بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على الرسول الأكرم وعلى آله وصحبه ومن والاه

مقدس 22

السبت والأحد 03-04 نونبر 2018

إخواني الأعزاء، أخواتي العزيزات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أسأل الله أن يبارك في جمعنا هذا، وأن يوفقنا جميعا لصالح الأقوال والأعمال، وأن يكلأنا بعنايته ونصره وحفظه، آمين.

تتناول هذه الكلمة الحديث عن عقليتين أو أسلوبين في التفكير ومآلات كل منهما، لكني سأركز على نمط واحد وأعرض عن الآخر سعيا للاختصار وباعتبار أن الشيء يتميز بضده. ثم بمقتضى أننا لا نتحدث عن شر نخشى أن يقع، وإنما هو واقع إن لم يكن قد استفحل. وقد اتخذت لها العنوان الآتي:

السياسة بين الكياسة والتعاسة

إخواني الكرام، أخواتي الكريمات.

تاريخ الأمم والشعوب مليء بالعبر والعظات، ولذلك ينبغي للعاملين من أجل نظام سياسي أفضل، والباحثين عن أنجع الطرق للتخلص من الفساد والاستبداد، أن يكون لهم اطلاع، ولو بالحد الأدنى، ولا أتحدث عن المتخصصين، على صفحات من تاريخ تلك الشعوب وما لقيته من معاناة قبل أن تنال حريتها وكرامتها وحقها في أن تكون لها كلمة معتبره في تدبير شؤونها واختيار من يحكمها.

من الحقب التي استوقفتني وأنا أقرأ صفحات من التاريخ البريطاني تلك التي حكم فيها الملك تشارلز الأول  Charles I ما بين سنة 1625 وسنة 1649. كان هذا الملك متشبعا بفكرة تقول بأن الملك ينبغي أن يتمتع بصلاحيات مطلقة، ولذلك ينبغي أن يحكم وحده، ولايشاركه في ذلك أحد. وقد وجد من يشجعه على ذلك وخاصة أحد وزرائه سيء السمعة لعلاقته المشبوهة بالملك وأشياء أخرى، ويدعى جورج فيليرز، دوق باكينجهام (George Villiers, Duke of Buckingham (1592 – 1628. والطغاة يجدون دائما من يزين لهم سوء أعمالهم.

دخل الملك تشارلز في صراع مستميت مع البرلمان الذي كان يرفض استفراده بالحكم، ويرى أنه ينبغي أن تكون له الكلمة في القضايا الهامة وما يتخذ بشأنها من قرارات. (وأنبه هنا أننا نتحدث عن برلمان في أوائل القرن السابع عشر، ومع ذلك كان مصرا على أن يكون له وجود حقيقي، وليس كالبرلمان الشبح عندنا أو السيرك كما وصفه الملك الراحل الحسن الثاني).

كان الملك تشارلز الأول متشبثا بموقفه، ومتصلبا على فكرته إلى أبعد الحدود، رافضا لأي رأي يخالف رأيه. وحتى لما اضطر إلى المصادقة على “عريضة الحقوق” –وهي من الوثائق الثلاث الشهيرة في التاريخ الدستوري الإنجليزي- فإنه سرعان ما تجاهلها عمليا ولم يحترم أي بند من بنودها. وقد حل البرلمان ثلاث مرات في محاولات منه ليخلو له الجو ويستفرد بالقرار بدون منازع. وأدى إصراره هذا إلى نشوء حروب أهلية في البلد انتهت إحداها بانهزام الملك ومؤيديه وانتصار البرلمان وأنصاره. فتمت محاكمته وحكم عليه بالإعدام ونفذ فيه في يناير 1649. نهاية مأساوية لمسلك أبعد ما يكون عن الكياسة.

ومما أثارني في قصة هذا الملك أن واحدا من البرلمانيين المشهورين كان يشبهه بالقنفذ. ولم أدر ما وجه الشبه الذي يشترك فيه تشارلز مع القنفذ. وقلت ربما رماه بها اعتباطا، أو ربما كانت سياسة الملك مؤذية مثلما تؤذي أشواك القنفذ أو شيئا من هذا القبيل. وفي كل الأحوال فإن المؤكد أن التشبيه يحيل على شيء غير محمود في ثقافة المجتمع البريطاني.

