بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه

العدل والإحسان

الدائرة السياسية

التقرير السياسي لسنة 2018

الدورة الثانية والعشرون للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان -مقدس-

محاور التقرير

●   مقدمة

●   أولاً/ المحور الخارجي

●   ثانياً/ المحور السياسي

●   ثالثاً/ المحور الاقتصادي

●   رابعاً/ المحور الاجتماعي

●   خامساً/ الشأن الديني والثقافي

●   سادساً/ المحور الحقوقي

●   سابعاً/ قضايا المرأة

●   ثامناً/ قضايا الشباب

●   ختاما

 

مقدمــة

أوشكت سنة 2018 على الانتهاء في أجواء سياسية وحقوقية واقتصادية واجتماعية، صاحبتها طيلة العام، تؤكد واقع الفساد والاستبداد اللذين يكبلان مسارات التغيير ببلادنا، ويعرقلان الطموحات الشعبية نحو تنمية شاملة وكرامة إنسانية وحرية حقيقية وعدالة منصفة. ومازالت الإرادة الشعبية تعبر وتبدع في أشكال الاحتجاج والرفض وكلها وعي وإصرار على استرجاع حقوقها المهدورة وعلى تحقيق التغيير بالوقوف في وجه المخططات المخزنية التي تصر على الزج ببلدنا في غياهب التخلف والهشاشة والسلطوية والمستقبل المظلم، ضاربة عرض الحائط كل المؤشرات المقلقة والنداءات المحذِّرة والحقائق الصّارخة المعبِّرة عن حجم الأزمة وامتداداتها بين القطاعات والمجالات الجغرافية وتجذّرها على كل المستويات، في وقت تشتغل فيه آلة الدعاية اليائسة على توزيع شعارات التعتيم والتضليل والتوهيم والالتفاف، في تناقض صارخ حتى مع الخطابات الرسمية التي أصبحت تعترف بواقع الفساد العام والفشل المتراكم الذي ينحدر بالبلاد نحو القاع يوما بعد يوم.

ولا يتردد المخزن في محاولة يائسة للإجهاز على المكتسبات التي يحققها الشعب في مساره النضالي ضد السلطوية والاحتكار والهشاشة، ولا يَدَّخر وسعا من أجل إعادة الأزمة إلى مربعها الأول إمعانا منه في تركيع الشعب وإخضاعه التام، ودلالة على غياب أدنى إرادة سياسية أو رغبة حقيقية في تغيير يعيد للإرادة الشعبية المصادرة مكانتها ودورها في المشاركة في قضايا الشأن العام اقتراحا ومصادقة ورقابة، إذ يعمد المخزن إلى إرباك وتشتيت قوى المجتمع والعمل على زرع بذور الخلاف المذموم بينها، فتلك هي أحد أهم مصادر قوته التي تُؤَمِّن له الاستفراد بالسلطة واحتكار الثروة، مستقويا بجهات دولية وإقليمية تدعم أنظمة الاستبداد ضد مصالح الشعوب وسعيها المستمر نحو الانعتاق والتحرر.

ووسط هذا الواقع المتأزم، وانطلاقا من مشروعها ومن المبادئ التي تؤطر عملها، اختارت جماعة العدل والإحسان، كما هو حال عدد من القوى المجتمعية الحية، أن تستمر في اصطفافها إلى جانب الشعب ومطالبه وقضاياه، قريبةً من نداءاته ونضالاته، معبرةً عن آلامه وآماله، مساهمةً في تأطيره وتجديد الثقة في الخيارات السلمية كلما غَمَّت سحابة اليأس التي تنذر بالانفجار العنيف، ماضيةً في دعم معركته ضد الظلم ودوس الكرامة والتهميش واختلاس ثروته وهدرها. وهكذا فقد كانت الجماعة، بتوفيق من الله، حاضرة ومؤيدة لكل الاحتجاجات السلمية أشكالها المشروعة مطالبها، كما عبرت عبر مختلف بياناتها وفعلها وحركيتها عن رؤيتها ومواقفها تجاه استفحال الاستبداد وزحفه المستمر على الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية، وأيضا تجاه استشراء الفساد والتهامه الجشع للثروات الوطنية وهدرها السفيه في غياب لآليات الشفافية والمراقبة فأحرى العقاب والمحاسبة. واستمرت الجماعة في التعبير بشكل عملي عن إيمانها بالعمل المشترك، وبناء علاقات الحوار الهادئ والمتزن مع مختلف الأطراف والمرجعيات السياسية، قناعة منها بأهمية ذلك في مسار التغيير والانتقال السليم إلى مغرب الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية. كما عملت من خلال مختلف قطاعاتها وهيئاتها على المساهمة الفعالة والمشاركة والحضور الميدانيين في مختلف القضايا والأحداث والملفات السياسية والحقوقية والشبابية والنسائية والنقابية، رغم التضييق على مجالات فعلها جرّاء ما تتعرض له من مصادرة لحقوق الفعل في الفضاء العام، ورغم محاولات إشغالها بملفات حقوقية خاصة تهم أعضاءها والمتعاطفين معها.

كل ما سبق تؤكده مضامين هذا التقرير الذي يستعرض واقع المغرب خلال السنة الممتدة من نونبر 2017 إلى نهاية أكتوبر 2018، في أهم المجالات وأكثرها حيوية وتأثيرا، منطلقا من المستوى الخارجي، ثم السياسي الداخلي، فالاقتصادي ثم الاجتماعي، مرورا بالمجالات الدينية والثقافية والحقوقية والإعلامية، مخصصا شريحتي الشباب والنساء بمحورين مستقلين، قبل أن يختم بخلاصات أساسية ومداخل يقترحها للخروج بالبلد من عنق الزجاجة الخانق الذي وضعتنا فيه سياسات النظام الحاكم.

وقبل الخوض في تفاصيل المحاور يمكننا من الآن التأكيد، أن العنوان الأبرز الذي طبع الفترة المنصرمة هو استحكام القاعدة الأساسية لنظام الحكم: السلطة والثروة والصلاحيات المطلقة للملك، والمسؤولية والمحاسبة واللوم لباقي المؤسسات الرسمية التابعة. في مقابل مجتمع يواصل، صحبة قواه الحية، مقاومته تجريف الحياة السياسية ويُقوي حركيته بكل الأشكال المشروعة والمتجددة، عاكسا نضجا متزايدا وفعلا مؤثرا.

أولاً/ المحور الخارجي:

1.  دولياً: هيمنة الاستكبار واستمرار الانكسار

تستمر القطبية الأحادية للولايات المتحدة الأمريكية في ممارسة غطرستها على الشعوب والدول، مع ما يلاحظ من محاولات لصعود قوى دولية أخرى في مقدمتها الصين من خلال تركيزها المتزايد على الانتشار الاقتصادي، وروسيا التي تزايد تأثيرها في العالم العربي مستغلة بذلك دعمها لنظام بشار في سوريا وعلاقتها مع تركيا وإيران، فضلا عن علاقات ثنائية أخرى مع مصر والعراق والسعودية.

ويلتقي الاستكبار العالمي بمختلف محاوره على ابتزاز واستنزاف الثروات المادية والمعنوية للأمة العربية والإسلامية من خلال الركوب الفج على محاربة الإرهاب، فتحولت عدة دول من العالم العربي (سوريا، اليمن، ليبيا) إلى ساحة حرب، مع ما يخلّفه ذلك من دمار للعمران وتقتيل أو تعذيب أو تهجير للإنسان. وهو ما يفضح نوايا وخلفيات الصراعات الدولية، التي تستحضر كل شيء إلا كرامة الإنسان وحقه البسيط في الحياة. ذلك أن أولوياتها هي بسط هيمنتها العسكرية على الدول، وتأجيج النعرات الطائفية واجتثاث المقومات الحضارية والدينية للشعوب العربية والإسلامية، ثم الحفاظ على مصالحها ومواقعها الاستراتيجية من خلال دعم المستبدين وتأزيم الأوضاع في مناطق الصراع. فيما تُيَسِّر أنظمةٌ عربيةٌ مهمة الاستكبار العالمي بما تثيره من معارك هامشية تذكي واقع التفرقة والانكسار وتجزيء المجزأ، ولعل الأزمة التي تنخر مجلس التعاون الخليجي خير دليل على ذلك.

ورغم ما يوحي به هذا الواقع العربي المنغلق، بفعل محاولات الارتداد على تجربة الربيع العربي حين ديست الديمقراطية وحقوق الإنسان بجبروت الحديد والنار، وقادته الدول العميقة المتسلطة بمباركة نظام إقليمي يخشى تحرر المواطن وتحرير الفضاء العمومي، وبتأييد مستكبري العالم الرافضين نشوء تجارب انتقال حقيقية من شأنها أن تفضي إلى استقلال القرار السياسي والانعتاق من التبعية الاقتصادية، رغم ذلك فإن المؤشرات التي تتواتر من الميدان ومن واقع الناس وفعل الشباب -رغم كل المخاطر والتحديات- تقول بشكل صريح لا لبس فيه إن طموح الشعوب نحو الحرية وسعيها اتجاه الكرامة وطلبها للعدالة يتعزز ويترسخ، وهو ما تؤكده العديد من الدراسات العربية والأجنبية التي صدرت خلال الأشهر الأخيرة مؤكدة حجم التغيير العميق، الهادئ والخفي، الذي يعتمل في المنطقة على مستوى العقليات والقناعات والتفاف الناس حول مطلب التغيير.

وقد تميزت الإدارة الأمريكية الحالية بالرفع من مستوى الدعم الأمريكي غير المشروط للكيان الصهيوني، أمام تصاعد وتيرة تنزيل مشروع “صفقة القرن”؛ ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية بدءا بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة في 14 ماي 2018 رغم تصويت عدد كبير من الدول لصالح القرار التاريخي للجمعية العامة للأمم المتحدة الرافض لأي تغيير على وضع مدينة القدس، إلا أن هذا القرار لم يؤخذ بعين الاعتبار خاصة وأن الكيان الصهيوني يستفيد من الدعم المكشوف من الغرب، والتواطؤ المتزايد من معظم الأنظمة العربية الرسمية عبر التطبيع الخفي والعلني اقتصاديا وثقافيا ورياضيا وفنيا دون مراعاة لمشاعر الشعوب العربية والإسلامية. ففي المغرب مثلا تجاوزت الممارسات التطبيعية التبادلات التجارية لتشمل التطبيع الرياضي؛ إذ رُفِع علم الكيان الصهيوني ورُدِّد نشيده خلال مشاركة رياضيين من الكيان في بطولة العالم للجيدو بأكادير في مارس 2018، ثم مشاركة رياضيّيْن آخرين في ألعاب “ترياثلون 2018” بمدينة العرائش. التطبيع الثقافي أيضا يتمدد، إذ تم هذه السنة تكريم الصهيوني سيمون سكيرا رئيس ما يسمى “جمعية الصداقة الإسرائيلية المغربية”، وذلك خلال مهرجان للفيلم القصير 2018 في جامعة الأخوين بمدينة إفران. فضلا عن زيارة وزير الخارجية المغربي للأراضي المحتلة بالقدس الشريف، وهي الأولى لمسؤول مغربي رفيع المستوى.

