يعرف المشهد السياسي الدولي والإقليمي والمحلي تطورات غير مسبوقة وخطيرة ضد الأعراف التدبيرية للشأن العام في كل مستوياته والقوانين الأممية المعمول بها منذ تأسيس مفهوم” الدولة الحديثة”، الذي بني على قواعد الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني، والتي احتكم إليها المنتظم الدولي عبر مواثيق دولية لتدبير الخلافات الدولية والنزاعات الإقليمية، وضمان حقوق الأقليات…

منعطف خطير يمر منه العالم المعاصر؛ يتعلق الأمر بأزمة القيادة التي يتجاذبها قطبان متعاكسان: القطب الأخلاقي المتمثل في “القيادة الطيبة” والقطب اللاأخلاقي والمتمثل في “القيادة الماكرة”.

الطيبون لا يملكون من الخبرة السياسية والنظرة الاستراتيجية ما يكفي لاستشراف المستقبل. بينما الماكرون يسخرون مكاتب بحوث علمية ودراسات استراتيجية ليضعوا خارطة الطريق للمدى البعيد، من أجل تحقيق مصلحة وغرض نفعي يستعمل الفئة الأولى لاكتساب السلطة وهيمنة القوة.

بين الطيبين والماكرين فئة مصطنعة تخرج من رحمهما كل حين لضمان التوازن والاستمرار: إنهم أهل العنف الذين ينتعشون من التوتر النفسي والاجتماعي والسياسي، وهو توجه جديد للإدارة الأمريكية ظهر في مطلع عام 2005، حيث صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية أنداك ” كونداليزا رايس” في حديث صحفي مع جريدة واشنطن بوست الأمريكية عن نية الولايات المتحدة نشر الديمقراطية بالعالم العربي والبدء بتشكيل ما يعرف ب “الشرق الأوسط الجديد”، كل ذلك عبر نشر “الفوضى الخلاقة” في الشرق الأوسط عبر الإدارة الأمريكية. ينتج عن ذلك كله انتشار ثقافة الخوف.

بذلك أصبح العالم اليوم تتجاذبه قيادات متباينة بين أهل المكر وأهل الطيبة وأهل العنف، لكنه يفتقد لقيادة أهل الحزم.

واقع مضطرب جعل “العقل المعاشي” غير قادر على استيعاب اللعبة السياسية المعاصرة التي وضع إيوالياتها “العقل المستبد”، والذي تنكر بدوره لقواعد الفعل السياسي المسؤول ومبادئه الاستراتيجية.

أغلب الشعوب في العالم أصبحت مضطهدة فاقدة اليقين والرغبة في العمل الدؤوب. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما يعرفه العالم العربي بعد زمن الربيع العربي، الذي رفعت فيه شعارات قوية: الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.  

ومن تجليات هذا الاضطهاد السياسي العام استخدام السلطة والقوة من أجل إضعاف “العقل التغييري” بكبح الإرادة الاقتحامية يستحيل تحولها إلى قوة اقتحامية، وانكماش أصحابها في دوائر مغلقة، تتعرض لموت سريري بعد حين. وبالمقابل ينتعش “العقل المستبد” بإحكام قبضته الحديدية على رقاب العباد وسطوه من جديد على ثروات البلاد.

ثروات أحصاها السيد الأمريكي بتريليونات الدولارات في خزينة الحاكم العربي المدلل (السعودية)، يجب عليه دفع مستحقات سطوته وبقائه في كرسي السلطة، من أجل ذلك أعلن السيد الأمريكي حبه للحاكم العربي المشروط بدفع المال مقابل الحماية.

لقن السياسي الأمريكي درسا علنيا للحاكم العربي بدون خجل بعيدا عن اللغة الديبلوماسية المتداولة. ظنه الكثيرون سذاجة من طرف الرجل الغربي، إنما هي قواعد جديدة يبنى عليها نظام عالمي جديد.

كما نبه الماكر الغربي الفاعل السياسي العربي الممتعض من تبعات ربيع جديد، متوعدا إياه بالمتابعة القانونية بتهمة الإخلال بالأمن وبالاستقرار بلسان عربي مبين.      

عالم جديد أسست أركانه مع مطلع الألفية الثالثة، بدأت معالمه بعد عقدين من الزمن تطفو على أرضية عالم عربي، حاكمه منفذ، وأمته مذلولة، وأرضه مغتصبة، وثرواته مسلوبة، وأصواته مكتومة…

عالم جديد بألوان طيف غريبة تسود فيه القتامة، تسود فيه لغة القتل والجريمة. عالم يرفع فيه صناع الإرهاب لواء التخويف والتفقير، وترفع فيه رايات التفرقة وتدق فيه طبول الحروب، ويعلن فيه الحب المشروط.

على “العقل الغاضب” اليوم أن يستوعب حقيقة ارتباط الثروة بالسلطة واستحالة عدم فصلهما، لأن استمرار الثانية مرتبط بامتلاك الأولى، وإلا سقط شعار الحب ورفع بدله شعار الكراهية!!

على أجيال الحزم امتلاك علم تحليل اللعبة السياسية وقواعدها، ومعرفة اللاعبين واستراتيجياتهم، وتقدير العقبات ومواقعها وكيفية التغلب عليها، وكيفية التدافع السياسي بدون أوهام.