لكن من الموافقات العجيبة أن يقع في يدي كتاب صدر هذا العام بعنوان في الاستراتيجية الكبرى – هكذا لمؤلفه دجون لويس جاديس، أستاذ التاريخ في جامعة يايل الأمريكية. وقد تناول الكاتب في إحدى فصوله مقولة قديمة منسوبة إلى جندي وشاعر يوناني يدعى أركيلوكس  Archilochus من القرن السابع قبل الميلاد. وتقول إن الثعلب يعرف عدة أشياء، لكن القنفذ يعرف شيئا واحدا كبيرا. لم يعثر الباحثون على السياق الأصلي الذي وردت فيه المقولة، ولذلك استعملوها استعمالات شتى وفي سياقات متعددة. وكان أول من قام بتفسيرها على وجه ارتضاه فيلسوف هولاندي من رواد الحركة الإنسانية عاش في القرنين الخامس عشر والسادس عشر يدعى اوراسموس Erasmus. ثم جاء من أعاد القولة إلى التداول مرة أخرى في القرن العشرين، ودخلت أروقة الجامعات وأصبحت موضوع نقاش طريف بين الأساتذة والطلبة وخاصة في العلوم السياسية.

استعمل صاحب الكتاب المذكور القولة للتمييز بين طريقتين في التفكير لدى كثير من الزعماء والملوك والقادة العسكريين والمدنيين. فهناك من يكون متشبعا بفكرة كبيرة، وتتورم في دماغه، ويصمد إليها بعناد، ويكون مستعدا لسحق كل من يعترض عليه أو يقوم في وجهه دونها. ولايدخل في الحسبان البيئة المحيطة وتغير الظروف الزمانية والمكانية، ولا التناسب بين الطموحات والقدرات. وهؤلاء صنفهم في خانة القنفذ. والصنف الآخر الذي يمثله الثعلب فهو يدخل فيه أولئك الذين يمتلكون خيارات متعددة ومرونة كافية قد تفيدهم في تفادي أخطار قاتلة.

وقد ذكر عددا من الزعماء والملوك والقادة ممن يراهم ينتمون إلى فصيلة “القنافذ”، وبعضهم كانوا عباقرة، لكن كانت نهايتهم مأساوية؛ إما بالهزيمة النكراء أو الإهانة التي لا يمحوها النسيان، أو مثلما وقع لتشالز الأول بالقتل. والسبب دائما هو عنادهم ونسيانهم لبعض الحقائق البسيطة جدا والتي لا يمكن أن تغيب حتى عن أشد الناس غباء. فيرتكبون أخطاء أو حماقات تكون سببا في هلاكهم، مثل من يسعى إلى حتفه بظلفه، كما يقول المثل العربي.

أرجو أن لا تشوش عليكم حكايات الثعلب والقنفذ في تراثنا الشعبي. فنحن نتعامل مع رموز قد تختلف دلالتها من بيئة إلى بيئة ومن ثقافة إلى أخرى. (فالحمار مثلا عندنا في العالم العربي رمز للغباء بينما في أمريكا اتخذه الحزب الديمقراطي رمزا له لأنه يرمز إلى الذكاء والشجاعة. وربما يكونون محقين في ذلك وتكون حميرهم أذكى من حميرنا التي تتقبل الإهانة بابتسامة عريضة لا يستطيعها إلا الحمير الأقحاح). فالمقصود إذن هو التمييز بين أسلوبين في التفكير،  واحد يجمد على ما يراه حتى وإن نطق العقل والمنطق والحكمة البشرية والوقائع قديما وحديثا بعدم جدواه وبضرره المؤكد في العاجل والآجل، والآخر مرن منفتح يلحظ المتغيرات، ويصغي لنبض الزمان، ويتجاوب مع ضرورات العصر وإكراهاته، فيتقي بذلك الهلاك وسوء المنقلب.

ترى أين نصنف طريقة التفكير لدى من يحكمون هذا البلد العزيز؟ وما هي الفكرة المهيمنة الموجهة لكل سياساتهم وقرارتهم؟ وما المسلك الذي اتخذوه لإدارة الأمور، مسلك الاعتبار والكياسة أم مسلك الخبط والعناد والتعاسة؟ لاسبيل للاطلاع على السرائر، لذا نحكم بالظاهر ونتتبع الأثر، مثلما قال الأعرابي قديما، فالبعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير. فعسى يعيننا ذلك على فهم بعض الألغاز في نظامنا السياسي ومصادر أعطابه.