وانطلاقا من تداخل الهم المحلي بهموم الأمة والإنسانية في تصورها، فقد كانت جماعة العدل والإحسان حاضرة في مختلف الأنشطة والفعاليات الداعمة لقضايا الأمة العادلة عبر هيئة النصرة ومكتب العلاقات الخارجية وباقي مؤسساتها، وتجلى ذلك في المبادرة إلى مساندة الشعب الفلسطيني من خلال التنسيق مع هيآت أخرى في الدعوة إلى تنظيم مسيرة بالدار البيضاء يوم 20 ماي 2018 تضامنا مع مسيرات العودة في فلسطين، هذه المسيرات التي راح ضحيتها خلال سبعة أشهر عن انطلاقها أكثر من 190 شهيدا و20772 إصابة بجراح مختلفة واختناق بالغاز. رحم الله الشهداء رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته.

كما حرصت الجماعة على التفاعل الميداني مع جميع الملفات الفلسطينية الأخرى؛ وخاصة التنديد بتهويد المقدسات، والاستمرار في الحصار الظالم على سكان قطاع غزة، من خلال أنشطتها في الهيئة الدولية لإعمار غزة وعضويتها في الائتلافين العالمي والمغاربي لنصرة القدس وفلسطين. فضلا عن التنسيق والتعاون مع كثير من الهيئات والقوى المغربية، في مقدمتها الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة والائتلاف المغربي للتضامن والائتلاف المغربي من أجل فلسطين ومناهضة التطبيع والمرصد المغربي لمناهضة التطبيع. وكانت لها عدة مشاركات في مؤتمرات ومنتديات دولية ساهمت من خلالها في توسيع وتوطيد علاقاتها الخارجية والتواصل ونشر رؤيتها حول قضايا الأمة والعلاقات بين الدول والشعوب.

2. دبلوماسيا: تواصل الإخفاق

تعرف العلاقات الخارجية المغربية ضعفا مؤسساتيا وبطئا في الأداء، ويرجع ذلك إلى مشكل بنيوي مزمن ظلت الدبلوماسية المغربية تعاني منه نتيجة تدبير احتكاري من طرف المؤسسة الملكية ومحيطها، مع السماح لبعض الفاعلين السياسيين بلعب أدوار ثانوية. ففي الوقت الذي تغيب فيه معايير الكفاءة في توزيع مناصب السفراء يحضر منطق الريع والتسويات الحزبية، وفي الوقت الذي يضعف فيه الأداء الاحترافي والتخطيط الاستراتيجي يحضر منطق شراء الولاء الدبلوماسي بالمال أو عبر تقديم الامتيازات الاقتصادية على حساب مصلحة الوطن والمواطن.

ولعل أول نتائج ذلك هو استمرار توتر العلاقات مع المحيط؛ فإلى جانب التوتر الدائم مع الجزائر، نجد أن العلاقات المغربية الموريتانية غير مستقرة. فبعد تبادل السفراء بين المغرب وموريتانيا خلال السنة الماضية، الذي ظل مجمدا منذ سنة 2012، عادت الأجواء المتوترة لتسود خلال هذه السنة خاصة بعد الاستقبال الذي خص به كل من الوزير الأول والرئيس الموريتانيين، في لقاءين منفصلين، مبعوثَ جبهة البوليساريو خلال زيارة رسمية إلى موريتانيا، وقد حدث ذلك في الوقت الذي كان الوسيط الأممي، هورستكوهلر، يجري مباحثات مع كل من الجزائر وموريتانيا خلال فبراير 2018 تفعيلا لمقتضيات القرار الأممي 2414 القاضي بإشراك دول الجوار في دعم مجهودات المبعوث الأممي، والدفع بمسلسل المفاوضات.

وبعد عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي واعترافه الضمني بفشل سياسة الكرسي الفارغ التي انتهجها منذ 1984، فإن الرهانات السياسية والدبلوماسية لهذه العودة مازالت معلقة، فيما فُتِحت نقاشاتٌ من داخل الاتحاد ترنو إلى وضع آلية لمعالجة قضية الصحراء، والتدخل من أجل إيجاد حل لها، إذ نص التقرير الذي عرض على رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي خلال قمته ال 31 التي احتضنتها موريتانيا يومي فاتح وثاني يوليوز  2018، على ضرورة أن يدرج الاتحاد الإفريقي عمله في إطار دعم معزز لجهود الأمم المتحدة، من أجل مضاعفة حظوظها في بلوغ هدفها. إلا أن المغرب رفض أي مسلسل إفريقي مواز في تدبير هذه القضية ودعا إلى تكريس أولوية المسلسل الأممي، وهو دليل على ضعف ثقته في الاتحاد الإفريقي نتيجة ضعف موقعه وتأثيره فيه.

وتعرف لجنة القدس جمودا غير مسبوق، وانتكاسةً في مهمتها المحددة في حماية القدس الشريف من خلال التصدي للمخططات الصهيونية الرامية إلى طمس الطابع العربي الإسلامي لهذه المدينة المباركة. هذا في الوقت الذي تعرف فيه قضية القدس منعطفا تاريخيا حاسما، وهجوما صهيونيا وأمريكيا كاسحا يستهدف الوجود التاريخي والحضاري والعقائدي على تلك البقعة المشرفة التي حباها الله تعالى وما حولها بالبركة والتشريف والتقديس، فباستثناء الرسالة التي وجهها ملك المغرب باعتباره رئيسا لهذه اللجنة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخصوص نقل السفارة الأمريكية للقدس، فإن أداء اللجنة كان باهتا وتعاطيها مع الحدث كان هزيلا.

ثانيا/ المحور السياسي:

أضافت بلادنا إلى رصيدها سنة عجفاء أخرى قضتها في دوامة الحلقة المفرغة بفعل سياسات النظام الحاكم. فلم يعد العنوان الوحيد الذي يطبع المشهد السياسي الرسمي، فقط، ما استقر سنين من سلطوية واستبداد يميز القبضة الملكية على مجمل مفاصل السياسة، بل أصبح يزاحمه سؤال فاعلية هذه المؤسسة التي وضعت في يدها كافة الصلاحيات الدستورية والسياسية وكل الممكنات المادية والمالية. وبإزاء هذا الفاعل المهيمن تصطف مؤسسات رسمية كان يفترض أن تنتصب لخدمة المواطن، لكن مسارها المرسوم جعلها هياكل موضوعة للطلب والخدمة، كما أن سلوكها وثقافتها وقواعد عملها وسَمها بالتثاقل والجمود.

1.  المؤسسة الملكية: الحكم لي والمسؤولية عليكم

لقد كررت جماعة العدل والإحسان مرارا القول في وثائقها السياسية المختلفة، إن المؤسسة الملكية في المغرب تحتكر جل السلطات وأهمها، والنص الدستوري الذي تم إقراره سنة 2011 كاشفٌ والممارسة السياسية ناطقةٌ. وبعد أن بيّنا في العديد من تِلْكم الوثائق، من بينها الوثائق الصادرة بمناسبة دستور 2011 والانتخابات التشريعية 2011 و2016 والجماعية 2015، جوهرَ الطبيعة الاستبدادية لنظام الحكم؛ والمتمثلة في استفراد حاكم فرد غير منتخب بالسلطة، إلى جانب حاشيته ومستشاريه، دون إمكانية أية مساءلة أو محاسبة، مقابل منتخبين يوضعون في الواجهة دون قدرة حقيقية على ممارسة السلطة. يكفينا هنا استدعاء عاجل لملمحين تابعين يؤكدان هذا الوضع الذي استمر خلال هذه السنة:

الملمح الأول يتجسد في تضخم ثروة الملك وعائلته، وهو ما يعكسه، من جهة، حجم الأرباح الضخمة التي تحققها شركاتهم المهيمنة على الكثير من القطاعات الاستراتيجية، والتي تجد تفسيرها في حجم الريع والامتيازات التي يتمتعون بها. ومن جهة ثانية حجم الميزانية المرصودة لهم والمقررة رسميا في ميزانية الدولة والتي لا تخضع لأي نقاش لا في قيمتها ولا في تدبيرها. ولعل الرتبة المتقدمة التي يتبوؤها رئيس الدولة، وتتعزز كل عام، بين أغنى ملوك ورؤساء الدول بحسب مجلة “فوربيس” المتخصصة، تكشف حجم الاختلال وعمق التسلط في بلد يعيش الملايين من مواطنيه تحت عتبة الفقر ويرزح في أواخر سلم التنمية البشرية بحسب كافة التقارير الدولية وحتى المحلية. كما أن الصمت المفروض اتجاه هذه الكلفة العالية والثروة المتزايدة على حساب مقدرات البلد ومواطنيه، يؤكد طبيعة النظام ونوعية العلاقة التي تربطه ب”مؤسسات الرقابة”.

الملمح الثاني يتمثل في نزوع خطابات الملك اتجاه باقي الفاعلين نحو تصدير المسؤولية إليهم، فرغم أنه رئيس السلطة التنفيذية وصاحب القول التشريعي النهائي ورأس العديد من أذرع الدولة ومؤسساتها وهياكلها، لا يتردد في التنصل من مسؤوليته تجاه الاختلالات المتعددة ويحملها لتلك المؤسسات التي تتبع له، حتى أصبح من سمات الخطب الملكية إدانة تهاون الأحزاب وتباطؤ البرلمان وتراخي الحكومة وفساد الإدارة… هذا الخطاب -الذي يبدو وكأنه صادر عن المعارضة- يعكس قواعد اللعبة السياسية المنغلقة: الحكم لي والمسؤولية عليكم. وهو ما يطرح سؤال المسؤولية بإزاء احتكار السلطة والثروة، خاصة مع الأسفار المتكررة للملك وغيابه لمدد طويلة عن الساحة الوطنية وتفاعلاتها. ولعل من أبرز الملفات التي ظهر فيها تنصل النظام من المسؤولية وضعف تفاعله في الفترة التي يغطيها هذا التقرير؛ قضية المحاكمات والأحكام القاسية في حق معتقلي حراك الحسيمة وجرادة، وملف مقاطعة عدد من المواد الاستهلاكية إثر الارتفاع الفاحش لكلفة العيش.

لسنا ندعو إلى أن تتدخل سلطة واحدة مهما كانت في كل شيء وتفصل القول في كل شيء، لكن نتساءل -مسايرة للقواعد والمبادئ الدستورية والسياسية المفروضة- عن حجم الفاعلية في مقابل الإمكانيات والاختصاصات المحتكرة.

2.  المؤسسات الرسمية: هياكل تحت الطلب

هذا المشهد الذي يتحكم فيه فاعل مركزي رئيس يحتكر السلطة ويصدّر المسؤولية، تُستكمل صورته بفاعلين ثانويين يُمنحون هامشا من السلطة ويوضعون بقوة القانون والواقع في موقع اللاحق والتابع والخادم. هي هياكل تحت الطلب، تتسابق لخدمة السيّد، ولا تستنكف عن تبرير سلطويته وتعزيزها وتثبيتها، وهو ما اتضح بشكل لا لبس فيه بعد إقرار دستور 2011؛ عبر الانحياز الواضح نحو تنزيلٍ وتأويلٍ وتفسيرٍ يرسخ الاستبداد وينتصر للملكية التنفيذية ويبتعد عن فصل السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما كرسته وما تزال القوانين والقواعد والممارسة.

