تحدث الأستاذ ادريس بكار في إحدى مجالس النصيحة عن محبة المومنين وصحبتهم وأهميتها في السلوك إلى الله عز وجل، مستقرئا مظاهرها من سورة العصر، ومستشهدا بكلام صالحي الأمة الذي ذاقوا فعرفوا ولزموا ودلوا.

افتتح بكار درسه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “في خطبته الثانية بعد دخوله المدينة المنورة، فبعد أن حمد الله عز وجل وأثنى عليه قال: “إن أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر.. أحبوا ما أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم” 1.

واعتبر بكار هذا الكلام “بلاغا من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى محبة الله وإلى التمسك بكتاب الله عز وجل وإلى دوام ذكر الله سبحانه وتعالى، ويحذرنا من القسوة التي تعتري القلوب إذا ابتعدت عن ذكر الله وابتعدت عن محبة الله وعن كتاب الله عز وجل، هذا البلاغ النبوي اللطيف الرحيم هو خطاب للمسلم وللمؤمن”.

ونبه إلى أنه “لا محبة لله عز وجل ترجى وتنال إلى بمحبة المومنين وصحبتهم ومعيتهم، فمحبة المومنين وصحبتهم والكينونة معهم هي مدخل السلوك الصادق إلى الله سبحانه وتعالى، وهي الطابع على جواز السفر بمداد التقوى، يقول الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين.

وللتأكيد على هذا المعنى ساق بكار قول الإمام رحمه الله تعالى: “فما يمنعك من التماس الطريق إلى الله في معيّتهم لتعرف سابقتك عند الله إلا نُحُولُ الإيمان وضُمورُ التقوى وتقلُّص الهمة” 2.

وأضاف بكار، مجليا أسرار الصحبة: “بالإضافة إلى كون المعية مع المومنين وصحبتهم والكينونة معهم مدخلا للسلوك والترقي في مدارج الإيمان من إسلام إلى إيمان إلى إحسان، فهي معية ممتدة إلى يوم القيامة فضلها كبير، يقول الحبيب المرشد في آخر ما كتبه في المنهاج النبوي قبل الخاتمة التي كانت دعاء: “ولا تنس أن المعية مع الذين أنعم الله عليهم، معية هنا وهناك، هي معنى الصحبة. وقد جعلنا الصحبة شطر الخصلة الأولى والجماعة شطرها الآخر. فاعرف لم تتحرك الجماعات وأين تتجه، وتأكد أن تحافظ أينما كنت لتكون الوجهة الله، والموعد الله، ولتبقى الوجهة الله، والموعد الله. لا إله إلا الله محمد رسول الله” 3.

وزاد، معززا كلامه بأقوال الصالحين: “كان قتادة رضي الله تعالى عنه إذا قرأ قول الله عز وجل فما لنا من شافعين ولا صديق حميم يقول: “يعلمون واللّه أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً شفع”. وكان علي رضي الله عنه يقول: “عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة. ألا تسمع إلى قول أهل النار: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ. ومن منا لم يسمع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله وجهه في الحديث الذي رواه أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يَا عَلِيُّ، اسْتَكْثِرْ مِنَ الْمَعَارِفِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَمْ مِنْ مَعْرِفَةٍ فِي الدُّنْيَا بَرَكَةٌ فِي الآخِرَةِ”، فَمَضَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَأَقَامَ حِينًا لا يَلْقَى أَحَدًا إِلا اتَّخَذَهُ لِلآخِرَةِ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ بَعْدُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا فَعَلْتَ فِيمَا أَمَرْتُكَ؟ فَقَالَ: فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: اذْهَبْ فَابْلُ أَخْبَارَهُمْ، فَأَتَى عَلِيٌّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُنَكِّسٌ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْتَسِمُ: مَا أَحْسِبُ يَا عَلِيُّ ثَبَتَ مَعَكَ إِلا أَبْنَاءُ الآخِرَةِ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ” 4.

