تأبى عين الكاتب الروائي إلا أن تفرض نفسها مهما كانت طبيعة النشاط الذي أحضره، أو المناسبة التي تم استدعائي إليها، فأراني في أحايين كثيرة خارج نسق ذلك الحضور، مرتديا نظارات المراقب المحايد الذي يتخلّى عن مجمل الرسميات والتقاليد، فيتجوّل بكل حرية في الردهات وبين الصفوف كأنه شبح غير مرئي، راصدا هوامش ذلك الحدث، مفتحصا بعض ما لا يركز عليه الآخرون، هؤلاء “الجدّيون” السائرون صعدا إلى أهدافهم وما نذروا أنفسهم له، ومتسللا إلى شكليات لا يأبه لها الناس كثيرا، وإلى تفاصيل صغيرة جدا، قلّما يتم النظر إليها على أنها ذات بال، خاصة في لقاء ذي صبغة سياسية جدية كالمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان بالمغرب في دورته الثانية والعشرين (السبت والأحد: 3/ 4 نونبر 2018).

ارتباط الدعوي بالسياسي.. فصل أم وصل؟

ونحن نتابع النقاشات الصاخبة في الساحة العربية حول فصل الدعوي عن السياسي، بعد التجارب المريرة التي خاضتها الحركة الإسلامية في كل من مصر وتونس خاصة، يحضر السؤال ملحاحا وأنا أتابع مجريات مقدس لحظة بلحظة، وأتساءل بحيرة: أين يمكن أن يبدأ هذا “الفصل”؟ وكيف يمكن للإنسان أن يتمظهر بنصف فكرة في سياق، وبالنصف الآخر في سياق آخر؟ كيف له أن يفصل بين ثباته وصموده على مطالبه العادلة مثلا، وبين اليقين الذي يسكن شغاف قلبه ويسنِد ذلك الثبات والصمود؟ كيف يمكن له أن يعيد إنتاج الشّتات داخل الشخصية الإيمانية ويكرّس الفصام النّكد، بين التقوى والإيمان، وبين التجلّي العملي السلوكي الجهادي لهما؟! هل يمكن أن نفصل الفعل عن بواعثه، أو نتائجه؟!.. أسئلة وغيرها تلحّ كثيرا، وأنا أتملّى السكينة التي تظهر على الوجوه المستنيرة بذكر الله في الدورة الثانية والعشرين للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، الوجوه المطمئنّة المضيئة يقينا واستبشارا بنصر الله، وهي بصدد مناقشة قضايا الأمة ومشاكلها، بحثا عن السبل الكفيلة بتحقيق العدل وإقامة الشورى، وهي تفزع إلى الصلوات المكتوبة بإقبال عاشق، وتحرص على التبتّل الليلي، والدعاء بقدر ما تحرص على التواصي بالمحبة والصبر واليقين..

ذكر وقرآن ودعاء وبشارة وخشوع.. فتجد نفسك وقد انغمرت في أجواء ربانية تسائل فيها وجودك الصغير في هذه الحياة، وكيف يجب أن تسابق الزمن وتتعرّض لرحمة الله وتنقذ نفسك من عذاب الله، وكيف تفوز مع الفائزين برضوان الله حتى لا تكون من النادمين المتحسّرين، وتضرب لك بسهم مع السابقين المُقرّبين في مقعد الصدق مع النبيّين والصّدّيقين والشهداء والصالحين..

معانٍ وأذواق ولواعج وعزمات إيمان.. كيف يتم موضعتها ضمن مجلس سياسي، وفي خضم نقاش سياسي ساخن امتدّ ليومين؟! كيف ينبغي أن تنتسج هذه المعاني الوجدانية القلبية مع لغة السياسة والأرقام “الباردة” والردود والاعتراضات “الصارمة” والتحفظات “الشاكّة” والتعقيبات والتوضيحات؟!

أقول: لعل ذلك الأساس التربوي المتين، هو الماء الذي يغذي الحياة السياسية لجماعة العدل والإحسان، لعلّه زاد الصمود، وأسّ الثبات، ومورد العمل المثابر رغم كل العقبات والتحديات.. ولعلّ تلك المحبّة التي لا تفسدها السياسة وخلافاتها وأصواتها المرتفعة هي قوّة الجماعة الضاربة التي يبحث الباحثون والمحللون والخبراء عنها..

