1- تقديم

لم تعرف البشرية من قبل ولا من بعد، رجلا على ظهر البسيطة، أعظم من محمد صلى الله عليه وسلم، في طهر روحه، وكمال خلقه، وسعة صدره، وحكمة تصرفه، وقيادة قومه. فقد أعاد صياغة مجتمع عربي غارق في حمأة الجاهلية والانحطاط في كل مستوياته، صياغة مثالية صقل جميع جوانبها، فجعل منه خلقا آخر، قاد الأمة إلى رشدها شرعة ومنهاجا، وحرر رقابها من رق العبودية، وصلف المستكبرين، وأطلق عنان عقلها من عقال التفكير البسيط المتخلف، المقيد بفكر القوم السادة، وأساطير الأولين، إلى رحاب الوحي، حيث الدعوة إلى التفكر من حيث هو فلينظر الإنسان مم خلق 1، وقوته فلينظر الإنسان إلى طعامه 2، وما حوله من دواب عاديات مغيرات، وأرض وما عليها من جبال راسيات، ونخل باسقات، وما ظللها من سماء ونجوم مشرقات، أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت 3، وكانت الهبة التربوية، والهزة النفسية، التي حركت مشاعره وقلبه، مدعاة له، ليعلن تمرده على معتقداته وأربابها أنى كانوا، وليلجأ إلى خالقه الواحد، فيحط رحاله هناك، يسمع الوحي، ويصحب الداعي مجيبا مخلصا. فكيف أشرقت نور النبوة، على ظلمات الحياة؟ حتى استوت الرسالة على سوقها، بكمال الدين، وإتمام النعمة.

2- دعوة إبراهيم وبشارة موسى وعيسى عليهم السلام

ذرية بعضها من بعض 4، تلكم هي شجرة المصطفين من الأنبياء والرسل عليهم السلام، شجرة أصلها ثابت، وفرعها في السماء، في كنف وحدانية الله سبحانه وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون 5، تؤتي أكلها كل حين بعثة رسول، بما ينزل الله من شرعة، وما يعلمه لقومه من منهاج، وكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، واسطة عقد النبوة، وشامة كوكبة الرسالة الإلهية، وصدق الإمام البصيري رحمه الله مادحا، في همزيته 6:

كَـيْــفَ تَــرْقَــى رُقِــيَّــكَ الأَنْـبِـيَــاءُ *** يَـاسَـمَـاءً مَـــا طَاوَلَـتْهَـا ســمَــاءُ

لَـمْ يُسَـاوُوكَ فِـي عُــلاَكَ وَقَـدْحَـا *** لَسَـنـىً مِـنْـكَ دُونَـهُـمْ وَسَـنَـــــاءُ

مَا مَـضَـتْ فَـتْـرَةٌ مَــنَ الـرُّسْــل إَلاَّ *** بَـشَّــرَتْ قَـوْمَـهَـا بِــــكَ الأَنْـبِـيَــاءُ

تَتَـبَـاهَـى بِـــكَ الْعُصُـورُ وَتَـسْـمُـو *** بِـكَ عَـلْــيَــاءُ بَـعْـــــدَهَــا عَـلْــيَــاءُفهذا خليل الله إبراهيم، يبتهل راجيا ربه أن يعجل بالبعثة المشكاة قائلا: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم 7، وهذا كليم الله موسى عليه السلام، يلقن قومه رسالة التوراة، ومن نصوصها المقدسة، ما راوه عَطَاء بْن يَسَارٍ رضي الله عنه قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رضي الله عنهما-، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: أَجَلْ؛ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظٍ وَلاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ؛ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ؛ بِأَنْ يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا 8. وهذا سيدنا عيسى عليه السلام، يأخذ عهدا على قومه، أن يسرعوا إن أدركهم زمان محمد صلى الله عليه وسلم، إلى الإيمان به واتباعه وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ 9، وفي حديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: “مَكْتُوبٌ في الإِنْجِيلِ: لا فَظٌّ ولا غَلِيظٌ ولاَ سَخَّابٌ بِالأَسْوَاقِ، ولا يَجْزِي بالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا؛ بَلْ يَعْفُو ويَصْفَحُ”. ويتباهى صلى الله عليه وسلم، بهذه الالتفاتة الكرية المشرفة من جده الخليل، وأخيه عيسى عليهم السلام، حيث سُئِلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “ما كان بُدُوُّ أمرِكَ؟ قال: دَعوَةُ أبي إبراهيمَ وبُشرَى عيسَى ورأَتْ أُمِّي كأنَّه خرَج منها نُورٌ أضاءَتْ له قُصورُ الشَّامِ” 10، صلى الله عليك وسلم وبارك يا سيدي يا رسول الله.

