خاضت تنسيقية الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد أشكالا نضالية جديدة في الأيام الماضية، احتجاجا على أوضاعهم المزرية وعلى الإجحاف الذي يطالهم من الدولة ومن الوزارة التي يشتغلون فيها ومن مختلف إداراتها ومصالحها، وعلى النظرة الانتقاصية التي يرمقون بها من طرفها كأنهم موظفون فاقدون للأهلية ومدرسون من الدرجة العاشرة.

الواقع أن تلك النظرة السلبية تجاههم ليست حكرا على الجهات الرسمية، وتتقاسمها معهم فئات واسعة من المجتمع حتى المعارضة منها، التي تتعامل معهم كخونة وانتهازيين، ومنهم من يضن عليهم بأي شكل تضامني. فهم، في نظرهم، يستحقون ما جرى وسيجري لهم ما داموا قد قبلوا على أنفسهم التعاقد وألزموا أنفسهم بشروطه بعد أن ساهموا في تمرير أحد أسوء القرارات التي مرت على تاريخ الوظيفة العمومية، فليكتووا به هم قبل غيرهم وليتحملوا عواقب اختياراتهم.

هذه النبرة الاتهامية لهم ازدادت حدتها بعد أن انتظمت هذه الفئة في تنسيقية تدافع عن حقوقها عبرها ما اعتبر إخلالا بالاتفاق من قبلها، ونوعا من الخداع الذي مارسته بعد ضمانها للوظيفة، فإما أن ترفض التعاقد رفضا مبدئيا من اليوم الأول وإما أن تسلم بالأمر الواقع.

الحقيقة أن هناك مبالغة في جلد “المتعاقدين”، فرغم أننا قد نتحفظ على أدائهم في البداية، إلا أن هذا لا ينفي عنهم أنهم فئة مظلومة تشتغل في شروط مجحفة. لذلك فإن الحديث عن قبولهم بالتعاقد طواعية مغالطة يجب أن تصحح، حيث لا يدافع “الأساتذة المتعاقدون” عن ريع أو عن امتيازات استثنائية دونا عن باقي الأساتذة، فهم لا يطالبون بغير تصحيح أوضاعهم وتسويتها إسوة بباقي زملائهم.

إن “الأساتذة المتعاقدين”قد قبلوا بما قبلوا به وهم تحت الإكراه بعد أن لوت الدولة ذراعهم وفرضت عليهم صيغتها لتوظيفهم، وهو أمر يجعل من اتفاقهم مفتقرا لشروط التعاقد النزيهة، فهو لم يكن إلا رضوخا لقهر الواقع ولم يكن تعاقدا حقيقيا.

ثم إننا لا نتحدث في المجال المهني عن اتفاقات نهائية، فكما أن الدولة تتعسف وتغير قوانينها مثلما تريد وفي الوقت الذي تشاء يحق للشغيلة أن تدافع عن حقوقها وترفض أي انتقاص منها سواء بنضالها للحفاظ على مكتسباتها أو بتحسينها لشروط عملها حتى وإن وُضِعت تلك الشروط قبل شروعهم في عملهم، وحتى لو كانت مؤطرة بقوة القوانين التي فصلتها السلطات لخدمة مصالحها والتي لا تراعي مصلحة الشغيلة التي لا تجد غير العمل النقابي لانتزاع ما أمكنها انتزاعه من حقوقها المهضومة.

هذه مسألة بديهية، ولو كنا سنطالب العمال والموظفين بالتسليم بأوضاعهم دون احتجاج بسبب قبولهم الاشتغال فيها، لما وجد العمل النقابي أصلا ولما حاز اعتراف الدولة الرسمي به. ذاك تفكير محدود يرسخه الاستبداد مستغلا ثقافة النضال الضحلة في المجتمع.