أيها الحُيارى! اطلبوها في ليل المتبتّلين ودعاء الباكين وقلوب المنكسرين المفتقرين، وتعظيم الأعضاء لبعضهم البعض، تعظيمَ محبّة وتودّد وخدمة وصبر، يستعصي على فهم مختلف الخبراء الذين لا يظفرون بشيء ذي بال، رغم أنهم يأتون مدجّجين بمناهج سوسيولوجيا التنظيمات وعلم السياسة أو حتى فقه مجتزأ عن مدلهمّات التصوّف التاريخية أو نتف لا ينظمها ناظم من التاريخ الإسلامي الطويل..

سؤال القرار السياسي.. هل من تيارات داخلية؟

هل توجد داخل العدل والإحسان “لوبيات”؟ هل توجد “تيارات” على الأقل؟ ألا توجد معارضة داخلية للتوجهات الحالية؟ أسئلة مشروعة بقدر ما يطرحها المحلل والصحفي، قد يطرحها العضو والمراقب الصديق، أسئلة تُطرح على كيفية تدبير القرار الداخلي، وكيف يتم إنضاج القرارات وصناعة الرأي الداخلي، وما هي المؤثرات الممكنة والمسارات التي تغذي أو تعترض رأيا أو توجها معينا؟

بغضّ النظر عن وجود مؤسسات قوية ومتماسكة تمكّن الجماعة من تدبير مشروعها في واقع صعب، وفي ظل حصار وقمع مخزني معلوم، وتحقق نسبة جيدة من “الديمقراطية الداخلية” التي تتيح تداول الرأي وتجديد النخب والقيادات، ومحاسبة المسؤولين وخياراتهم، وهو ما ينعكس في أجواء الثقة الراسخة لأعضاء الجماعة في مؤسسات جماعتهم وفي قياداتهم، فإن هناك سؤال الفئة الصانعة للرأي والتوجهات التي يطرح نفسه بإلحاح، وفي هذا الصدد، أذكر أنه قبل خمس سنوات كان لي نقاش مستفيض مع محمد ضريف حول هذه المسألة بالذات، تحدثنا خلالها عن أن رجال التعليم هم بناة الجماعة الأوائل ومهندسوها ومن قام عليهم عبء تأسيس الهيكل التنظيمي في نموذجه الأول، ثم انضافت إليهم بعد ذلك فئة الأطر التي التحقت بقوّة، قبل أن تظهر فئات مختلفة نضجت على مهل في خضم العمل الميداني، منذ شبابها الأول، لتصير هناك بنية قيادية صلبة تشرّبت أساسها التربوي من جيل التأسيس، وأفادت من خبرة الأطر المتخصصة، وهي الآن بصدد صقل الأداء وتطوير العمل، وفتح آفاقه على ضوء جهد نظري لا يتوقف، توازيه وتواكبه في ذلك خبرة عملية ومراس ميداني تختبر وتدعّم وتصوّب، هل كنت أرجم بالغيب أم “أفشي أسرارا”؟! لا أظن ذلك إطلاقا، كان نقاشا فكريا مع باحث متخصص، أدرك تعطّشه للمعلومة، واستراتيجيته في الاستماع لبعض الأعضاء والتسمّع لما يدور في تحليلاتهم، ولكنّه يبقى نقاشا يمكن لأيٍّ كان الإسهام فيه، ويمكن لأيّ باحث أكاديمي أو صحفي، أن ينجز بحثا عنه، في أفق فهم مختلف التحوّلات التي تطال جسما تنظيميا معينا، أو تفسير استعصائه على التطويع أو الانقسام أو بروز الخلافات على السطح بذلك الشكل المبتذل الذي يظهر عند بعض التنظيمات بين الفينة والأخرى..

لقد تابعت النقاش الساخن في مقدس، وسجلت وثيرة الاحتداد في التعبير عن الاختلاف، لدرجة مناقشة الخيارات السياسية بجميع مساراتها، وتقييم كل التوجهات السابقة، في جو من الحرية والمسؤولية، بعيدا عن أي تجريح أو تحامل أو مبالغة، وكأن الجميع لا يفارق أعينَهم هدف واحد، هو البحث القاصد عن أفضل الخيارات، ودعائمها المنطقية والواقعية والرؤيوية، مقاومين النزوعات النفسية التي قد تنفخ أو تبخّس أو توسوس، على الأقل هذا ما بدا لي، وهذا ما أظنّه..