فالحكومة عاجزة عن ممارسة سلطتها التنفيذية خارج منطق التعليمات والخطط التي تؤشر عليها الجهات العليا، حيث أن البرنامج الحكومي تنتهي صلاحيته بمجرد عرضه على البرلمان، لتصبح الأجندة الحكومية تابعة للبرامج والخطب والتعليمات الملكية. وهذا ما عبر عنه رئيس الحكومة حين صرح عقب الخطاب الملكي لعيد العرش لسنة 2018 قائلا “مباشرة بعد الخطاب الملكي عُقد اجتماع حكومي بالقطاعات المعنية بهدف وضع برنامج تنفيذي”. كما عرفت هذه السنة إعفاء الملك لوزيرين جديدين بعد أن أعفى السنة الماضية أربعة وزراء آخرين دون محاسبة أو متابعة، وأحيانا دون حتى إطلاع الرأي العام على أسباب وخلفيات هذا الإعفاء كما حدث مع وزير الاقتصاد والمالية، حيث اكتفى بلاغ للديوان الملكي بالإشارة إلى أن هذا القرار الملكي يأتي في إطار تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، في حين لم يجد الناطق الرسمي للحكومة ما يفسر به هذا القرار غير قوله “ليس لدي ما أضيفه”، وهي عبارة تقول كل شيء عن موقع الحكومة وحدود اختصاصاتها. ويتأكد هذا العجز الحكومي مع التخبط والارتجال الذي دبرت به الحكومة قرار اعتماد التوقيت الصيفي طيلة السنة وما رافقه من تدابير ارتجالية ومرتبكة وتصريحات متناقضة على مستوى الوزارات في محاولة لأجرأة سريعة لقرار لم تساهم في صياغته فأحرى الإعداد الكافي والناجع لتطبيقه.  

هذه الحكومة التي شاهد الجميع كيف تعيش أحزابها ووزراؤها على إيقاع عدم الانسجام والمناكفات والملاسنات وانتخاب جل مكونات أغلبيتها لمرشح المعارضة إبان انتخاب رئيس مجلس المستشارين! في مشاهد جد معبرة عن طبيعتها وطبيعة الإطار الدستوري والقانوني والسياسي الضاغط والمتحكم الذي تشتغل في ظله.

قبة البرلمان أيضا لازالت أسيرة نمط تقليدي في التدبير والإنجاز، فعلى المستوى الرقابي ليس غريبا أن تجد أن لجنة تقصي حقائق قضية ما، لا تمضي إلى مداها ولا يترتب عن عملها أثر ولا نتيجة، وما تكشّف على لسان رئيس اللجنة الاستطلاعية حول أسعار المحروقات في ماي 2018، والسجال الذي أعقبه بين نواب أحزاب الأغلبية والمعارضة في البرلمان، بقدر ما كشف جشع شركات المحروقات واحتكار هذه المادة وحجم الأرباح التي حققتها السنة المنصرمة واستفادة الشركات الكبرى على حساب المواطن -الذي قيل إن تحرير المحروقات ونظام المقايسة جاء لمصلحته- أظهر المصلحية والتباطؤ الذي يحكم هذه المؤسسة وأعضاءها. كما أن اجتهاد الكثير من البرلمانيين للحفاظ على مكسب التقاعد (تقاعد البرلمانيين) وتسابق فرق الأغلبية كما جل فرق المعارضة إلى تحصين هذا المكسب الشخصي على حساب ميزانية الدولة والمواطن، لتأكيد إضافي على طبيعة أدوار هذه المؤسسة في سياق مطبوع ب”تأمين المصالح” مقابل “تقديم الولاء”.

وعلى المستوى التشريعي يظل البرلمان مجرد غرفة لرجع الصدى، ذلك أن بلادنا تعيش سلطة تشريعية برأسين متفاوتين في الدرجة؛ فالعديد من مشاريع القوانين تمر عبر المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك، كما هو حال مشروع قانون الخدمة العسكرية ومشروع قانون -إطار يتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي اللذين صادق عليهما المجلس الوزاري بتاريخ 20 غشت 2018، مما يجعل مرورها خلال المسطرة التشريعية أمام البرلمان مرورا شكليا ليس إلا.

أما على مستوى السلطة القضائية، فبعد السابع من أكتوبر 2017 تم ترسيم إبعاد النيابة العامة عن المساءلة أمام البرلمان بدعوى الاستقلالية وهو ما أكدته المحكمة الدستورية في قرارها عدد 110 بعلة أن رئيس النيابة العامة أصبح مسؤولا أمام الملك باعتباره السلطة التي عينته، مما سجل على هذا التوجه عدة ملاحظات سلبية، تتمثل في السقوط فيما كان يتخوف منه كثيرون. إذ بدلا من خضوعها لسلطة وزير حزبي أصبحت تخضع لسلطة مخزنية تغولت بها على الكل، وهو ما يجعلها سلطة موازية لسلطة القضاء ولكنها في خدمة المخزن. وهذا ما تكشفه التخوفات التي عبر عنها الكثيرون بعد إقرار استقلالية النيابة ممن دافعوا عن هذا الطرح قبل ذلك، وتؤكده كذلك الممارسات المتزايدة لهذه السلطة التي صارت تشتغل بدون حسيب ولا رقيب طالما أنها تخدم أجندة المخزن، والوقائع بشأن هذا كثيرة مثل الخرجات الإعلامية للنيابة العامة في الكثير من الملفات التي تخرق قرينة البراءة وتتحرك بمنطق الفاعل السياسي.

وما تعيشه المؤسسات الدستورية على المستوى المركزي من سحب للاختصاصات وبطء في الأداء يمتد ليشمل أيضا مجالس الجهات، ذلك أن مشروع الجهوية المتقدمة الذي تم تسويقه كنقلة من أجل التخفيف من التمركز والمركزية ظل مجرد خطاب للترويج الإعلامي، حيث أن مجالس الجهات ورؤساءها لا يمارسون اختصاصاتهم ولا يتمتعون بصلاحياتهم في ظل التحكم الكبير الذي تمارسه وزارة الداخلية في مختلف المجالات القطاعية والجغرافية.

الأمر نفسه يطبع عددا من مؤسسات الحكامة وباقي المؤسسات الدستورية الرسمية، فالمجلس الأعلى للحسابات يصدر بين الفينة والأخرى تقارير تدقق حسابات وتدبير مالية مؤسسات الدولة، ويدين بشكل صريح بعض الاختلال لكن دون أن يترتب عن ذلك أي متابعة أو محاسبة. فمثلا في تقرير المجلس الصادر في ماي 2018 كشف الوضعية المزرية التي تعيشها عدد من مؤسسات الرعاية الاجتماعية التي تعنى بالأشخاص في وضعية صعبة. وفي تقريره السنوي في يوليوز 2018 سجل بعد مراقبة سبع مؤسسات استشفائية نفس اختلالات السنة التي قبلها!! ثم ماذا بعد؟ لا شيء يوقف النزيف ويصلح العطب، وكأن المراد هو التشخيص والتوصيف. ثم لماذا لم تصل يد هذا المجلس الانتقائية لافتحاص حكامة المؤسسات الكبرى مثل المكتب الشريف للفوسفاط، وصندوق الإيداع والتدبير!!!!  

ومجلس المنافسة الذي يفترض أن يحمي المستهلك ويضمن شفافية منافسة الشركات لايزال جامدا منذ انتهاء انتداب أعضائه سنة 2013، ولعل تنديد المواطنين هذه السنة، في سياق المقاطعة الاقتصادية، باحتكار شركات بعينها لمنتوجات أساسية قد وضع هذا المجلس تحت دائرة الضوء الكاشف وفضح وضعه، ما جعل كثيرا من المتتبعين والمهتمين يشيرون إلى وقوف اللوبيات الاقتصادية وراء ذلك في تحالف مكشوف بين السلطة والمال. وهو ما يعزز التحليل الذي نذهب إليه، ويؤكد وضع العطالة والتقليد والجمود مع التبعية وتقديم الخدمة التي تعيشها الكثير من مؤسسات الحكامة ومنها المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومجلس الجالية المغربية بالخارج وغيرهما.

ثالثاً/ المحور الاقتصادي:

1.  السياسات الاقتصادية: فشل التنمية وضعف التنافسية

اقتصادياً، كان العنوان الأبرز لهذه السنة هو إعلان أعلى سلطة في البلاد عن فشل النموذج التنموي المغربي في الاستجابة لانتظارات المغاربة. هذا الفشل أكده من جديد خطاب العرش وأكدته التقارير المتناسلة لمؤسسات الحكامة ذات الصلة. لقد أفرز هذا النموذج ظواهر خطيرة تهدد السلم الاجتماعي بحكم ضعف نجاعة الاستثمار العمومي واستفحال الخروقات في تدبير مالية الدولة إضافة إلى ضعف الاستثمار الخاص بسبب عدم وضوح الرؤية وغياب استراتيجية عمومية في هذا المجال.

كما ولّد هذا النموذج معدلات نمو جد منخفضة وأنتج تفاوتات مجالية واجتماعية كبرى وفوارق على مستوى توزيع الثروة. إذ بلغ معدل البطالة 10,2% وما يقارب 15% بالمدن، في حين بلغت بطالة الشباب بالمدن أكثر من 40%. كما ارتفعت الهشاشة وخاصة بالقرى والأرياف. فالحصول على العمل لا يضمن بالضرورة مستوى لائقا من العيش الكريم، حيث أن 20% من السكان النشيطين المشتغلين لا يتقاضون أجرا و80% منهم لا يتوفرون على تغطية صحية وما يقارب 70% يشتغلون بدون عقد عمل.

وقد كان هذا الفشل منتظرا، بل كان واقعا يستشعره المواطن في عيشه اليومي. فكيف لعمل أصله فاسد أن ينتج واقعا صالحا؟ “إن اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ” (سورة يونس، 81). فمن أهم أسبابه هو أن هذا النموذج التنموي ينطلق من خلفية اقتصادية ريعية تحميها سلطة مستبدة فاسدة تدعم فئة قليلة من الناس لتحقيق أرباح وإنجاز مشاريع، فيما يتم وضع البعدين التنموي والاجتماعي في آخر الاعتبارات.

أما على مستوى مناخ الأعمال وتشجيع الاستثمار الذي يعتبر عنصرا محدِّدا في النمو، مازال المغرب يحتل فيه مراتب متدنية حسب الترتيب الدولي. إذ احتل الرتبة 75 في مؤشر التنافسية للمنتدى الاقتصادي العالمي وبتحسن طفيف عن السنة الماضية احتل الرتبة 60 في تصنيف بيئة الأعمال للبنك الدولي. ووفق هذه المؤسسات، تعتبر الرشوة العائق الأول في تحسين بيئة الأعمال بالمغرب متبوعة بضعف نجاعة الإدارة العمومية. كما أن بعض المؤسسات الدستورية المنوط بها مهمة توفير الظروف الملائمة للاستثمار تعاني من الجمود والبيروقراطية.

في السياق نفسه، وعلى الرغم من انفتاح الاقتصاد المغربي على العالم وتوقيع المغرب على عدد من اتفاقيات التبادل الحر مع بعض الدول والمجموعات الاقتصادية، مازال المغرب يعاني من ضعف كبير على مستوى تنافسية الاقتصاد الوطني، حيث استمر تدهور عجز الميزان التجاري (188,8 مليار درهم)، بسبب ضعف العرض التصديري وتركيز الصادرات تجاه المناطق الاقتصادية ذات النمو المنخفض وارتهان المغرب للسوق الأوربي. وهذا ما يشكل ضغطا على التوازنات المالية الخارجية للمغرب ويؤثر سلبا على أداء الاقتصاد الوطني.  

