في ثناء الله تعالى عليه وإظهاره عظيم قدره لديه

قال قتادة: (رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله).

وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أتاني جبريل عليه السلام فقال: إن ربي وربكَ يقول: تدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: إذا ذُكرتُ ذُكرتَ معي”.

قال ابن عطاء: (جعلتُ تمامَ الإيمان بذكرك معي). وقال أيضا: (جعلتك ذكرا من ذكري، فمن ذكرك ذكرني).

وقال جعفر بن محمد الصادق: (لا يذكرك أحد بالرسالة إلا ذكرني بالربوبية). وأشار بعضهم في ذلك إلى مقام الشفاعة.

ومِن ذِكْره معه تعالى أن قرنَ طاعتَه بطاعتِه، واسمه باسمه، فقال تعالى: أطيعوا الله والرسول (آل عمران: 132). وآمنوا بالله ورسوله (الحديد: 7)، فجمع بينهما بواو العطف المُشَرِّكَةِ. ولا يجوز جمع هذا الكلام في غير حقه صلى الله عليه وسلم.

فيما أخبر الله تعالى به في كتابه العزيز من عظيم قدره، وشريف منزلته على الأنبياء، وحظوة رتبته

قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة إلى قوله: من الشاهدين (آل عمران: 81).

قال أبو الحسن القابسي: (استخص الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بفضل لم يؤته غيره أبانه به، وهو ما ذكره في هذه الآية).

قال المفسرون: (أخذ الله الميثاق بالوحي، فلم يبعث نبيا إلا ذكر له محمدا، ونعته، وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنن به) وقيل: (أن يبينه لقومه، ويأخذ ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم).

وقوله: ثم جاءكم: الخطاب لأهل الكتاب المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (لم يبعث الله نبيا من آدم فَمَنْ بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك على قومه).

قال الله تعالى: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح الآية (الأحزاب: 7).

وقال تعالى: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح إلى قوله تعالى: شهيدا (النساء: 163).

روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في كلام بكى به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال “بأبي أنت وأمي يا رسول الله! لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في أولهم فقال: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح الآية (الأحزاب: 7). بأبي أنت وأمي يا رسول الله! لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول.

قال قتادة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث”. فلذلك وقع ذكره مقدما هنا قبل نوح وغيره.

من كتاب “الشفا في التعريف بحقوق المصطفى” للقاضي عياض رحمه الله، الباب الأول من الجزء الأول، الصفحتان 15 و36.