ويذهب به الفكر في أداني حكمها، وقد قال له أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك. فقال: وما يمنعني؟ وإنما أنزل القرآن بلساني، لسان عربي مبين وقال مرة أخرى: بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد. فجمع له بذلك صلى الله عليه وسلم قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي الذي لا يحيط بعلمه بَشَرِيٌّ وقالت أم معبد في وصفها له: حلو المنطق، فصل لا نزر، ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظمن. وكان جهير الصوت، حسن النغمة صلى الله عليه وسلم.

من كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” للقاضي عياض رحمه الله، الباب الأول من الجزء الأول، الصفحات من 55 إلى 62 بتصرف.