وجدد المغرب والاتحاد الأوروبي اتفاقية الصيد البحري في 20 يوليوز 2018 مما أتاح لسفن 11 بلدا أوروبيا استمرار الصيد في المنطقة البحرية المغربية، مقابل مساهمة اقتصادية أوروبية سنوية لا تتعدى 52 مليون يورو، وهو رقم ضعيف إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الأضرار البيئية واستنزاف الثروة السمكية للمغرب ما أدى إلى انقراض عدد من الأنواع التي تحضر الاتفاقية صيدها، ذلك أن ضعف المراقبة والمتابعة أتاح للأساطيل الأوربية خرق البنود التي تمنع ذلك. ويبدو أن هذه الاتفاقية تحكمها الخلفية السياسية على حساب مصلحة الاقتصاد أو البيئة أو التنمية المستدامة أو حسن تدبير الثروة الوطنية.

كما استمرت تفاعلات قرار تحرير سعر صرف الدرهم، وما رافقه من تخبط وارتجال وتضارب الأدوار بين السلطات الاقتصادية والمالية في البلاد، خاصة بعدما تم التأجيل ثم الإعلان بشكل مفاجئ عن العمل بالنظام الجديد. ويندرج هذا القرار في إطار نفس مسلسل رفع الدعم عن المواد الأساسية وتحرير قطاع المحروقات، وما نتج عنه من تحقيق الشركات الكبرى لأرباح خيالية على حساب القدرة الشرائية للمواطنين. كل هذا تم تنفيذا لتوصيات المؤسسات المالية الدولية التي أوصت المغرب بإعادة تموقع دور الدولة أساسا في الوظائف التقليدية والتراجع عن دورها في القطاعات الاجتماعية الحيوية كالصحة والتعليم.

من جهة أخرى، سجل المغرب مستويات قياسية على مستوى الدين العمومي الإجمالي إذ بلغ أكثر من 970 مليار درهم أي حوالي 93% من الناتج الداخلي الخام دون اعتبار الديون المستحقة للقطاع الخاص على الدولة ومؤسساتها. في حين عرف الدين العمومي الخارجي منعطفا خطيرا انعكس سلبا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والذي يكاد المغرب أن يفقد معه هامش المناورة. يحدث هذا، في الوقت الذي ارتفعت فيه الأسعار بشكل مضطرد وخاصة أسعار المواد الأساسية، وعرف فيه التضريب مستويات قياسية أضعفت معها القدرة الشرائية للمواطنين وأثقلت كاهل المقاولات وحَدّت من إمكانية توسيع استثماراتها ومن ضمان استمراريتها.

وفي هذا السياق، ارتفع عدد الشركات المفلسة إلى 8045 مقاولة ما بين 2013 و2017. وبهذا يحتل المغرب المرتبة الثالثة عالميا من حيث إفلاس الشركات. هذا الواقع يكذب الخطاب الرسمي الذي يروج لتحسن بيئة الأعمال بالمغرب ولتشجيع إحداث المقاولات، ويتكتم عن وتيرة إفلاسها.

2.  المقاطعة الاقتصادية: صرخة جديدة في وجه الريع

عرفت هذه المرحلة حركة مقاطعة منتوجات من طرف فئات واسعة من المغاربة، همت مجموعات اقتصادية كبرى تنشط في قطاعات المحروقات والصناعات الغذائية؛ وذلك احتجاجاً على ارتفاع أسعار هذه المنتوجات واتساع هوامش ربح تلك الشركات.

فبالنسبة لقطاع المحروقات، وبعد اللجوء إلى رفع الدعم كليا نهاية سنة 2015 التزاما بتوصيات المؤسسات المالية الدولية المانحة، لم تعمد الدولة إلى وضع آليات موازية لمراقبة الأسعار وهوامش الربح ارتباطا بالسوق الدولية. وأمام تجميد دور مجلس المنافسة، وجد المغاربة أنفسهم أمام ارتفاع غير مبرر للأسعار وهامش أرباح الشركات هددا بشكل مباشر القدرة الشرائية للمواطنين، وزاد من احتقان الشارع.

وأمام هذا الاحتجاج النوعي غير المسبوق، وعوض أن تلجأ السلطة إلى معالجة اقتصادية للظاهرة، عبر القبول بحل تجاري تلجأ إليه الشركات المعنية، عمدت إلى تسييس الموضوع وتفويت فرصة هذا الحل الذي يتناغم مع المنطق الذي يحكم سلوك الفاعلين الاقتصاديين في سوق حرة ومفتوحة. بل أكثر من هذا، لجأ بعض أعضاء الحكومة إلى تأجيج غضب الشارع عبر إطلاق تصريحات غير مسؤولة واصطف بعضهم إلى جانب بعض الشركات المقاطعة.

وتعرف مصفاة “سامير” الوحيدة أزمة كبيرة لم تكن لتحدث لولا لجوء السلطات سنة 1997 وبتوجيه من المانحين الدوليين إلى خوصصتها، ورهنها لمستثمر أجنبي يحكمه منطق الربح والخسارة مع مستقبل البلد وأمنه الطاقي. وفي سنة 2016، أعلن هذا الفاعل في قطاع المحروقات عن صعوبات مالية عجلت بإفلاسه. فتوقفت هذه المصفاة كليا عن الإنتاج وعهد إلى شركات خاصة استيراد وتوزيع مواد المحروقات. وبذلك تحكمت لوبيات كبرى في كل مراحل السوق بتواطؤ مكشوف من السلطة، بل بتحالف من يملكون الثروة والسلطة في الآن نفسه. فيما ضاعت حقوق عمال هذا القطاع الحيوي بين مطرقة الفساد وسندان الريع رغم النضالات النقابية التي خاضوها.

رابعاً/ المحور الاجتماعي:

شهد المغرب هذه السنة استمرار السلطة في رهن البلاد للتوجيهات الخارجية والتمادي في نهج السياسات التقشفية وضرب التوازنات الاجتماعية واستهداف الخدمات الحيوية بعيدا عن آلية الحوار الاجتماعي والإشراك المجتمعي، والاستخفاف بكل النداءات والصرخات التي بُحَّت بها أصوات المواطنين منددة بالإجهاز على الحقوق وضرب أنظمة الحماية الاجتماعية والمطالب والحاجيات الشعبية خاصة للفئات المعزولة بالبوادي التي يسائل وضعها إخفاقات برامج وميزانيات تنمية العالم القروي، أو الفئات التي تعاني وسط أحياء الصفيح وتكتوي من ضعف البنيات وبطء وسوء تدبير مشاريع إعادة الإسكان. 

1.  التعليم: ماذا بعد إعلان الفشل؟

لقد اعتقد الكثيرون أنه، وبعد الاعتراف الرسمي والصريح من أعلى هرم السلطة بأزمة التعليم وفشل مشاريع إصلاحه، أن يتم الانخراط بجدية وصدق ومسؤولية في استئصال مكامن الداء وبحث سبل الدواء، بيد أن الواقع، الذي لا يرتفع، أكد بالواضح الملموس أن أصحاب القرار السياسي والتربوي بهذا البلد اختاروا الاختباء وراء سياسة الانتقاد والتقريع وهدر الجهود والموارد والفرص في إصلاح الإصلاح وترميم الواجهات عوض التصدي للإشكالات الحقيقية والاختلالات العميقة للمنظومة التعليمية.

ولم تخرج الخطابات الملكية لهذه السنة عن هذه القاعدة، بل كرست منطق الهروب إلى الإمام عبر عرض المؤشرات المقلقة وتحميل المُدبرين التنفيذيين مسؤولية التأخر في تنزيل مقتضيات الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 رغم انصرام ثلاث سنوات من أمدها. حيث مازالت كل مؤشرات المستوى التعليمي والهدر المدرسي وتكافؤ الفرص تضع المغرب في آخر الترتيب خلف دول تعيش حالة حروب وصراعات دموية. فحسب مؤشر التعليم العالي والتدريب لعام 2017/2018 الذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي وفقا لمعايير أهمها جودة نظام التعليم ومعدل الالتحاق بالتعليم العالي والثانوي ومستوى تعلم الرياضيات والعلوم وإدارة المؤسسات التعليمية، فإن المغرب يحتل الرتبة 101 من بين 137 دولة حول العالم، والرتبة 12 من بين 14 دولة عربية. كما أظهرت إحصائيات تقرير المجلس الأعلى للتعليم لسنة 2017 أن نزيف الانقطاع لازال مستمرا حيث غادر مقاعد الدراسة خلال الموسم الماضي أكثر من ربع مليون متعلم ومتعلمة (279177 تلميذ) وتجاوزت نسب الانقطاع في الابتدائي 4.8% وفاقت 23% بالثانية بكالوريا.

التقارير نفسها أعلنت عن فشل منظومة التوجيه وإعادة الإدماج الدراسي وأكدت على العجز عن تحقيق الإنصاف المدرسي وإدماج التلاميذ في وضعية صعبة وغياب مشروع حقيقي لتطوير المناهج والنماذج البيداغوجية وغياب رؤية جدية وفعالة للارتقاء بالأطر التربوية والإدارية وربط التعليم بالتنمية. فضلا عن استمرار غياب الجامعات المغربية عن لائحة الألف الأوائل عالميا وفق تصنيف شنغاي بسبب أعطابها البنيوية وهزالة البحث العلمي فيها.

هذه المؤشرات ليست جديدة على واقع التعليم ببلادنا إلا أنها تحمل دلالة إزاء استمرار التلاعب بهذا القطاع الاستراتيجي في نهضة البلاد، خاصة أن الدولة ماضية في برامجها الارتجالية التي لا تزيد الوضع إلا تأزما وتعقيدا. فبدل أن تضع أسس بناء منظومة تعليمية تراعي مقومات الهوية المغربية وأبعادها الحضارية وتستجيب والأوضاع للحاجات الاجتماعية والاقتصادية وتستحضر انتظارات الأسر وتطلعات الأجيال، نجدها مع مطلع الموسم الدراسي 2018/2019 تصدمهم بتسريب “الدارجة العامية” إلى بعض مقررات الابتدائي والتضييق على اللغة العربية باعتبارها لغة لتدريس جميع المواد. فضلا عن مصادقة المجلس الوزاري على مشروع القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي الذي يحمل بين بنوده إلغاء المجانية تحت مسمى تنويع مصادر تمويل التعليم وتوسيع استعمال اللغة الفرنسية في التدريس وضرب الوظيفة العمومية. في الوقت الذي تطفو فيه بين الفينة والأخرى نجاحات لأطفال وشباب مغاربة في المسابقات العلمية أو تلك الخاصة باللغة العربية وحصولهم على الرتب الأولى دوليا بمجهودات فردية أسرية وبدعم من أساتذتهم المتفانين رغم الصعوبات والإكراهات، وهو ما يكشف عن حجم ما تختزنه بلادنا من الطاقات الكامنة والإمكانيات المهدورة التي تضيع بسبب غياب الإرادة السياسية لإصلاح حقيقي وسوء تدبير قطاع التعليم.