3- كمال بناء صرح الرسالات السماوية

كمال الشريعة الإلهية إذن، كان رهينا ببعثة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، فكان قريبو العهد ببعثته من إخوانه الأنياء عليم السلام، يتضرعون لربهم، ويبشرون قومهم، ببزوغ نور محمد صلى الله عليه وسلم، واقتضت الحكمة الإلهية، أن يستوي سوق الشرائع كلها، ويكتمل بناء صرحها، بلبنة شريعة الإسلام، دين الكمال، ومن ثم فالإيمان به من أهل الكتاب، اتباع لشريعتهم، وإنفاذ وطاعة لأمر الله لهم ولأنبيائهم، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ 11، وهذه شهادة إثبات لكماله، وفضلة شريفة، فهو صلى الله عليه وسلم، سليل دوحة المصطفين من الرسل والأنبياء وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ 12، لبنة بدونها يبقى البناء معيبا، لا يبهج نظرة، ولا يستقيم نضرة، فاصطفاه الله صلى الله عليه وسلم، فكان أهلا لها: “مثلي ومثل الأَنْبِيَاء كمثل قصر أُحسن بنيانه، وتُرك منه موضع لبنة، فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنائه، إلا موضع تلك اللبنة، لا يعيبون سواها، فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة، ختم بي البنيان وختم بي الرسل” 13، فبشرى للأمة ببنيان شريعة يبهج الناظرين، ويقيم وأد الحيارى المعوزين، ويصلح شؤون الأولين والآخرين، فضلا من الله ونعمة، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا 14.

4- الإنسانية تستغيث بين يدي البعثة المحمدية

كانت الإنسانية، وفي مقدمتها العرب، قبل البعثة النبوية على حافة الهاوية، انتكست فيها المبادئ والأخلاق، وسادت العصبية القبلية والدموية، وخفت نور الرسالات السماوية، وحرفت كتبها، (أصبحت النصرانية مزيجاً من الخرافات اليونانية والوثنية الرومية والأفلاطونية المصرية والرهبانية، اضمحلت في جنبها تعاليم المسيح البسيطة كما تتلاشى القطرة من اليم، وعادت نسيجاً خشبياً من معتقدات وتقاليد) 15، ولم تكن اليهودية أحسن منها لا حالا ولا مآلا، (وكَانَتِ الأُمَمُ -إِذْ ذَاكَ- ما بَيْنَ مُشْرِكٍ بِالرَّحْمَن؛ عَابِدٍ لِلأَوْثَان، وعَابِدٍ للنِّيرَاِن، وعَابِدٍ للصُّلْبَانِ أوْ عَابِدٍ للشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، كَافِرٍ باللهِ الحَيِّ القَيُّوم، أوْ تَائِهٍ في بَيْدَاءِ ضَلاَلَتِهِ حَيْرَان، قَدِ اِسْتَهْوَاهُ الشَّيْطَان، وَسَدَّ عَلَيْهِ طَرِيقَ الهُدَى والإِيمَان) 16، وانتشرت الفواحش ما ظهر منها وما بطن، تقام لها الأعلام، ويسال من أجلها مداد أزهى عصور الشعر منافسة وفخرا، وتوأد البنات في مهودها، وتعتمد الربا في كل المعاملات التجارية، وقَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا 17. (وكانت المرأة في المجتمع الجاهلي عرضة غبن وحيف، وتؤكل حقوقها وتُبْتز أموالها وتُحرم إرثها وتعضل بعد الطلاق أو وفاة الزوج من أن تنكح زوجاً ترضاه، وتورث كما يورث المتاع أو الدابة) 18. ولم يكن الزنى نادراً، وكان غير مستنكر استنكاراً شديداً، فكان من العادات أن يتخذ الرجل خليلات ويتخذ النساء أخلاء بدون عقد، وكانوا قد يُكرهون بعض النساء على الزنى، قال ابن عباس: (كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنى يأخذون أجورهن) 19، ولم يكن على ظهر الأرض يومها، من الأمم الأخرى، ما حسنت حاله، ساد الإنسانية قانون الغاب، حيث الفصل لقوة السلاح، ومن ثم كانت الإنسانية أحوج ما تكون إلى منقذ ينتشلها من وحل الفساد إلى رحاب العدل، ومن ظلمات الجهل إلى نور الإيمان والعلم، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وهل لهذه المهمة الجليلة دونك -بأبي أنت وأمي- يا رسول الله؟


[1] الطارق، 5.
[2] عبس، 24.
[3] الغاشية، من 18 إلى 20.
[4] آل عمران، 35.
[5] الأنبياء، 25.
[6] قطف من قصيدة الهمزية في مدح خير البرية للإمام البصيري رحمه الله.
[7] البقرة، 129.
[8] رواه البخاري في صحيحه (2125).
[9] سورة الصف.
[10] الراوي: أبو أمامة الباهلي المحدث: ابن القيسراني، المصدر: ذخيرة الحفاظ.
[11] الأعراف، 157.
[12] الأحزاب، 40.
[13] أخرجاه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه.
[14] المائدة، 3.
[15] ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، لأبي الحسن الندوي، ص 28، ط 8 – 1984، بيروت لبنان.
[16] الصواعق المرسلق، لابن القيم الجوزية (1/ 148 – 149).
[17] البقرة، 275.
[18] السابق- ماذا خسر العالم … ص 58.
[19] نفسه، ص 59.