انعقد المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته العادية 22، بحول الله وقوته، يومي السبت والأحد 24 و25 صفر الخير 1440 الموافق لـ03 و04 نونبر 2018، تحت شعار “اليقين والعمل الدؤوب أساس نهضة الشعوب”، في جو من الحيوية والنقاش الهادف المثمر، أكدت من خلالها الدائرة السياسية على موقفها الراسخ من التسلط والاستبداد، ودققت في مناهج وأساليب وبرامج وعمل هذه المؤسسة المختصة في الشأن العام.

انطلقت أشغال المجلس بجلسة افتتاحية؛ شملت كلمة ألقتها رئيسة الدورة وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية، الدكتورة حسناء قطني، رحبت فيها بجميع الحاضرين؛ أعضاء وضيوفا من كافة مؤسسات الجماعة، وذكّرت بقرب هلال “شهر الربيع النبوي؛ ذكرى ميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلم سيد الأولين والآخرين وقائد المجاهدين والقائمين.. من حمل إلينا وإلى البشرية جمعاء رسالة تخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”. وعرجت على قراءة سريعة في شعار هذه الدورة مُبيّنة أنه “شعار يجمع في بعض كلماته “المفتاح” مقومات النهوض لكل شعب تواق لغد أفضل؛ “اليقين” في موعود الله تعالى بأن ينصر عباده المستضعفين ولو بعد حين، و”العمل الدؤوب” في الميدان توعية وتعبئة وخدمة للشعب”.

ولفتت قطني في كلمتها الافتتاحية إلى قدرة الشعوب، إن هي تم مخاطبة حواسها واستفزاز فكرها وإنهاض إرادتها، على نصرة قضايا الحق، مستدلة على ذلك بموجات “الربيع العربي” الأولى. لتبسط برنامج الدورة.

ثم مرّرت رئيسة الدورة الكلمة إلى رئيس الدائرة السياسية، الدكتور عبد الواحد متوكل، الذي تناول فيها الحديث عن عقليتين وأسلوبين متباينين من التفكير على مستوى إدارة الدول، ومآلات كل منهما، متخذا لكلمته عنوان: “السياسة بين الكياسة والتعاسة”.

وتطرق رئيس الدائرة السياسية إلى بعض الجوانب التي تظهر طبيعة العقلية المتحكمة في سير البلد؛ مشيرا في ظل غياب الأرقام إلى أن حكمه سيتأسس على أثر عمل هؤلاء الساسة في الميدان فـ”فالأثر يدل على المسير”، ولتحقيق ذلك استدل بحقائق تاريخية وأرقام رسمية؛ منها أن عدد الحكومات التي تم تنصيبها في المغرب منذ مارس 1956 كانت بمعدل حكومة كل سنتين، وبلغت عدد الانتخابات التشريعية منذ ذلك الحين عشرا (10)، وتغير الدستور 6 مرات دون أن تمس فلسفته الاستبدادية، ودون أن يكون لكل هذه الحركية وقع إيجابي في تغيير البلد نحو الأفضل.

وعمد متوكل إلى مقارنة حال البلد خلال هذه الفترة مع دولة كوريا الجنوبية، مبرزا أنها كانت ترزح خلال سنة 1956 في مكانة أسوأ من المغرب، تفتقر لمؤهلات طبيعية مساعدة، كما عرفت اضطرابات سياسية كثيرة وحكما عسكريا، غير أنها استطاعت تجاوز كل هذه الظروف لتصبح من أسرع الاقتصادات إلى حدود عام 2000. ودلالة على أن الدول تتقدم من حولنا وبلدنا غارق في وحل تخلفه، استدعى نموذجين؛ واقع التعليم الذي تعاقب على وزارته 32 وزيرا منذ الاستقلال، وعرف محاولات كثيرة للإصلاح باءت بالفشل، ما جعل هذه العملية عبثية لم تنته إلى حدود اليوم، سمتها الأساس التخبط. ونزيف الهجرة الذي يظهر انسداد الأفق في وجه المغاربة سواء كانوا فقراء معدمين أو أطرا ونخبا لم يُؤبه بمؤهلاتهم في بلدها.

ولم يفت عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان في آخر كلمته “التوجه إلى العقلاء؛ نستحثهم على التفكير الجدي والمبادرة قبل فوات الأوان، والتأسيس لعمل مشترك قوي” يضع البلاد على السكة الصحيحة للتغيير والبناء.

بعد ذلك كان المجلس على موعد مع جلسة ثانية دسمة، أدارها الأستاذ حسن بناجح وأطرها الأستاذان منير الجوري ورشدي بويبري والدكتورة أمينة البوسعداني، خُصّصت لعرض ونقاش التقرير السياسي الذي يرصد حركية المجتمع المغربي وتدبير السلطة للشأن العام وفعل الجماعة ما بين الدورتين السابقة والحالية.

