ألقى الأستاذ محمد عبادي الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، كلمة جامعة في ختام المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، المنعقد يومي السبت والأحد 24 و25 صفر الخير 1440 الموافق لـ03 و04 نونبر 2018 تحت شعار “اليقين والعمل الدؤوب أساس نهضة الشعوب”، تحدث فيها عن جملة من المواصفات التي ينبغي أن يتحلى بها عضو الجماعة.

هذا نصه:

بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الحمد لله الحمد الحمد لله؛ على ما أعطى وأنعم وتكرم.

كلما حضرت لقاء من اللقاءات التي تنظمها الجماعة إلا وازداد يقيني في وعد الله سبحانه وتعالى عز وجل، إلا وازددت استبشارا وتفاؤلا بما سيؤول إليه أمر هذا المشروع العظيم الذي يستهدف إحياء الأمة وإحياء البشرية جمعاء، والعودة بها إلى حظيرة ربها.

أريد أن أشير إلى بعض المواصفات التي ينبغي أن يتحلى بها من أكرمه الله سبحانه وتعالى عز وجل بالانضمام إلى هذا المشروع الرباني الإحساني، حتى نضمن له الاستمرارية والنجاح والفلاح دنيا وأخرى.

بعض ما ينبغي أن نتحلى به جميعا أيها الأحباب:

1- الإخلاص في العمل: كل عمل أريد به غير وجه الله سبحانه وتعالى فهو مردود على صاحبه، فمآله إلى الفشل، فلنحذر من حب الظهور والتشوف على الأقران وحب المحمدة من طرف الناس وحب الرئاسة، ولنحرص على أن يكون عملنا خالصا لوجه الله سبحانه وتعالى عز وجل.

2- ونحن نتحرك في الساحة ينبغي أن نستعين بالله سبحانه وتعالى عز وجل وأن نتجرد من حولنا وقوتنا وفهمنا تخطيطنا وقدراتنا، نستفرغ الوسع و الجهد ونتجرد من الحول والقوة، “إياك نعبد” لا يمكن أن نحققها إلا بـ”إياك نستعين”، “إياك نعبد” في مجال العبادات والمعاملات وإقامة شرع الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تتحقق إلا بـ”إياك نستعين”، إذا فقد الإنسان العون من الله سبحانه وتعالى أوكله الله إلى نفسه فيكون مآله الخذلان، ونعوذ بالله من الخذلان.

3- الله تعالى عز وجل يجري على أيدينا خيرا كثيرا؛ مشاريع تنجز وأهداف تتحقق، فلا ينبغي أن ننسب ما يسوقه الله عز وجل من الخير إلينا إلى أنفسنا، إلى الجماعة، بل ينبغي أن نرد الفضل إلى صاحبه فنقول هذا صنع الله وفضله وعطاؤه، الخير كله بيد الله، والشر ننسبه إلى أنفسنا، وهذا ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم “الخير كله بيدك والشر ليس إليك”. أحيانا يقذف الشيطان إلينا الغرور والعجب بالنفس، نستحضر غزوة حنين إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، ونستحضر قول الله تعالى وما النصر إلا من عند الله، أين جهد الإنسان؟ أين طاقة الإنسان؟ ليست شيئا لأنها من عطاء الله تعالى كذلك.

4- ينبغي أن نحرص على المتابعة الدقيقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كل مجالات الحياة، الانحراف عن السنة مهلكة وتجلب النقم والعذاب؛ مصداقا لقوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصبهم عذاب أليم، وما تعيشه الأمة من محن وفتن هو بسبب الانحراف عن نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رحم الله الإمام البوصيري الذي يمدح الحبيب المصطفى، يقول:

ومن يعتصم بك يا خير الورى شرفا.. فالله حافظه من كل منتقم

ومن تكن برسل الله أسوته.. إن تلقه الأسد في آكامها تجم

ينبغي الحفاظ على المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الظاهرية والباطنية، في أقواله وأفعاله ومعاملاته هي سبب نجاح هذا المشروع إن شاء الله تعالى عز وجل. والحبيب المرشد عندما كان يكتشف سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخذ ذلك اليوم عيدا، ويفرح فرحا عظيما لأنه تعرّف على سنة لم يكن يعرفها، وما تعرّف بها إلا ليطبقها لا لتبقى في المجال النظري.

5- ونحن ندخل في إنجاز الأعمال يجب أن نتحاشى أن نعيش الغفلة فيها، ذكرنا سيدي محمد الحمداوي بقولة سيدي عبد السلام “القلب مع الله واليد في الطين”، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، في معمعان التجارة ومعمعان السياسة وموجاتها والقلب حاضر مع الله سبحانه وتعالى عز وجل، إذن ينبغي أن ندخل في جميع الأعمال وقلبنا حاضر مع الله سبحانه وتعالى عز وجل، يلهج بذكر الله، اليد تشتغل والقلب يعيش المراقبة مع الله سبحانه وتعالى عز وجل، فنحن نحمل شعار الإحسان و“الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، فإن لم نستطع أن نصل إلى مقام المشاهدة فلا أقل من أن نعيش مقام المراقبة. المشاهدة أن ترى الله في كل شيء تراه، سبحانه ما أجله، ليس هناك في الوجود إلا فعله وصفاته.