لقد بلغ عدد الحكومات التي تم تنصيبها في المغرب منذ الإعلان عن الاستقلال في 2 مارس 1956 وإلى اليوم أكثر من ثلاثين حكومة (30)، أي بمعدل حكومة كل سنتين. لا ندري هل هذا دليل على حيوية زائدة أم علامة على تخبط وارتجال أم لإفهام الناس أن الحكومة وعدمها سواء. وبلغت الانتخابات التشريعية التي نظمت إلى حدود الساعة عشرة. وحين نتحدث عن الانتخابات ينبغي أن نستحضر التجوال بين أنماط الاقتراع، والجهود المضنية لإعداد البرامج وتنظيم الحملات الانتخابية والمبالغ المالية التي ذهبت بدون طائل. واتخذ البرلمان نظام الغرفتين ثم عاد لنظام الغرفة الواحدة ثم عاد مرة أخرى لنظام الغرفتين، وذلك تماشيا مع القاعدة المخزنية التي تسمح بتغيير الأشكال دون المضامين. والشيء نفسه ينطبق على الدستور الذي تغير أو عدل ست مرات دون أن تمس خصائصه الاستبدادية المتمثلة في تركيز السلط في يد الملك فضلا عن أشياء أخرى.

فما الذي تحقق بعد هذا الزمن الطويل الرتيب؟ ربما يقول بعضهم هذا خطاب عدمي يتجاهل أشياء كثيرة تحققت لم تكن موجودة لاقبيل الاستقلال ولا بعيده. لانتجاهل ذلك، ولكن هل هذا هو المعيار الذي ينبغي أن يعتمد؟ فإذا أردنا أن نكون دقيقين، فإنه يتعين أن نقيس الإنجازات بإمكانيات المغرب وما حباه الله به من ثروات. أو إن شئتم أن نعتمد معيارا آخر هو أن نقارن المغرب مع بلد آخر يماثله من حيث الموارد الطبيعية والبشرية وغيرها. بل يمكن أن نتساهل أكثر ونقارن المغرب مع بلدان أخرى دونه بكثير ومن جميع الوجوه. وسنجد أن النتيجة صادمة والبون هائل جدا. خذ كوريا الجنوبية مثلا التي كانت قبل 1956 في وضع كارثي أسوأ مما كان عليه المغرب آنذاك. وزاد من متاعبها أنها منطقة جبلية في معظمها لا تصلح للزراعة، وليس لديها ثروات طبيعية، لا بترول ولا مصادر أخرى للطاقة. ومع ذلك وعلى الرغم مما عرفته من اضطرابات سياسية وحكم عسكري حتى تأسيس الجمهورية السادسة عام 1987، فقد تمكنت من أن تكون أسرع الاقتصادات نموا في العالم وإلى حدود 2000. وتبلغ نسبة المتعلمين فيها 99,3%. وعدد سكانها يفوق 51 مليونا. ولا أحتاج للتعليق أكثر.

لقد أشرنا إلى الحكومة بإجمال، علما أنها، كما يعرف الجميع، لا تحكم. ولكننا ذكرناها باعتبارها أداة من أدوات النظام تترجم رؤيته وسياسته ومنهجيته في تدبير شؤون البلد. وإذا اقتربنا من هذا الجهاز أكثر واقتصرنا على فحص مكون واحد من مكوناته، وليكن قطاع التعليم مثلا، فإن الفاجعة أدهى وأعظم. فعلى مدى ستين عاما تعاقب على هذا القطاع 32 وزيرا، وبلغت محاولات الإصلاح 14 محاولة، بمعدل مشروع إصلاح كل اربع سنوات. ونظمت مناظرات، وتأسست لجان، وسطرت عدة برامج، وتمت عدة تجارب ينسخ اللاحق منها السابق ثم يعود إليه ويثبته، ثم يلغيه مرة أخرى ويعتمد آخر وهكذا في عملية عبثية لم تنته إلى حدود اليوم.

فماذا كانت النتيجة بعد هذا التخبط الذي استمر ستين عاما ولا يزال؟ اعترف الجميع بالكارثة وتدنى المستوى بشكل رهيب، حتى غدا من التلاميذ من يطل على الجامعة ولايحسن كتابة جملة واحدة. وليس العيب كله فيهم؛ إنما هم ضحايا لنظام تعليمي رديء يتم في ظروف سيئة، لاتتوفر فيها أبسط شروط التربية والتكوين والتحصيل. وإذا كانت نسبة الأمية لاتزال تستحوذ على أكثر من 32% حسب الإحصائيات الرسمية (وأظن أن النسبة أكبر من ذلك) بعد ستين عاما مما سمي بالاستقلال، فإن هناك ظاهرة تتنامى يمكن تسميتها بـ”الأمية المقنعة” وذلك لعجز النظام عن توفير تعليم متين يحقق الأهداف المرجوة منه.