وقد كان تفاعل قطاع التعليم لجماعة العدل والإحسان مع هذا الواقع مستمرا من خلال تشخيصاته ومواقفه وحضوره في مختلف المواقف النضالية والملفات المطلبية (الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، الدفاع عن مجانية التعليم، ملف الترسيبات والإعفاءات، ضحايا النظامين، ضحايا الحركة الانتقالية، مسلك الإدارة،….)، ثم من خلال مجهوده في بناء جبهة وطنية للدفاع عن التعليم العمومي.

2.  الصحة: الجرح المزمن

عرف العرض الصحي خلال هذه السنة استمرارا في التردي إذ لم يعد يخفى على المواطن العجز الواضح في توفير الخدمات الصحية، مما بوأ المغرب الرتبة الذيلية في هذا المجال سواء من حيث الجودة والمعدات أو من حيث تغطية الأطباء والممرضين للساكنة متخلفا بكثير عن دول الجوار.

وقد شهدت هذه السنة إصابة عدد من الأطباء الداخليين والممرضين بداء السل بمصلحة المستعجلات بمستشفى الرازي التابع للمركز الاستشفائي الجامعي بمراكش نظرا لغياب معايير بناء المستشفيات وعدم توفير، على الأقل، التهوية الطبيعية مما ساهم في انتقال العدوى لكثير من المواطنين المرتفقين ومقدمي العلاج على حد سواء. كما استمرت الدولة في سياسة تقويض المرفق الصحي العمومي وتشجيع المؤسسات الصحية الريعية التي تقتات على حساب المراكز الاستشفائية العمومية والتي نتج عنها تهجير الكثير من أطباء القطاع العام نحو القطاع الخاص.

وتعكس بعض الدراسات الإحصائية مزيدا من الارتفاع في عدد من الأمراض المزمنة غير الوبائية نظرا لغياب رؤية شمولية طبية نفسية واجتماعية تشتغل على محددات الصحة والتدابير الوقائية. كما تم تسجيل عودة غير اعتيادية لأمراض الفقر والأوبئة كمرض اللشمانيات الذي غزا جنوب المغرب والمغرب الشرقي وسط احتجاجات المواطنين. ورغم الاحتفاء بالإحصائيات الرسمية التي تدعي خفض معدل وفيات الأمهات الحوامل والأطفال دون سن الخامسة فإن ذلك يفتقد للمصداقية نظرا لما تعيشه الوضعية المزرية لمتابعة الحمل والوضع ولغياب أبحاث محايدة ومستقلة.

أمام هذا الوضع المتردي، عرف المشهد الصحي احتقانا شديدا حيث خاضت الأطر الصحية بكل فئاتها (الأساتذة الأطباء، أطباء القطاع العام، أطباء القطاع الخاص، الممرضون، أطباء الأسنان، الصيادلة…) وبمختلف المراكز والمواقع، حركات احتجاجية تعبيرا عما لحقها من ظلم وعسف. فضلا عن مواقف ونضالات مجموعة من الأطر الصحية التي تعرضت للاستهداف بسبب تأدية واجبها المهني وفضحها للوبيات الفساد بالقطاع.

في هذا السياق كان لقطاع الصحة لجماعة العدل والاحسان، الى جانب مختلف الهيئات الصحية والضمائر الحية ومختلف الغيورين على صحة المواطن، مساهمات في مختلف المواقف النضالية والمهنية والمناسبات التأطيرية والاقتراحية والتطوعية، دفاعا عن الخدمة الصحية العمومية وضد المتاجرة في صحة المواطنين.

إن الأزمة التي يعاني منها قطاع الصحة ومنذ عقود، هي أزمة بنيوية أساسها غياب إرادة سياسية واجتماعية حقيقية تعطي القطاع مكانته الاستراتيجية وترصد له كل الإمكانات المادية والتقنية والموارد البشرية وتؤهل المنظومة القانونية وفق المعايير الحديثة لكي يكون القطاع رافعة للحفاظ على صحة المواطنين بكل أبعادها الجسدية والنفسية والاجتماعية.

3.  الحوار الاجتماعي: حوار معلق ومأسسة غائبة

ارتسمت على المشهد العمالي معالم قاتمة عن أوضاع الانتهاك المستمر لحقوق الشغيلة وضرب مكتسباتها التاريخية، واستهداف العيش اليومي والاستقرار الاجتماعي، مما زاد من معاناة الفئات المنتجة وفتح الأبواب مترعة أمام منطق الاستعباد ونظام السخرة وعقود الإذعان.

ولقد كانت حصيلة ما سمي بالحوار الاجتماعي محبطة للجميع ومخيبة للآمال، إذ لم تسفر اللقاءات التي أجرتها الحكومة مع المركزيات النقابية وممثلي المقاولات إلا عن بيانات إعلان فشل الحوار وتبادل الاتهامات عن مسؤولية إفشاله، فجاء العرض الذي تقدمت به الحكومة هزيلا للغاية ومحبطا لآمال الشغيلة وحمل تراجعات خطيرة، واعتبر استفزازا للطبقة العمالية واستهتارا بمطالبها العادلة والمشروعة ودفعا في مزيد من الاحتقان الشعبي … فكانت النتيجة حوارا بدون مخرجات نتيجة غياب الجدية والجدوى. في الوقت الذي تعاني فيه الشغيلة من تداعيات السياسات العمومية في مجال التشغيل مع التضييق على العمل النقابي.

بالمقابل عكست صورة العمل النقابي، مشهدا مؤسفا وتشتتا مستفحلا زاد من تأزيم الوضع الاجتماعي للبلاد، ومكّن للسياسات الحكومية من التغول في استنزاف الحقوق والإمعان في ضرب المكتسبات. إن تشرذم الجسم النقابي وانشغاله بقضايا جزئية ومعارك هامشية، أفرز عزوفا ملحوظا عن العمل وانكماشا في الفعل النقابي عبّر عن نفسه من خلال المحطات النضالية التي أضحت في عمومها محتشمة (الإضرابات العامة، مسيرات فاتح ماي، المسيرات الوطنية، هشاشة مبادرات التنسيق النقابي …) مقابل تنامي التنسيقيات الفئوية.

ولقد ترسخ لدى القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان اقتناع بأهمية بناء جسور التواصل والاشتغال على المشترك النضالي وزرع الثقة بين مختلف مكونات المشهد النقابي، تشهد على ذلك كل النداءات والبيانات والمبادرات التي أطلقها خلال هذه السنة والتي توجت بالقافلة النقابية في نسختها الثانية والتي حملت شعار: “من أجل فعل نقابي وحدوي ومساهم في التغيير”. بالإضافة إلى سعي أعضائه، الذين يناضلون ضمن مختلف الهيئات النقابية المهنية والمستقلة، إلى لم شمل الجسم النقابي وتهيئة أجواء الحوار النقابي والعمل الوحدوي، مقدمة لجبهة نقابية موحدة تنفتح على مختلف الحساسيات النضالية وكافة المناضلين والغيورين من أبناء الوطن، وتلتحم أكثر بهموم الشعب المغربي وقضاياه ونضالاته العادلة والمشروعة، جبهة مناضلة تكون في مستوى واجب المرحلة وحجم التضحيات والمخططات التي تواجهها. 

خامساً/”الشأن الديني” والثقافي:

1.  “الشأن الديني”: احتكار وتأميم

تواصل السلطة سياستها في احتكار الدين وتأميم المساجد واستغلال مداخيل الأوقاف دون مراقبة وتوجيه خطب الجمعة وتسييسها في اتجاه خدمة الاستبداد وتبرير الفساد. كما تستمر في استخدام المساجد وسيلةَ صراعٍ سياسي لتخوين الاحتجاجات وتشويه المعارضين، مع تكميم الأفواه وإعدام الرأي المخالف عبر عزل عدد من الأئمة ومنع آخرين من إلقاء الدروس المسجدية، مقابل غض الطرف عن جهات مشبوهة تحاول النيل من مقدسات الشعب ودينه وتهدد أمنه الروحي، حيث تفتح مجالات الإعلام الرسمي أمام أنشطتها وصوتها النشاز لتستمر في استهداف قيم المجتمع ومبادئه. فيما تشتغل الدعاية للنظام السياسي من على المنابر متجاهلة قول الله تعالى “وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا” (سورة الجن، 18).

ومن أبرز ما عرفته هذه السنة، وبات فضيحة عالمية، الفساد الطافح في تدبير حج المغاربة حيث يسجل غلاء الكلفة مقابل سوء الخدمات أكلا وشربا وتنقلا وتطبيبا وسكنا وتأطيرا وتوجيها للحجاج. وقد نتج عن هذا الاستهتار معاناة حقيقية مست على وجه الخصوص كبار السن والأميين وذوي الاحتياجات الخاصة الذين وقفوا عاجزين تائهين وسط الجموع، بل منهم من فوت ركنا أساسيا من أركان الحج، ولم تفتح الوزارة المعنية أي تحقيق أو بحث لتحديد المسؤوليات وما يترتب عليها من مساءلة ومحاسبة وعقاب.

من جهة أخرى تم منع عشرات المغاربة من اعتكاف العشر الأواخر من رمضان بالمساجد إحياء لهذه السنة النبوية العظيمة، حيث تم إخراجهم بالقوة من معتكفاتهم في تناقض مع الادعاء الرسمي بكون الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا (سورة البقرة، 114).

2.  الشأن الثقافي: تمييع وتسطيح  

من اللافت للأنظار المساهمة الرسمية للسلطة في نشر خطاب مغالط حول اللغة العربية مقابل تشجيع غير بريء للدارجة المغربية، مع ما يتضمنه ذلك من تفتيت لمقومات الهوية المغربية، في تناقض صارخ حتى مع منطوق الدستور الذي وُضع على أعين السلطة وبيديها. ويزداد الأمر انتشارا في الإعلام والتعليم، من خلال التضييق على العربية اللغة الرسمية للبلاد تارة بتعميم الفرنسية في التعليم وعبر آليات صناعة النخب، وتارة أخرى عبر فتح نقاشات يائسة تروم تقديم دارجة عامية بديلا عن لغة عربية فصحى وسامية.

أما على المستوى الفني فما تزال الأطر المرجعية الناظمة للسياسات العمومية غارقة في الرؤية السلطوية التقليدية للمجال الثقافي، الذي يفسر الانفراد في التدبير وتغييب الإشراك اللازم، وغياب رؤية استراتيجية في التعاطي مع الشأن الثقافي والفني، وذلك من خلال الانطلاق من نظرة دونية للقطاع الثقافي والفني واعتباره مجالا ثانويا في عملية التنمية الشاملة المطلوبة وقطاعا غير منتج، مما ينعكس على الأدوار الهامشية التي تطلب منه، وهي عموما ذات طابع تبريري تزييني مدحي لواقع الفساد والاستبداد، أو هي محصورة ومحاصرة في مراتب ومواضع لا ترقى إلى التأثير المطلوب في مسار المجتمع وقيمه. حيث يتم اعتماد منطق الريع في نسبة معتبرة من الأنشطة والمشاريع الثقافية، وكذا في احتواء المثقفين وتشجيع التفاهة، من خلال إقصاء وتهميش الرموز الثقافية والفنية الجادة في مقابل ترميز وتلميع نماذج الثقافة الجوفاء والسطحية عبر احتضان وتفريخ المهرجانات، وغلبة الرؤية الكمية على حساب النوعية والجدوى، وتبذير ملايين الدراهم على سويعات من السهرات الغنائية للرقص على جراح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة التي يرزح تحت وطأتها المواطنون، الذين عبروا عن سخطهم من استهتار السلطة بهم وبمعاناتهم من خلال مقاطعة تلك المهرجانات بشكل كبير فاجأ المنظمين والمشاركين على السواء.