توجد تيارات شبابية تكسر الصمت، وتطمح لأفق أفسح، وتثير النقاش بحماس، وتوجد تيارات رؤيوية أخرى، تُسائِل المسارات وتفتح الأبواب والنوافذ، وتُمَوْقِعُ العمل ضمن سياقه التاريخي العام، وتوجد تيارات أخرى، تغزل العدل بالإحسان، وتصبغ العمل بصبغة النية العظمى، نية الفوز بالنجاح هنا، والرضوان هنا وهناك، “صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة”، وتوجد تيارات من نوع آخر هنا، همها الحرص على ألا تتعارض مطامح التنظيم مع انتظارات الناس ومطالبهم، والعمل على ألا ينفصل نضالهم من أجل الخبز والكرامة، عن حقهم في عيش إسلامهم بلا وصاية مخزنية خانقة للأنفاس، وأخيرا يمكن الحديث عن نوع آخر من التيارات، وهو ذلك التيّار الذي يلحّ باستمرار على أن يتم الاعتراف بفضل كل ذي فضل، والعمل بلا كلل ولا ملل لتجميع قوى الشعب ومختلف عناصره الحية من أجل مدخل تغييري جماعي، يسدّ منافذ التدخل الأجنبي المتربّص، ويفوّت الفرصة على تجّار الخراب في آن واحد..

نعم، هناك معارضة داخلية، معارضة تمكّن من فرض رقابة على الأداء، ومساءلة السياسيات والتصرفات، هي معارضة يحملها كل واحد في ذاته أولا، اعترافا بتقصيره وسوء فهمه أو خطئه، تدفع أحدهم إلى التماس العون أو شكر من قوّم وسدّد..

هناك معارضة، نعم، معارضة تشتغل من الداخل، من أجل الإنجاح، فإن كان النجاح طالبت بالتّميّز والتجويد، ولا ترضى بخطاب التبرير والاكتفاء والقناعة، ف”القناعة من الله حرمان” كما يردد الكثير هنا..

حضو النّساء.. هل من قصة للكوطا والمناصفة؟

وأنا أرى الحضور النسائي الوازن في مقدس، يصر السؤال العنيد المغموس في الشك الديكارتي على البروز رغما عنّي: هل هذا حضور تأثيثيّ للمجلس كما قد يفعل بعض المتخفّين وراء خطابات المناصفة والكوطا؟ لا أحكم سريعا، أتابع المشاركة والمداخلات والنقاش، فأرى نساءً يشاركن في مختلف الفقرات، بفاعلية وقوة تثير الانتباه، وأرى مستوى عاليا جدا من الدقة والخبرة واليقظة، وأرى إصرارا عازما ووعيا متّقدا وإحساسا عميقا بالمسؤولية، فأعرف حينها أنني أمام توجّه رصين، وبناء متين، وأن الأمر جِدٌّ لا مجال فيه للعبث أو اللعب على سياسة الواجهة.. ولعلّني لا أبالغ إن قلت بأن أداء العمل النسائي في جماعة العدل والإحسان صار يعتبر رائدا بحق، رؤيةً وبناءً ومراسًا وإبداعًا، ليس فقط مقارنة بالحركات الإسلامية ولكن بالحركات التغييرية العربية في المجمل.

وهي ريادة بحاجة إلى توسّط نظري في رأيي، يترجم الأطر الفكرية المرجعية إلى رؤىً تصوُّرية قابلة للإنجاز، وإلى خطة إعلامية لتسويق الرموز، وصقل النموذج بحركية تواصلية فعالة، تمكّن من تمتين العمل وتقعيده ميدانيا وفق خطة تشبيكية تخرج من كلاسيكيات العمل النسائي المعتاد.