قضية المتعاقدين أكبر من أن تكون قضية شريحة محدودة من المتعاقدين الحاليين كما ينظر إليها بعضهم، حيث يتم التعاطي بضيق نفس مع مجموعة من الأساتذة الذين يشكك بعضهم في كفاءتهم أو في مبدئيتهم، فيما نخن بصدد توجه استبدادي عام يهدد المجتمع كله في حريته واستقلاليته، هذا التوجه ماض في تأميم كل المجالات التي شهدت يوما ما حيزا يحفظ كرامة الإنسان المغربي وإن كان محدودا، ومن ضمن هذه المجالات الوظيفة العمومية وقطاع التعليم بالذات الذي يراد للعاملين فيه أن يذعنوا ويصبحوا تحت مقصلة إنهاء الخدمة في أية لحظة ولأتفه سبب.

هذا الأمر لا يخص فئة المتعاقدين الحالية، فإذا استمر التعاقد بهذه الوتيرة ستتوسع دائرة ضحاياه وتتعمم على أجيال لاحقة من الخريجين، ليجد الأساتذة المرسمون أنفسهم وقد تحولوا إلى أقلية يفرض عليهم نمط أسوء من النمط القديم المنظم لعلاقتهم بمسؤوليهم في مرحلة عنوانها الخنوع والتذلل ومزيد من التملق، مما سيفسد العملية التعليمية برمتها.

ذاك، باختصار، ما تريده الدولة من إجراء التعاقد، ففوق أنه استحقاق فرضه الخارج، هو كذلك رغبة سلطوية في لجم قطاع، رغم كل ما يقال عنه، لا يزال يشكل صداعا للمخزن ما دام أن قسما مهما من الحركة الاحتجاجية المغربية الحالية يتحرك في مجاله.

واهم من يعتقد أن ربط رجال التعليم بعقدة التعاقد سيرفع من مردوديتهم وسيقطع مع التسيب والاستهتار في أوساطهم، ويكفي تتبع سلوك عينة من “المتعاقدين” الجدد للتأكد من أن أمراض التعليم يعاد إنتاجها في صفوف العديد منهم، بل إنها تترسخ وتنضاف إليها دونية غير مبررة تجاه كل من يمارس عليهم سلطته.

إن المشكلة الأساسية لا تكمن في القوانين وفي آليات الضبط والرقابة على الموظفين، فلو تم تفعيل القوانين السارية لقضينا على كل الأمراض الوظيفية بسهولة. المشكلة الحقيقية في وزارة التعليم وفي باقي الوزارات في البلاد التي تدير ظهرها لكل القوانين المعلنة وتزكي قيم النفاق المنحطة في مقابل محاربتها لقيم الصدق والجدية والتفاني في العمل، وهو ما يجعلها غير مؤهلة لتقييم أداء الأساتذة المتعاقدين الذين فهموا بدورهم، كما القدامى، المعادلة المشبوهة السائدة في جل قطاعات الوظيفة العمومية التي لا تطلب منهم غير ضبط توازنات دوائرهم الصغرى دون أن يطالبوا بأي شيء بعد ذلك، ليبقى التلاميذ الحلقة الأضعف في الموضوع، ويستثنى من ذلك كل من يملك الضمير ويخاف ربه فيهم.

يسجل لتنسيقية الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد جرأتها في مطالبتها بحقوقها ورفضها للمخططات الرامية إلى تدجين من تمثلهم وجعلهم نموذجا للموظفين الطيعين والمواطنين المثاليين الذين لا ينبسون ببنت شفة مهما تلقوا من صفعات، غير أن نضال التنسيقية لا يجوز أن يكتسي طابع الفئوية الذي يعزلها ويجعلها فريسة سهلة للمخزن، فالواجب على زملاء “المتعاقدين” التضامن معهم ودعمهم دعما حقيقيا من أجل القضاء على كابوس التعاقد وهو في مهده قبل أن يصبح واقعا متجذرا في الوظيفة العمومية وليس في التعليم فقط، مما سيترتب عليه عواقب وخيمة على الجميع.