أما على مستوى المؤسسات الثقافية فيتم تسجيل بطء كبير في عملية تقريبها من المواطنين، وفراغ تدبيري وتجهيزي وتكويني يحد من فاعلية تلك المؤسسات، ويجعل أغلبها يدور في أشكال روتينية لا ترقى إلى المستوى التأطيري وجودة الخدمات الثقافية المرجوة، بله الرهان عليها في خلق دينامية ثقافية وفنية مدمجة في رهان تنموي واضح وناجز.

سادساً/ المحور الحقوقي:

أبدت جل المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية قلقها الشديد حيال ما وصفته بالأوضاع الحقوقية الخطيرة التي يشهدها المغرب، فبدل أن تبادر السلطة إلى معالجة أسباب السخط والاحتجاجات السلمية والأصوات المتعالية المطالبة بالعدالة الاجتماعية والحريات العامة، لجأت إلى استعمال أساليب تمس بشكل كبير حقوق الإنسان كالاعتقال والتضييق على حرية التعبير وفرض قيود على المنابر الإعلامية ومحاكمة الصحفيين والمدونين والحقوقيين والنشطاء المنتقدين لسياسات الدولة أو الناشرين لأنباء عن انتهاكات لحقوق الإنسان أو فساد أو المشاركين في احتجاجات شعبية. أما الحق في المعلومة فما يزال حبيس النصوص للتسويق الخارجي ولا تجد لها مكانا للتنزيل على واقع المغرب، ولعل أكبر الشواهد على ذلك التحقيقات حول بعض الأحداث المجتمعية، آخرها الحادث الأليم لقطار بوقنادل، والتي تفتح حولها تحقيقات لا تتاح حيثياتها وتفاصيلها للمواطن وتغلق إما بالرهان على الزمن للنسيان أو البحث عن كبش فداء بعيدا عن المسؤولين الكبار. وثاني مثال على غياب الحق في المعلومة هي اللجان التي تستحدث لإنجاز دراسات حول قضايا هامة ولا يتم إطلاع الرأي العام عن تفاصيل ومعايير وعينات الدراسة التي تتخذ مسوغا لفرض تشريعات وقوانين وسياسات تمس المواطن، ولعل آخر مثال في هذا الباب قرار اعتماد التوقيت الصيفي طيلة السنة دون إطلاع المواطن على نتائج الدراسة التي قيل أنه استند إليها في هذا القرار الذي استهجنه المغاربة لما يخلفه من نتائج سلبية على المستويات النفسية والاقتصادية والاجتماعية.

1.  الحراك الشعبي: اعتقالات واسعة ومحاكمات جائرة

تجاوز عدد معتقلي الريف وجرادة 700 معتقل، أغلبهم يحاكمون بدائرة نفوذ استئنافية الحسيمة، البيضاء، وجدة، وجلهم ينتمون إلى فئة الشباب. وقد سجلت منظمات حقوقية وهيئات دفاعهم أثناء سريان اعتقالهم ومحاكماتهم باستعمال القمع الشرس مما أدىإلى وفاة الشاب عماد العتابي، إلى جانب تعريضهم للتعذيب والعنف ولممارسات حاطة وماسة بالكرامة أثناء إيقافهم والتحقيق معهم، فضلا عن غياب ضمانات وشروط المحاكمة العادلة، بدء من تعريض هيئة دفاعهم لعدة مضايقات وضغوطات عبر الاستهداف والتهديد، مما شكل انتهاكا صارخا لحصانة الدفاع. كما تم تسجيل استخفاف النيابة العامة وقاضي التحقيق والمحكمة بحرية المعتقلين من خلال غياب المبررات الموضوعية والقانونية لإخضاعهم للإجراءات السالبة للحرية، وعدم تفاعلهم مع الدفوع الشكلية التي أثارها دفاعهم في اتجاه إبطال المحاضر والمساطر المنجزة في حقهم وسقوط المتابعات لكونها أنجزت خارج إطار القانون، وعدم التزام المحكمة بالحياد التام والاستخفاف بقرينة البراءة، مما يجعل السياسة الجنائية تسير نحو أفق مجهول حيث تطرح علامات استفهام حول موقع مؤسسة النيابة العامة بين باقي المؤسسات القضائية الأخرى، وخاصة مؤسسة الضابطة القضائية ومديرية حماية التراب الوطني، سواء على مستوى ضمانات تطبيقها وتقيدها بالقانون، أو مدى حرصها  على الأمن القانوني والقضائي للمواطن. ومما يؤكد على أن ملف اعتقال نشطاء الحسيمة وجرادة سياسي وليس قانونيا هو العفو الذي أصدره الملك علن 54 من المعتقلين.

كما يسجل عدم إنشاء آلية وطنية للوقاية من التعذيب بعد، فما زالت المحاكم تستند إلى أقوال أدلى بها الضحايا أثناء الاحتجاز في غياب محام من أجل إدانتهم دون إجراء تحقيقات كافية ووافية في الادعاءات القائلة بأن هذه الأقوال انتزعت بالإكراه من خلال التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، إضافة إلى استمرار الإفلات من العقاب بتقاعس السلطة عن اتخاذ أي خطوات نحو التصدي لهاته الظاهرة.

وبالمقاربة الأمنية نفسها تعاملت السلطة مع قضايا أخرى من مختلف المناطق الجغرافية والفئات العمرية، منها مثلا الاعتقالات والمحاكمات التي تعرض لها عدد من المحتجين فيما عرف بانتفاضة العطش بمدينة زاكورة، والتضييقات التي تمارسها السلطات على العمل النقابي والثقافي لطلاب المغرب، والذي تمثلت هذه السنة في ملفات قضائية مصطنعة، لطلبة كل من الجديدة وطنجة وفاس نموذجا.

وإيمانا منها بعدالة القضية وإسهاما في إشاعة ثقافة التضامن فقد تعاطت جماعة العدل والإحسان مع هذا المشهد الحقوقي، من خلال تمثيلها الوازن والفعال في هيئات الدفاع بجل الملفات الحقوقية الرائجة بالمحاكم الوطنية، حيث تعد الجلسات بالمئات، ومن خلال مشاركتها في التظاهرات والوقفات التضامنية مع المعتقلين أبرزها المسيرتين الشعبيتين بالرباط بتاريخ 11 يونيو 2017 و15 يوليوز 2018، ناهيك عن التضامن الحقوقي من خلال البيانات المؤازرة الصادرة عن مؤسسات الجماعة المركزية وكذا الدعم الاجتماعي لأسر المعتقلين من خلال العضوية الفاعلة بلجن دعم عائلات المعتقلين، إلى جانب التغطية والمواكبة الإعلامية لجل الملفات والقضايا الحقوقية في اتجاه نصرة المظلوم وفضح الوجه الكالح للمخزن تحقيقا لهدف تقويض أركان الفساد والاستبداد.

2.  الإعلام: التضييق على حرية الرأي والصحافة

واصلت السلطات تشديد القيود على حرية الرأي والتعبير والحقوق والحريات المرتبطة بها، وعلى رأسها الحق في الوصول إلى المعلومة وتداولها بعد  صدور قانون 31.13 المخيب للآمال، كما استمرت في مقاربتها الأمنية بتفعيل متابعة الصحافيين بقوانين غير قانون الصحافة والنشر تضمنها القانون الجنائي الذي يتضمن عقوبات سالبة للحرية، وهو ما يكشف خلفيات السلطة التضييقية على الصحافة، ويفضح حقيقة قانون الصحافة والنشر الذي بشر به حين صدوره باعتباره خال من العقوبات الحبسية، والتستر على أن هذا القانون يفتح الباب لمتابعة الصحافيين بقوانين أخرى.. وهو ما تكرر مع متابعة صحافيين بالقانون الجنائي بالقانون التنظيمي للجان تقصي الحقائق. واستمر كذلك التحكم في الخطوط التحريرية من خلال سلاح الدعم والاشهار والضغط على بعض المستشهرين.

فحسب تقرير لمنظمة مراسلون بلا حدود فإن المغرب يقبع في الرتبة 135 في مؤشر حرية الصحافة؛ حيث بينت تظاهرات “حراك الريف” مدى الصعوبات التي يتعرض لها الصحافيون المغاربة والأجانب في محاولة تغطية أي مواضيع تعتبر من المحرمات، في هذا السياق تم اعتقال 14 صحافيا أواخر السنة المنصرمة، كما تم ترحيل عدد من الصحافيين الأجانب.

وقد جاء الارتباك في تأسيس المجلس الوطني للصحافة، وما صاحبه من جدل ومن محاولات للتحكم والضبط، ليعكس حجم التخبط الذي يعرفه القطاع، وإخفاق السلطة في استكمال حلقات الضبط التشريعي والتنظيمي للسلطة الرابعة.

ولم تختلف سنة 2018 عن سابقاتها بخصوص التحكم في الإعلام العمومي من خلال حرمان المعارضين السياسيين من التعبير عن آرائهم، وإبداء مواقفهم وانتقاداتهم وتقويمهم للسياسات الرسمية في مختلف المجالات، فرغم أن الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري “الهاكا” أصدرت بتاريخ 7 يونيو 2018 قرارا ينظم التعبير التعددي لتيارات الفكر والرأي في خدمات الاتصال السمعي البصري خارج فترات الانتخابات العامة والاستفتاءات، إلا أن واقع الحال تمثل في استمرار الاستفراد بالإعلام العمومي وفرض الرأي الوحيد ومنع كل الفاعلين الذين يعبرون خارج “النسق الرسمي” من التعبير عن آرائهم.

كما يسجل استمرار تحكم منطق الريع في الإنتاج الإعلامي العمومي؛ إذ تحولت “دفاتر تحملات” القنوات العمومية من آلية تنافسية إلى أسلوب لتبييض عملية تفويت البرامج والإنتاجات إلى شركات محدودة تقتسم كعكة الإنتاج. واقع دفع، من جهة، بعدد كبير من شركات الإنتاج إلى الإفلاس، ومن جهة ثانية إلى استمرار حالة تردي المنتوج الإعلامي بعيدا عن تطلعات الجمهور وحاجته إلى إعلام يلامس الواقع والقضايا الحقيقة التي يعيشها المواطن، ويرتقي بالبلد ويساهم في نهضتها. بل وعلى العكس من ذلك تزايدت حدة استهداف قيم وهوية المجتمع المغربي في ظل ازدياد مظاهر الإسفاف والابتذال.

3.  الحق في العمل الجمعوي: بين المنع والريع

على نحو أكثر واقعية وصرامة وصفت تقارير المنظمات الدولية الوضعية الحقوقية لجمعيات المغرب خلال سنة 2017 بالصعبة، وأن الحق في تأسيس الجمعيات لازال خاضعا لمنطق التحكم، ذلك أن المسؤولين يواصلون منع الجمعيات من الحق في النشاط والتأسيس والتجديد، “كالعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان” و”الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” نموذجا.

