إن تتلمذنا للرسول المعلم الناصح صلى الله عليه وسلم مباشرة بعقلنا يتلقى التعليم، وبقلبنا يتعرض لفيض الرأفة والرحمة، وبسلوكنا يجدد تاريخ الجهاد، وإن أخذنا عنه صلى الله عليه وسلم القرآن كتابا من عند الله هو الضياء والهدى والحياة، كنا على المستوى الرفيع الذي يمكننا من مراقبة الأمور من أعاليها لا من أسافلها.

من هناك، تغمرنا شمس القرآن بضيائها، ويبسط علينا بدر السنة سناءه، يغطى ظلنا الواقع لا يغطى ظل الواقع كياننا. يحكم عقلنا المستنير بنور العلم القرآني النبوي معاقد الفهم، لا يتعقد علينا الفهم. تسكن قلوبنا المقتبسة من نور الله إرادة لا تهزم، لا تهزمنا صيحات العدو علينا، نتبنى قضية الدين كاملة قوامها الشورى والعدل والإحسان لا تنزل بنا تفاهة الأحلام وخنوع الأزلام وخفاشية الظلام مع سافل الركام.

بعض الناس من المسلمين، ومن الكتاب المحسوبين على الدعوة، تعترض نية الجهاد الصالحة عندهم ذهنية التقليد الراسخة فيهم. فإذا بهم يفكرون ويوصون ويجتهدون في حدود نمط الحكم الأموي، والمجد العباسي، والشوكة العثمانية، والفقه الفروعي، والعقيدة الجدلية عند علماء الكلام، والدفاع بلا تمييز عن تاريخ المسلمين يحسبونه تاريخ الإسلام.

من كانت ترسبات تاريخنا الحافل تشغل منه العقل والخيال، وكانت أنقاض ما نقض من عرى الإسلام تتمثل لديه معالم هادية، وكان ثقل الأحداث الماضية يحمله على رأسه، وكانت تحديات الحاضر والمستقبل تُحاكم في تقديره إلى التراث الفقهي الثري العظيم لا غير، فذاك ينظر الى الأمور من أسافلها، يظن أن صناعة التاريخ لا تتأتى إلا بوضع نفوسنا تحت كلكله.

تابع تتمة كلام الإمام عبد السلام ياسين من كتاب “نظرات في الفقه والتاريخ” على موقع ياسين نت.