توزّع التقرير، إلى عدد من المحاور الرئيسية؛ شملت المستوى الخارجي والديبلوماسي، ثم السياسي الداخلي، فالاقتصادي، ثم الاجتماعي، ثم الحقوقي، كما تطرق لشريحتي الشباب والنساء في محورين مستقلين، قبل أن يختم بخلاصات أساسية ومداخل يقترحها “للخروج بالبلد من عنق الزجاجة الخانق الذي وضعتنا فيها سياسات النظام الحاكم”.

وقد كان العنوان الأبرز الذي طبع المرحلة كما ورد في التقرير “استحكام القاعدة الأساسية لنظام الحكم: السلطة والثروة والصلاحيات لمؤسسة القصر والمسؤولية والمحاسبة واللوم لباقي المؤسسات الرسمية التابعة. في مقابل مجتمع يواصل، صحبة قواه الحية، مقاومته تجريف الحياة السياسية ويُقوي حركيته بكل الأشكال المشروعة والمتجددة، عاكسا نضجا متزايدا وفعلا مؤثرا”. وحمّلت الدائرة السياسية، من خلال التقرير الذي بلغ 27 صفحة، مسؤولية التردي إلى نظام الحكم، وفي القلب منه المؤسسة الملكية؛ إذ يتسم تدبير الشأن العام بالتسلط والاستبداد من جهة، وبانتهاج سياسات لا تقدم سوى تأزيم الأوضاع المتأزمة أصلا، مع الصد المتواصل عن سماع صوت الشعب من جهة ثانية.

كما شدد التقرير السياسي على أنه في الوقت الذي تغيب فيه “أدنى إرادة سياسية أو رغبة حقيقية في تغيير يعيد للإرادة الشعبية المصادرة مكانتها ودورها في المشاركة في قضايا الشأن العام اقتراحا ومصادقة ورقابة”، تبدع الإرادة الشعبية “في أشكال الاحتجاج والرفض والوقوف في وجه المخططات المخزنية التي تصر على الزج ببلدنا في غياهب التخلف والهشاشة والسلطوية والمستقبل المظلم”، ووسط هذا الواقع اختارت جماعة العدل والإحسان، يشير التقرير، أن “تستمر في اصطفافها إلى جانب الشعب ومطالبه وقضاياه، قريبةً من نداءاته ونضالاته، معبرةً عن آلامه وآماله، مساهمةً في تأطيره وتجديد الثقة في الخيارات السلمية كلما غمّت سحابة اليأس التي تنذر بالانفجار العنيف، ماضيةً في دعمه في معركته ضد الظلم ودوس الكرامة والتهميش واختلاس ثروته وهدرها”.     

بعد ذلك كان المؤتمرون والمؤتمرات على موعد مع جلسة خصصت لعرض وتدارس التقرير التنظيمي الذي يهم السير العام للدائرة السياسية، أدارتها الأستاذة أمان جرعود وتولى تأطيرها الأستاذ أبو الشتاء مساعيف والدكتوران عمر إحرشان ومصطفى الريق، حيث تم التأكيد في البداية على أن التقرير يعتبر ركيزة من الركائز التي يقوم عليها البناء، “نطرح من خلالها سؤال الذات؛ من حيث التكوين وأيضا الفعل الميداني.. ويتم من خلالها عرض المعلومة وتحليلها والبناء عليها في أفق صياغة برنامج مستقبلي”.

واعتمدت صياغة التقرير على عرض أهم الخلاصات العامة للتدارس، وتطرق لمجموعة من المحاور؛ كان أهمها السير التنظيمي والمنجزات والأنشطة ثم أولويات العمل. فمثلا على مستوى السير التنظيمي، تم مناقشة استكمال بناء الهياكل المختلفة المنضوية تحت مؤسسة الأمانة العامة وتثبيتها. وهمت المنجزات والأنشطة التي عرضت بين أيدي الحاضرين ستة (6) مجالات هي: الأساس التربوي، التأطير والتأهيل والتدريب، البناء التنظيمي الهيكلي التصوري، التواصل الخارجي، المجال الدعوي، والفعل المجتمعي. دون أن يفوت المنظمون التنويه بمجهودات المؤسسات وبالتجارب النوعية في المناطق. وبعد انتهاء طرح التقرير فتح الباب لمداخلات الحاضرين لتطعيم ومناقشة المحاور التي تناولها التقرير، وتقييمها والخروج بتوصيات من شأنها أن يكون لها فعل تقويمي إيجابي على تجويد الأداء والوصول إلى الأهداف المرجوة.