كما أكدت المنظمات الدولية أن المجتمع المدني يخضع للمضايقات القانونية ولقيود السفر وغيرها من القيود التي تحول دون عملها، فقد منعت السلطة في يوليوز 2018 جمعية وطنية من تنظيم مخيم للأطفال بسبب الانتماء السياسي لآباء بعض المشاركين فيه منتهكة بذلك حقوق الطفل في الاستجمام والترفيه، وحق الجمعية في النشاط والتنظيم. ولا تزال العديد من الجمعيات المحسوبة أو المقربة من جماعة العدل والإحسان، تعاني من المنع من مزاولة أنشطتها بدون مبرر قانوني، فمازالت الأجهزة المخزنية تمنع مئات الجمعيات الثقافية، الاجتماعية، التضامنية، التنموية والشبابية من حقها في التأسيس أو النشاط العادي، وهذا يكرس بطبيعة الحال واقع الاستبداد وقمع الحريات ويؤكد تشبث السلطة بخيار الضبط مفتاحا محوريا لمحاصرة كل فعل جمعوي لا ترغب بوجوده أو امتداده.

4.  العدل والإحسان: ملف حقوقي مستمر

لازالت الملفات الحقوقية التي تهم جماعة العدل والإحسان مفتوحة، فبالإضافة إلى الحصار والتضييق ومصادرة حقوقها في التنظيم والتعبير، لازالت بيوت بعض أعضائها مشمعة وعلى رأسها بيت أمينها العام الأستاذ محمد عبادي، ولازال المعتقل السياسي عمر محب يقضي مدة 10 سنوات سجنا ظلما في ملف فارغ قانونيا، فضلا عن محاولات إقبار ملف الشهيد كمال عماري ومعه إقبار الحقيقة في تورط السلطات في مقتله.

من جهة أخرى لازالت حملة الإعفاءات من مهام بالوظيفة العمومية التي تعرض لها عشرات الأطر من نشطاءجماعة العدل والإحسان بخلفية انتمائهم السياسي، تثير نقاشا ساخنا وحادا في الوسط الحقوقي والمشهد السياسي. حيث تمكنت اللجنة الوطنية لمساندة المتضررين من الإعفاءات التعسفية من الترافع عن الملف أمام الفرق البرلمانية بغرفتي مجلس المستشارين ومجلس النواب فضلا عن مراسلة الآليات الأممية قصد فضح وإسقاط قرارات الإعفاءات التعسفية التي اتخذتها الدولة خارقة بذلك كل المواثيق والقوانين والمقتضيات المتعلقة بالحماية القانونية والإدارية للموظف.

كما سلكت هيأة الدفاع المسار القضائي من خلال سلوك مساطر الطعون في قرارات الإعفاء أمام المحاكم الإدارية المختصة، ناهيك عن الندوات الصحفية التي نظمت حول الموضوع من قبل قيادة الجماعة المركزية، والتظاهرات الاحتجاجية التضامنية والبيانات الحقوقية والسياسية والنقابية الداعمة.

سابعاً/ قضايا المرأة:

المرأة المغربية.. الإنصاف المعلق

سجلت هذه السنة إخفاقات متتالية في تدبير العديد من المجالات، إخفاقات يدفع ثمنها المواطن المغربي هدرا لكرامته وغمطا لحقوقه وإجهازا على كل فرصة في العيش الكريم. لكن نصيب المرأة المغربية يبقى هو الأوفر من سياسات التهميش والتفقير والتعنيف، والتي حولت معيشها اليومي إلى معاناة لا تنقضي إلا لتبدأ من جديد، ولم تفلح سنوات من النضال النسائي المتواصل في تفكيك البنيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تفرز واقع الهشاشة المستشرية والتراتبية المجحفة والتناقضات الصارخة.

فعلى الصعيد السياسي ورغم كل الشعارات المرفوعة مازالت المنجزات مخيبة للآمال، ذلك أن ضعف انتخاب النساء في المجالس النيابية (10 نساء فقط انتخبن عن اللوائح المحلية مقابل 60 منتخبة ممثلات عن اللائحة الوطنية و11 شابة عن كوطا الشباب) جعل تمثيلية النساء في مجلس النواب لا تتعدى 20%، وهي الرتبة الخامسة بعد المئة دوليا، ما يؤكد مرة أخرى أن شعار المناصفة ليس إلا إجراء تجميليا أقحم في دستور 2011 لتكتمل بذلك الواجهة الديمقراطية المزعومة. ناهيك عن الحضور المخجل للنساء في التشكيلة الوزارية، ومحدودية الولوج النسائي لمراكز صنع القرار، وغيرها من الوقائع التي تؤكد أن حضور المرأة في المجال السياسي لا يعدو كونه حضورا رمزيا.

وعلى المستوى التشريعي تميزت السنة الفارطة بصدور قرار يتمثل في السماح بولوج المرأة لمهنة التوثيق العدلي،وقد صحب هذا القرار لغط وصخب كبيران وكأن المغرب سيتجاوز به كل المشاكل البنيوية التي تتخبط فيها المرأة والتي ما تزال لا تحظى بالأولوية في النقاش.كما تمت المصادقة على قانون محاربة العنف ضد النساء الذي دخل حيز التنفيذ بعد مسار تشريعي انطلق منذ 2013 -فكرة المشروع طُرحت قبل ذلك بكثير-، قانون رأى النور في غياب مقاربة شمولية تستحضر البعد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي…وتجعل من احترام النساء سلوكا مجتمعيا يعكس وعيا متجذرا بالمكانة المعتبرة للمرأة. في غياب هذا تبقى المقاربة القانونية على أهميتها قاصرة عن معالجة أعطاب تفشت حتى باتت سلوكا يوميا يتفاخر البعض بممارسته بل يوثق لذلك ويشهره، والأحداث في هذا الباب أكثر من أن تحصى.

وضعية يزيد من هشاشتها واقع اقتصادي مأزوم يضاعف من معاناة فئات عريضة من النساء المغربيات، حيث يبلغ الفقر مستويات مخيفة ويتمدد شبح البطالة بنسب متسارعة، فحسب ما صرحت به المندوبية السامية للتخطيط انخفض معدل نشاط النساء من %27,1% سنة 2007 إلى 22,4% سنة 2017وتتراجع هذه النسبة أكثر في المجال الحضري بـ 18,4 من نفس السنة. أرقام تسائل السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تنهجها الدولة وتسائل الشعارات الرنانة التي رفعت لتمكين النساء اقتصاديا ودعم ولوجهن لسوق الشغل، ليكون الجواب تناسل عدد من الحوادث التي راح ضحيتها نساء ألجأتهن قسوة الحياة للبحث عن مصدر رزق يعيلهن وعوائلهن، وما شهيدات القفة بالصويرة وشهيدة الهجرة بتطوان وشهيدة الأراضي السلالية بآزرو عنا ببعيد.

إن خروج المرأة المغربية لكسب لقمة عيشها في مثل هذه الظروف القاسية، وامتهانها حرفا حاطة من الكرامة الآدمية، أو قبولها بالعمل في منازل لا توفر حماية ولا كرامة، أو اضطرارها لبيع جسدها فيما يشبه سوق نخاسة أو أشد؛ هو نتيجة مباشرة لفشل الدولة المغربية في اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية، ويزيد من حدة هذا الواقع تفشي الأمية بنسب مخجلة، وفشل ذريع في ورش إصلاح المنظومة التعليمية وصل حدا فرض على المؤسسات الرسمية الاعتراف به.

أما نزيف الوفيات في صفوف النساء أثناء الحمل والولادة فما زال مستمرا بسبب الإهمال الطبي وتدني الخدمات الصحية وندرة الكوادر الطبية والأعطاب البنيوية التي تنخر القطاع، حيث يسجل المغرب بذلك أعلى نسبة في محيطه. ناهيك عن وفيات الأطفال حديثي الولادة، حيث يموت 17 طفلا لكل ألف مولود جديد وهو رقم مرتفع إذا تمت مقارنته بدول الجوار أو حتى بدول عربية تعيش حالة حرب مثل فلسطين (10.8).

واقع مأزوم دفع المرأة المغربية إلى انخراط لافت في الاحتجاجات الشعبية التي عرفتها العديد من المدن متجاوزة بذلك حاجز الخوف والعرف أملا في غد أفضل.

في ظل هذا الواقع حرص القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان هذه السنة على تسجيل حضوره في كل المحطات النضالية سواء في المسيرات أو الوقفات أو الدفاع عن المعتقلين ودعم عائلاتهم، وعبر بالكلمة والموقف عن مساندته لكل المطالب المشروعة لدى فئات المجتمع حيث أصدر عددا من البيانات والحوارات تفاعلا مع ما يقع، مصرا على مطلب الحوار والتعاون مع كافة الفاعلات النسائيات والمهتمات بقضايا المرأة، حيث أطلق قافلة نسائية تحت شعار “جميعا من أجل إنصاف المرأة المغربية”، والتي حطت رحالها بتسع مدن في مختلف جهات المغرب. ونظم عددا من الندوات والموائد الحوارية ضمت طيفا متنوعا من الفاعلات النسائيات استمرارا في خيار الحوار النسائي، من بينها ندوة “واقع المرأة وسؤال التغيير” بالبيضاء وندوة حوارية موضوعها “قراءة في قانون محاربة العنف ضد المرأة 13.103 بالجديدة وندوة خصصت لـ “قراءة في مدونة الأسرة بعد 14 سنة من التنزيل” بوجدة، وندوة رابعة بعنوان “المرأة المغربية وسؤال الإنصاف” بمدينة طنجة …. وغيرها كثير.

هذا إلى جانب برامج القطاع النسائي اليومية والدورية التي تسهم في إعادة الاعتبار لدور المرأة الحيوي في الأسرة والمجتمع، وتسعى إلى جانب فضليات وفضلاء هذا البلد إلى النهوض بأحوالها على المستوى الاجتماعي والنفسي والقانوني والسياسي والاقتصادي من خلال برامج وأنشطة توعوية، تأطيرية، تواصلية وخدماتية، تتوزع بين التأطير السياسي والقانوني، والتوعية الصحية والنفسية، والتأهيل الاجتماعي والاقتصادي.

وبعيدا عن التوظيف المقيت لقضايا النساء، يبقى الانخراط الجاد والمسؤول في مسار التغيير المجتمعي الحقيقي الذي يضمن العيش الكريم لأبناء هذا الوطن رجالا ونساء هو المسار الأمثل لتحسين وضعية النساء ونقلهن من واقع الهشاشة والهامشية إلى الحضور الفاعل والإيجابي في المجتمع.

ثامناً/ قضايا الشباب:

أرقام صادمة تسائل السياسات العمومية

رغم مضي ثلاث سنوات على إطلاق الاستراتيجية الوطنية المندمجة للشباب 2015-2030 باعتبارها مدخلا نحو توسيع وتعميم مشاركة الشباب المغربي في بناء وتنمية البلاد، ومخططا لمعالجة قضايا الشباب والتجاوب مع احتياجاتهم وطموحاتهم، ما زال المغرب يعيش واقعا مأساويا في غياب إرادة سياسية حقيقية تواكب تطلعات وحاجيات الشباب الذي يمثل المخزون الديموغرافي الأهم بالبلاد (34% من التركيبة السكانية)، وفي تجاهل تام لوعي الشباب المتزايد بحقوقه. وهو ما أكدته المؤشرات التي أوردها عرض وزير الشباب والرياضة المغربي حول مشروع السياسة المندمجة للشباب في أكتوبر 2017.