لغة الأرقام أم النقد الإيديولوجي العائم؟

يجب أن أعترف بأنني شخصيا، لا أنفكّ إلا بصعوبة عن ذلك التمثّل القائم، الذي ترسّخ في الأذهان عند أغلب المتتبعين، بأن الحركة الإسلامية بشكل عام، لا تخرج في خطاباتها عن العموميات، والنقد الإيديولوجي العائم، ولغة الوصف الباكي على الأطلال، وقلّما تدعّم أقوالها بتدابير عملية أو أرقام أو إجراءات مقترحة أو منظومة إصلاح وتغيير قابلة للأجرأة على أرض الواقع، لكنني وبحكم متابعتي منذ مدة غير يسيرة لعمل الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، استنتجت أن ما يرشح على السطح ليس سوى ما تسوّقه آليات التكريس الإعلامي التي يتحكّم فيها خصوم العدل والإحسان، والمناوئون لمشروعها السياسي، وأن الحقيقة مفادها غير ذلك بتاتا. يدعّم كلامي هذا استناد مشروع العدل والإحسان، على بنية بحثية علمية صلبة، تقدّم المعطيات والأرقام، والبيانات العلمية في كل قطاع من القطاعات، واستنادها على خبرات متخصصة تحلل وتناقش وتنظر بعمق قبل إطلاق أية أحكام، أو تقديم أية اقتراحات..

هكذا إذا، لم يعد العمل السياسي، مجرد رزنامة من الشعارات الجاهزة، والتحليلات المحلقّة في رياض اللغة الإيديولوجية الصرفة، بل صار تحليلا وتوظيفا لمعطيات رقمية وشواهد معرفية وحقائق علمية، وصار بناء على ذلك، خطابا واقعيا وإجرائيا، أعطت للبيانات السياسية صدقية ومعقولية زادها الثبات على المبدأ ورفض قول الزور، قصدية وفعالية، فلا عجب حينئذ أن تكون مقنعة للناس، مصارحة إياهم بحقائق الوضع، ومشيرة بإشفاق وصدق إلى مخارج النجاة.

ماذا وراء حسن التنظيم؟

صحيح أنه لم يعد أحد يجادل في القدرات التنظيمية لجماعة العدل والإحسان، وجودة تدبيرها للزمن والفضاء، وإحكامها لتفاصيل الاستقبال والغدوّ والرواح، وإكرام الحضور في غير تبذير ولا تقتير، لكنني تساءلت عن الخيط الناظم لكل هذه الأمور، وبحثت بصدق عمّن وراء كل هذه الدقة والذوق الرفيع في أمور قلّما تفلت من منطق “مفاجآت آخر لحظة”، لكنّني أدركت ببساطة أنّه حسن التخطيط والتتبع، ومراكمة الخبرات، وإسناد المهام لأهلها المتخصصين، وحسن توزيع الأدوار بلا مجاملات، لكن ما أثارني حقا، هو مراقبة وسائل العمل: كيف تطوّر شكل عرض التقرير السياسي والبرنامج السنوي مثلا، أو كيف تم تجاوز ما سُجّل سابقا من ثغرات بسيطة، وكيف كانت هندسة القاعة، من حيث الحضور والديكور، وكيف تم توزيع الفقرات، والكلمات، وبقدر إعجابي بالأرقام المرتفعة للمتدخلين، وتجنب التكرار في تلك التدخلات إلا فيما نذر، فقد كنت حريصا كذلك على مراقبة ذلك التواصل الجانبي الذي لا تتم برمجته، وضمنه تواصل مؤسساتي أو فردي، تشاورا، أو تنسيقا، أو توحيدا للتصور، أو تعميقا للنظر، أو فتلا في حبال الود والتصافي..

على سبيل الختم..

رجائي أن تزول موانع التضييق المخزني الحاصل، ويتيسّر في قابل الدورات فتحُ بعض فقرات أشغال المجلس للصحافة الوطنية ليتم تنقل الصورة الحقيقية والوجه المشرق الذي يمنعه المخزن وإعلامه من البروز للناس..

شخصيا، وبغض النظر عمّا أفدته من حضوري، سياسيا وفكريا… فإنني أشكر الأمانة العامة للدائرة السياسية، على أمرين اثنين شكرا فوق شكري العام للجميع..

الأمر الأول: حضور سيدي محمد عبّادي حفظه الله أشغال المجلس من ألفها إلى يائها، ذلك الحضور الوازن الذي يشع في المجلس دفئا ومحبة ويقينا.. يرعى بابتسامته الجميع، ويحنو بنظرته على كل أبنائه..

حقا حضوره إلى جانب عدد من أعضاء مجلس الإرشاد، كان بوثقة نور وبوصلة رشاد ومنبع سكينة.. وأبوّة تشع ثقة وأنسا..

الأمر الثاني: وجود القهوة السوداء الساخنة طوال فقرات اللقاء لمن شاء..

ولا أنسى شكر لجنة الخدمة على عظيم الأدب وفيض السخاء..