أعقب جلسة التقرير التنظيم تقييما وتقويما، جلسة أخيرة، يوم السبت، عرض فيها البرنامج السنوي 2018-2019 لمؤسسات الدائرة السياسية، سيّرها الأستاذ أبو الشتاء مساعيف ونشطها الدكتوران محمد بنمسعود ومصطفى الريق. حيث تم التذكير بأن البرنامج السنوي يأتي في سياق البرنامج العام الذي صاغته الجماعة قبل سنوات، كما أنه ينبعث من اقتراحات أعضاء المؤسسات وبرامجها، وذكر العرض بالأصلين العامين الذين يرتد إليهما البرنامج: توزين العامل الذاتي، والعمل في المجتمع. وهو ما سعى البرنامج إلى تنزيلهما في أهداف استراتيجية وعامة وفرعية وأنشطة تحقق تلكم الأهداف.

وهكذا حبل التقرير بكم هائل من التدابير والأنشطة، وفق معطيات وأرقام وتواريخ مفصلة؛ تروم، من بين ما تروم، تأهيل عضو الجماعة وترسيخ قدمه بناء على الأساس التربوي، وتأهيله على المستوى التكويني والعلمي والدراسي التخصصي، ورصد الدورات التدريبية والمواد التأطيرية التي تخدم هذه الأهداف. كما شمل البرنامج مستويات تهم إعداد الخبراء والمتخصصين في ميادين عمل الدائرة، وإصدار الأوراق المنظِّمة للمؤسسات المستحدثة وتحيين الموجودة التي تحتاج إلى تحيين، وتنظيم الندوات والدراسات العلمية التي تلامس مختلف الشرائح وتعرض تصور الجماعة وتحليلها للراهن المغربي، وتفعيل التواصل مع الآخر من فاعلين سياسيين ونقابيين ومدنيين ومع الشبيبات والفاعلات النسائيات، والإسهام الفاعل في فضح مخططات الاستبداد والفساد والاصطفاف المسؤول مع الشعب في مطلب الحرية والعيش الكريم.

الجلسة الصباحية الأولى من يوم الأحد، كانت عبارة عن لقاء مفتوح مع الأمانة العامة للدائرة السياسية، أدارته رئيسة الدورة، بادر فيها أعضاء المجلس أولا إلى طرح استفساراتهم وأسئلتهم واقتراحاتهم وملاحظاتهم على خط وأداء الدائرة السياسية ووسائل عملها وفعلها في المجتمع ومواقفها التي تعبر عن رأيها ورؤية الجماعة اتجاه مجريات الأحداث، وتولى كل من الأستاذين محمد حمداوي وعبد الصمد فتحي والدكتورين محمد سلمي ومحمد منار، بيان وتوضيح خط الجماعة اللاحب وتقديرها للمرحلة وتسليط الضوء على مرتكزات القراءة السياسية للراهن ومداخل وآليات العمل فيها والأوليات التي ينبغي أن يتصدى لها أعضاء “مقدس” والدائرة والجماعة.

بعدها مباشرة عرض الدكتور محمد بنمسعود البيان الختامي للمجلس؛ الذي شدد على الموقف الرسمي من إدارة البلد بنهج الاستفراد والاستبداد والفساد، مؤكدا خيار الدائرة الانحياز إلى الدفاع عن حق الشعب المغربي في العيش الكريم، ومبديا موقف الجماعة من جملة من الأحداث الراهنة.

ثم كان مسك الختام مع كلمة فضيلة الأمين العام للجماعة الأستاذ محمد عبادي، الذي ذكّر بعدد من الأصول التربوية والأخلاقية والتنظيمية والتصورية التي تؤطر عمل الفاعل في الدائرة السياسية وتجدد نيته وتوجه عمله وتحدد قصده. ومن الأصول التي ذكّر بها: الإخلاص في العمل وإرادة وجه الله سبحانه وتعالى، والتجرد من الحول والقوة مع استفراغ الجهد والوسع “إياك نعبد لا يمكن أن نحققها إلا بإياك نستعين”، ورد الفضل إلى صاحبه “فما ننجزه هو صنع الله وفضله وعطاؤه”، والحرص على المتابعة الدقيقة في كل مجالات الحياة، الظاهرية والباطنية، لسنة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، والخوض في إنجاز الأعمال مع تحاشي الغفلة “القلب مع الله واليد في الطين” (قولة للإمام عبد السلام ياسين رحمه).ومن الصوى التي نبّه إليها الأستاذ عبادي: الصبر على الأذى والثبات على الأمر وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، والعمل على وحدة الصف ووحدة الصحبة والجماعة ووحدة الصحبة في الجماعة مع الحرص على الصفاء والمحبة والأخوة، وضرورة تميُّز الجماعة وعضو الجماعة بالبعد الإحساني والعمق الإيماني مع استفراغ كل الطاقة في المشروع العدلي.