ففي مؤشر دال نجد أن 29.3% من الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة، لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين خلال سنة 2017. وهي النسبة التي تعادل 6 ملايين شاب في الشوارع بلا شغل ولا تعليم. هذا ما أكدته دراسة للمندوبية السامية للتخطيط حول وضعية سوق الشغل حين أعلنت أن عدد العاطلين قد ارتفع بـ 49 ألف شخص، كلهم بالوسط الحضري، مما زاد من حجم البطالة بنسبة 4,2%. كما أن الأرقام الرسمية تقول إن 75% من الشباب المغربي لا يتوفرون على أية تغطية صحية، وأن 82% منهم لا يمارسون أي نشاط ترفيهي أو رياضي أو ثقافي، في حين تستمر الدولة في غلق العشرات من الفضاءات الشبابية من دور الشباب ومراكز التخييم ودور الثقافة أو تأميمها حسب المزاج والسياسة الرسمية.

كل ذلك أنتج تلك المشاهد المؤسفة التي تابعها العالم لآلاف من الشباب الذين نزحوا نحو المدن الشمالية بحثا عن فرصة للهجرة نحو أوروبا في قوارب غير مؤهلة، دون أن يكترثوا باحتمالات الموت وسط مياه البحر الجارفة. مشاهد هي أقرب إلى الانتحار الجماعي ولَّدَها خناق اليأس والتهميش والتفقير والتجهيل الذي يحيط برقبة الشباب فلا يترك لهم الكثير من الخيارات لأجل العيش الكريم.

ورغم ما تقدم من مؤشرات دالة على مخططات تدمير مقومات الشباب وضرب هويته وإفساد أخلاقه وجعله كما مهملا ورصيدا معطلا أو هاربا مغامرا في هجرة غير آمنة، فإن نسبة هامة من الشباب المغربي لم تقبل سياسة الهامش هذه، فاستجمعت قواها ونفضت غبار الخمول واليأس وواكبت مسار تجديد الوعي وإعادة الاعتبار للذات، لترسم إنجازات جديدة لواقع شبابي جديد قوامه الوعي بالحق والقيام بواجب الدفاع عن قضايا الشعب المغربي العادلة. فكان للشباب كلمته ومساهمته في قيادة الاحتجاجات الشعبية بوعي ونضج عاليين. كما أن الفاعلية المتزايدة للشباب على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي وتوظيفها الذكي في فضح الفساد والاستبداد يؤكد إيجابية شريحة هامة وسط شباب المغرب ووعيها بدورها وهموم وطنها.

ولعل هذا الوعي المتجدد يبرز أكثر حين نرى تواتر فوز شباب مغاربة، وبشكل متكرر في السنوات الأخيرة، في مسابقات عربية وإسلامية ودولية تشمل مجالات علمية كالهندسة والطب، وأخرى دينية كحفظ القرآن الكريم وتجويده، وهو ما يثبت أن الشعب المغربي، بريادة شبابه وشاباته، طامح نحو التفوق رغم العقبات، متشبث بهويته وأصوله رغم الحرب المستعرة على ثقافة المجتمع وقيمه.

وإسهاما من شبيبة العدلوالإحسان في احتضان وتوعية وتأطير عدد هام من الشباب المغربي، تعمل على بث روح اليقين والأمل وترسيخ القيم النبيلة ومحاصرة كل مظاهر اليأس والإحباط والعنف. ورغم استمرار حرمان الشبيبة من الحق في استغلال الفضاءات العامة والقاعات العمومية، فقد اتخذت لخدمة هذه الأهداف خلال هذه السنة عدة وسائل ومبادرات نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، قافلة سلسلة “حوارات شبابية” وهي حوارات مفتوحة مع الشباب من أجل نقاش شبابي تفاعلي حول موضوع “الشباب المغربي: تحديات الواقع، ورهانات المستقبل”. فضلا عن الفعاليات الحوارية الشبابية التواصلية مع باقي الشبيبات والمكونات الفاعلة في الساحة الشبابية والسياسية المغربية، وقد شهدت العديد من المناطق تنظيم عشرات الفعاليات، كان أبرزها الندوة الحوارية الوطنية في موضوع “دور الشباب في التحولات السياسية الراهنة…التحديات والرهانات”. التي جمعت لفيفا من الشباب والسياسيين والأكاديميين.

كما أطلقت الشبيبة خلال هذا الموسم حملة/صرخة “باراكا من الحكرة” سعت من خلالها إلى تعبئة الشباب ودق ناقوس الخطر حول أوضاعه، ولفت انتباه القوى الحية لواقعه المزري. وقد شهدت الصرخة تفاعلا إعلاميا وميدانيا مهما من خلال العديد من الأنشطة تنوعت بين وقفات تضامنية وندوات وورشات وأنشطة إبداعية وروبورتاجات حول موضوع “الحكرة”.

ورغم ما يحاك ضد الجامعة المغربية من مخططات، ما يزال القطاع الطلابي للجماعة ملتزما بالقيام بمسؤولياته وواجباته في الساحة الجامعية، من خلال استمرار حضوره الفاعل في الجامعات والمعاهد وتنظيم عدد من الأنشطة التربوية والنقابية والثقافية والاجتماعية والتضامنية. كما تسعى الشبيبة من خلال ورش التنشيط الشبابي إلى تنظيم العديد من فعاليات ومهرجانات الإبداع الشبابي دعما واحتضانا للطاقات الشبابية المبدعة وتطويرا لمواهبها وملكاتها الكامنة وتعزيزا لمفهوم الإنتاج الإبداعي الشبابي الحر في مختلف الميادين الفنية والثقافية والرياضية.

ختـــامــاً:

أمام هذا المشهد الذي يطبعه نظام سياسي مغرق في السلطوية، وأداء اقتصادي غارق في الريع، ووضع اجتماعي عنوانه الهشاشة والتفقير، اشتدت الأزمة وبدأت تعلن عن نفسها بشكل أكثر وضوحا وجرأة واضعة أصبعها على مكامن الداء. فأصبحت أصوات الأنين الخافت ترتفع وعلامات البؤس المخفية تبرز نفسها، فما عادت تسعفها المساحيق الزائلة ولا الشعارات اليائسة ولا الوعود الكاذبة. هكذا استعاد الشعب المغربي زمام المبادرة فسجل حركية مجتمعية متنامية، وفي مناطق جغرافية متعددة، وضمت شرائح متنوعة، انطلقت من مطالب اجتماعية وطالت الأوضاع الاقتصادية، حاملة معها سؤال السياسة الدائم في المغرب: كيف الخلاص من الاستبداد والفساد؟

فتزايد الرفض لسياسات تنتج التخلف والبؤس وانسداد الأفق أمام الشباب وعموم المواطنين، وتوالت الأشكال والأنماط الاحتجاجية بما يظهر إبداع المغاربة؛ من الريف الذي صار أيقونة في قلب باقي المدن، وقدم نموذجا في النضال والصمود والتضحية والمسؤولية، إلى جرادة التي أظهرت أن التهميش المرسوم والاستبعاد المقصود لم يكن ليمنع انبثاق الأشكال الراقية الحضارية والسلمية النضالية والصمود والمضاء، وغيرها من المناطق والشرائح التي أكدت مجددا أن الشعب المغربي يعرف دينامية حقيقية وحركية متنامية يواجه من خلالها انسداد المشهد الرسمي وانغلاقه على التسلط والاستبداد والريع ومصالح الكبار. ذلك أن انتصار الحق على الظلم هي سنة الله الثابتة التي لا تحابي أحدا، مهما تغول الظالم أو بدت الآفاق مغلقة، والتاريخ يعلمنا أن الباطل إلى زوال وأن إرادة وهمة الشعوب قادرة على تحقيق التغيير.  

إن هذه الديناميات المجتمعية، والتي تعد بحق مؤشرا إيجابيا وأملا للبناء وتنبيها لعلّ القابضين على السلطة يستفيقون، تضع بين أيدينا وبين أيدي المعنيين والمهتمين والمتابعين جملة دلالات أساسية، أهمها:

–      أن الشارع المغربي يعيش حالة حقيقية من الدينامية والحركية، رافضا الاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي، خاصة لما لهما من ارتدادات سلبية أكيدة على الشأن الاجتماعي. هذه الدينامية التي انطلقت منذ سنوات طويلة، وترسخت بعمق مع حراك 2011، تُواصل نموها واتساعها وتعاظمها وتُعدد في أشكالها وأنماطها وسبلها.

–      أن حركية المجتمع المغربي تتميز بمستوى، جِدّ مبشر، من النضج والمسؤولية والقوة، ويكفينا أن نشير إلى ثلاثية بارزة؛ وهي: السلمية التي غدت نهجا راسخا يمنح الاحتجاجات الصلابة والتميز، وسلوك الآليات الإبداعية وحسن توظيفها وما خبر المقاطعة الاقتصادية وتزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي رغم كل القيود والتضييقات عنا ببعيد، وتنوع خارطة المشاركين وثراؤها وزخمها جغرافيا وشرائحيا.

–      أن نظام الحكم لم يستطع قراءة عمق ما يجري واتجاهه، وكأنها سكرة السلطنة تعمي وتصم، فلم يتفاعل إيجابا مع مطالب مجتمع يقدم نفسه باعتباره ممثلا له، بل وعاقبه على جرأته حين خرج يطلب الحرية، المأسورة، والكرامة، المدوسة، والعدالة، المفقودة.

هنا يطرح السؤال العريض عن مسؤولية النخب والتنظيمات السياسية والحقوقية والمدنية والاجتماعية إزاء ما يجري، ذلك أن هذا المعطى الجديد الذي يفرض نفسه بشكل متصاعد في الساحة (الحراك المجتمعي) يحمل الحركات والتيارات والعلماء مسؤولية مضاعفة ومتزايدة للبحث في فاعليتها ودورها وإسهامها وريادتها في معركة تحرير الإنسان والتغيير الحقيقي لواقع البؤس والتيه.

إنه الدور التاريخي الذي ينبغي أن يعيه الجميع في هذه الأزمة التي بلغت مداها، دور يستلزم الترفع عن الحسابات والخندقة الحزبية المتعصبة، من أجل اصطفاف حقيقي ومنسجم مع الشعب المغربي في محنته وحركيته وسعيه الحثيث نحو التحرر من ربقة العبودية الجبرية. اصطفاف مبني على الحوار والتوافق والوضوح والمسؤولية، بعيدا عن منطق الاحتكار والإقصاء والتفرقة التي تقدم خدمة كبيرة للاستبداد والفساد وتزيد من عمره وتشجعه أكثر على استنزاف ثروات البلاد وتضييق الخناق أكثر على الشعب.

إنه الواجب الذي لا مناص من القيام به من أجل مباشرة إجراءات سياسية واقتصادية واجتماعية عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإلا فإن واقع التشتت الذي تعيشه القوى الحية، من جهة، والتخريب المخزني المتسارع لمقومات البلاد وثرواته المادية والأخلاقية والبشرية، من جهة ثانية، يفتح بلادنا على المجهول الذي لا يتمناه أي مواطن حر لبلده فأحرى أن يكون فاعلا مجتمعيا عليه مسؤوليات وواجبات.

والحمد لله رب العالمين.