6- مما يقتضيه نجاح المشروع: الصبر على الأذى والثبات على الأمر. كما قال ابن تيمية رحمه الله “بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدنيا والدين”؛ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، فلا بد من أن نتواصى كما قال الله سبحانه عز وجل: وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، و“تواصوا بالصبر وتواصوا بالحق، الصبر الثبات وحبس النفس على الطاعات وعن المعصية وعلى تحمل الأذى والابتلاءات، وإلا قد يمتحن الإنسان، وما أكثر من كان يدعي دعاوى من الدعاة وعند الامتحان هزم، أوذوا أو أدخلوا السجن أو غير ذلك، فانقلبوا رأسا على عقب، نسأل الله تعالى أن يثبتنا سبحانه وتعالى عز وجل.

7- الحرص على وحدة الصف ووحدة الصحبة والجماعة وتماسك الصحبة والجماعة ووحدة الصحبة في الجماعة، الحرص على الصفاء والمحبة والأخوة، على أن نكون على قلب رجل واحد، لأن النزاع كيفما كان نوعه يساوي الفشل ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم… النزاع على المستوى القلبي، قد لا يعبر الإنسان عن هذا الخلاف وهذا التشاحن والشجار ولكن يعيشه داخليا، فلنحرص على الصفاء؛ “أفشوا السلام بينكم”، والسلام هو الأمن فعندما يسلم بعضنا على بعض باللسان يعرف ما في القلب، أما إذا كان القلب فيه حقد وكراهية وانتقاص وعدم الاحترام للآخر وسلمت عليه فقد كذبت عليه، ولم تفش السلام له، وإفشاء السلام من الصفات التي تؤهل المرء إلى أن يدخل الجنة بسلام. وما أحوجنا إلى أن نصفي كل قلوبنا كل ليلة، قبل أن ينام الإنسان يدعو الله سبحانه وتعالى أن يسمح ويتجاوز عن كل من آذاه أو ظلمه؛ “إن استطعت أن تبيت وليس في قلبك غش لأحد فافعل فإن ذلك من سنتي”، حتى إذا جاءتك المنية مات الإنسان سليم القلب يكون قد أتى الله تعالى بقلب سليم، فليحذر الإنسان أن ينتقل إلى جوار ربه وفي قلبه نقطة سوداء لأحد إخوانه أو لكل الناس.

إذن إفشاء السلام من الصفات التي تجعل المشروع يستمر ليشع إن شاء الله تعالى عز وجل على البشرية بما يحتويه من معاني التآزر والتعاون والتناصح في الله عز وجل.

الجماعة يجب أن تتميز بالإحسان، والإحسان هو الذلة والمسكنة والاحتقار والتواضع وفعل الخير والتحمل وفعل الخير.. وهذا ينبغي أن يتجلى في السلوك والمعاملات والأخلاق. رحم الله الإمام النووي حينما تحدث عما ينبغي أن يميز أهل القرآن عن غيرهم، في كتيبه “التبيان في آداب حملة القرآن” فقال: “ينبغي لأهل القرآن أن يتميزوا عن غيرهم بقيام الله”.. إذن أهل العدل والإحسان ينبغي أن يتميزوا بمعاني الإحسان المتجلية، إنا نراك من المحسنين.

إذن الصحبة هي الطريق، الصدق شرط أساس والصحبة والذكر هو سلاحنا وحصننا وصمام الأمان لمشروعنا ليسير قدما حتى يتحقق بإذن الله عز وجل.

لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.. الاستغراق في الذكر، قلنا: إذا أردنا أن ندخل في جميع ما نقوم به، لا فرق بين العمل السياسي والتعبدي، قد نمارس العبادة ولكن قلوبنا غافلة عن ذكر الله سبحانه وتعالى، لأن الذكر استحضار عظمة المذكور، فإذا لم يتعود الإنسان الحضور في حياته العادية ودخل في إنجاز عمل سياسي أو اجتماعي.. ستنتابه الغفلة حتما، كي يأمن الإنسان على نفسه من الغفلة يجب أن ينتقل من الغفلة إلى الذكر، والذكر لابد من المداومة عليه ومن تربية النفس عليه.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعمق صحبتنا بالحبيب المرشد، وأن يقر عينه بنا، وأن يقر عين رسول الله صلى الله عليه وسلم به، وجزاكم الله خيرا وتقبل منكم، وأحسن الله إليكم.