ثم إذا أخذنا الأعداد الهائلة التي لم تهيأ لها الفرصة للتعلم أصلا وأضفنا إليها تلك التي دخلت المدرسة ثم سرعان ما غادرتها لسبب أو لآخر، فأشبه حالها من لم يلتحق بالمدرسة قط، فسنجد أنفسنا أمام عدة ملايين من المغاربة تقدرها بعض الإحصائيات بستة ملايين لاتشتغل ولاتدرس ولاتتلقى أي تكوين. نحن أمام كم ضخم من العاطلين لم يدربوا ليدخلوا سوق الشغل، ولايدرون كيف السبيل لتلبية حاجاتهم الأساسية. ولما أضناهم البحث، وأعيتهم الحيلة، وضاقت بهم السبل، أصبح المخرج الوحيد المتبقي في تقديرهم هو الهجرة. غير أن ذلك ليس بالأمر الهين على من لايتوفر لا على تعليم ولاتكوين. ليبقى الخيار الوحيد في هذا الخيار هو ركوب قوارب الموت، أو الالتصاق بأسفل الشاحنات، أو التسلل عبر طرق أخرى غاية في الخطورة لاتصدق، لولا أن رواتها ثقات تقاة. وفي بعض الأحيان يجدون أنفسهم بين نارين: موج البحر أمامهم والرصاص من ورائهم، مثل ما وقع للشابة حياة بلقاسم رحمها الله. وكأن الفرار من البؤس والعوز خيانة عظمى يستحق صاحبها أن يقتل غير مأسوف عليه.

وإذا كانت هناك فئات من هذا الشعب المقهور قد ألجأتهم إلى الهجرة الحاجة واليأس من أن توفر لهم الدولة شروط العيش الكريم، فإن هناك فئات أخرى لاتشكو خصاصة ولاضيق ذات اليد، بل العكس، فهم يتوفرون على السكن الفسيح والوضع المادي المريح، ومع ذلك لم يعودوا يطيقون المكث بهذا الوطن، وراحوا يغادرون بأعداد مقلقة سنويا. يكفي الإشارة إلى أنه في السنة الماضية وحدها قد هاجر حوالي ثمانية آلاف من الأطر حسب بعض الإحصائيات الرائجة. وتفيد تقارير أخرى أن 17% من حاملي الشهادات العليا بالمغرب يغادرون البلاد نحو الخارج. وهذه لعمري مصيبة كبيرة.

إن ضياع المال قد يهون ويمكن تعويضه، ولكن ضياع الأدمغة المنتجة أو المهيأة للإنتاج بعدما كلف إعدادها أموالا وأوقاتا وجهودا مضنية وبعد كل الذي بذله من أجلها الآباء والأمهات والأساتذة والمؤطرون، فهذه جريمة في حق هذا البلد يتحمل مسؤوليتها أمام الله والعباد من نغص على هذه الكفاءات العيش واضطرها إلى الهجرة. أليس من السفه التفريط في أجود ما عندنا من كفاءات وتسليمها هكذا لدول أخرى، فتستقبلها بالأحضان، وتغدق عليها الأموال والامتيازات، وتوفر لها الشروط المعنوية والنفسية التي افتقدوها في بلدهم الأصلي؟ وإذا كان السفيه محجورا عن التصرف في ماله، فما حكم من يبذر أثمن ما هو مسؤول عنه، مما يملك وما لايملك؟ نترك للفقهاء التوصيف الشرعي لهذه النازلة المحزنة.

ما الهجرة إلا مؤشر واحد من مؤشرات أخرى كثيرة تدل على سوء الأوضاع في البلد وعلى ارتفاع مقلق لمنسوب الاحتقان السياسي والاجتماعي. لكن الغريب حقا هو هذا التجاهل المفزع لدى الماسكين بمقاليد الأمور وعدم الاكتراث بما يجري، وكأن ليس هناك ما يدعو إلى القلق. بل تتخذ قرارات لايمكن، من حيث توقيتها ومضمونها، إلا أن تصب الزيت على النار أو تزيد من التوترات الاجتماعية المتوترة أصلا.

ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك القرار التي اتخذته مؤخرا السلطات المحلية في البيضاء والقاضي بهدم مئات المساكن من دور الصفيح. فإذا كان الغرض هو القضاء على هذه الظاهرة والاستبدال بها ما هو أحسن وأليق للساكنة، فهذا شيء جميل ومطلوب ولايمكن إلا الترحيب به. لكن أن يؤول الأمر إلى تشريد سكان تلك المناطق وإهانتهم وإتلاف أغراضهم وممتلكاتهم، وترويعهم وقطع أرزاقهم وتركهم لمصير مجهول، فهذا ظلم كبير لايقدم عليه إلا من لايعرف عواقب الإضرار بالناس، وأن دموع المظلومين من النساء والرجال والأطفال لاتذهب سدى، وسينتقم لها جبار السماوات والأرض عز وجل عاجلا أو آجلا.

وقد تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي مئات المشاهد بالصوت والصورة تنبئ بهول ما حدث. ومن أشدها إيلاما صورة شاب مع أمه وثلاثة من ذوي الاحتياجات الخاصة يبكي بكاء الثكلى للضياع الذي تعرض له، ولحرمانه من الوسيلة الوحيدة المتوفرة لديه لكسب ما يسد به رمق أسرتة المنكوبة. ترى هل تصل بأصحاب هذا القرار المشؤوم القسوة إلى هذا الحد؟ وما الذي يبقى حين يتجرد المرء من الرحمة التي يستوجبها الواجب والأخوة في الدين والإنسانية؟ ولم أجد أنسب لوصف المتسببين في تلك المأساة من كلمات قرأتها في كتاب الفرج بعد الشدة للقاضي التنوخي رحمه الله يصف واحدا من قساة القلوب غلاظ الأكباد، يقول فيها: “وكان لا يرجو عفو الله، ولا يتوقع خيره، وكأنه قد ضرب بينه وبين الرحمة والرأفة بسور من فظاظة وغلاظة وقسوة” عافانا الله وإياكم بمنه وكرمه.

وأختم بما يلي:

1/ من خلال هذا العرض المقتضب يتبين لنا بجلاء أين نصنف العقلية المتحكمة في شؤون المغرب والموجهة للسياسات المسؤولة عما يعانيه بلدنا من بؤس وتعاسة. إنها عقلية جامدة متكلسة مصرة على السير بالبلد في السبيل الخطأ إصرارا عجيبا. وكما أنك لاتجني من الشوك العنب ولا من العلقم العسل، فكذلك لايمكن أن تنتج هذه العقلية المتسمة بنمط من التفكير منغلق إلا ما نراه من إخفاق وفشل وكوارث. ولاسبيل لإيقاف التردي وإقلاع حقيقي إلا بتغيير هذه العقلية.

2/ إن أسباب الاحتقان السياسي والاجتماعي في ازدياد مطرد، وفي أي لحظة يمكن أن تشتعل، نسأل الله اللطف، ولكن يبدو أن رؤوس حكامنا منتفخة حتى الامتلاء بفكرة وهمية مفادها أن كل شيء تحت السيطرة. كذلك ظن كثير من قبل، فانتهوا إلى ما نعلم جميعا من الذلة والصغار وبيس المصير.

3/ لذلك نتوجه إلى العقلاء في هذا البلد نستحثهم على التفكير الجدي وعلى المبادرة قبل فوات الأوان إلى التأسيس لعمل مشترك لإنقاذ بلدنا وإنجاز تحول سياسي بأقل الخسائر الممكنة.

4/ إن الحوافز على النهوض وفرص تجاوز حالة الجمود الراهنة كثيرة: تؤكد ذلك قيم الاسلام وبشائره، والحس السليم ومقتضياته، وتاريخ الأمم قديمه وحديثه، والمحن المتتالية التي لايقتصر أذاها على بعض دون بعض. وإنما يستجيب الذين يسمعون، وينهض لتلك المهمة التاريخية، كما يقول الأستاذ الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، “من لاتحجبه حقائق اليوم عما يسير به منطق التاريخ لغد، وسنة الله وراء ما يبصره الأنام”.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

والحمد لله رب العالمين.

عبد الواحد متوكل / الدار البيضاء في يوم السبت 03 نونبر 2018

الموافق لـ25 صفر 1440