وتأسيسا على هذا الحديث أكد بكار أن “أخوة الآخرة ليست سهلة وليس من اليسير أن يثبت معك الناس في طلب وجه الله عز وجل وطلب الآخرة”.

وانتقل الداعية إلى محور ثان في ذات الموضوع يخص مظاهر هذه الأخوة وهذه المعية وهذه الكينونة مع المومنين، مبرزا أنها “مظاهر نقرأها ونشهدها ونلمحها إن شاء الله تعالى في سورة العصر، هذه السورة قصيرة في آياتها (ثلاث آيات) لكن معانيها عظيمة، لا تنقضي، فهي في غاية الإيجاز والبيان لكنها توضح سعادة الإنسان أو شقاوته، ونجاحه في هذه الدنيا أو خسرانه ودماره، وقد اتخذها الصحابة شعارا في ملتقاهم، فكان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر كاملة ثم يسلم أحدهما على الآخر ثم يفترقا”.

وأورد المتكلم أقوال الصالحين عن هذه السورة العظيمة: “عن الشافعي قال: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم، وفي رواية عنه: لو لم ينزل إلى الناس إلا هي لكفتهم.

وقال غيره: إنها شملت جميع علوم القرآن.

يقول السيد قطب رضي الله عنه: في هذه السورة الصغيرة ذات الآيات الثلاث يتمثل منهج كامل للحياة البشرية كما يريدها الإسلام، والحقيقة الضخمة التي تقررها هذه السورة بمجموعها هي أنه على امتداد الزمان في جميع الأعصار وامتداد الإنسان في جميع الأدهار ليس هناك إلا منهج واحد رابح وليس هناك إلا طريق واحد ناج هو ذلك المنهج الذي ترسم معالمه هذه السورة، وهو هذا الطريق الذي تصف السورة حدوده وكل ما وراء ذلك ضياع وخسار؛ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3).

وبسط بكار معاني هذه السورة شارحا: “إنه الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. فهل رأيتم إخوتي هذه الواو، واو الجماعة كيف تتكرر؟ أليست برهانا كافيا لكي نعرف أن هذا الإسلام هو دين جماعة، دين كينونة مع المومنين”.

واستشهد بآية وتوبوا إلى الله جميعا أيها المومنون لعلكم تفلحون ليوضح أن “أول مظهر من مظاهر هذه المعية وهذه الكينونة مع المومنين أن تكون كينونة محبة، لأن المحبة أصل الإيمان، وهي منبعه وأساسه، وهي العروة الوثقى، وبها يكمل الإيمان. ألم نسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تدخلوا الجنة حتى تومنوا، ولا تومنوا حتى تحابوا، أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم” 5.

وحول المظهر الثاني قال: “وهي العروة الوثقى، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَوْثَق عُرَى الْإِيمَانِ الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله” 6.

وبها يكون كمال الإيمان؛ “من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان” 7 كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي نقطة ثالثة لا تقل أهمية عن سابقاتها بيّن بكار أن “الصحبة والمعية مع المومنين أيضا هي معية بناء، معية عمل صالح، فلا يكفي أن تكون محبة فقط، بل يجب أن يكون معها برهان، وبرهانها هو العمل في الميدان”.

وختم الداعية درسه بكلام نفيس للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى حول مكانة الصحبة في السلوك إلى الله تعالى والاستعداد للدار الآخرة “يا غافل! هذا عمرك يتصرَّم! فماذا أسست من صداقات، وماذا بنيت لآخرتك من معارف، وما شَغَفَ قلبك من أحباب؟ أنت مع أولئك يوم القيامة، وأنت من ذلك الصنف أيا كان. “فالأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف” كما روى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة مرفوعا.

اهرُب من قرناء الغفلة، وارْتَمِ في أحضان قوم صالحين، وابك على ربك ليرزقك محبتهم، عسى أن تنجوَ من وَرطة الانحشار في زمرة الهالكين. فإن حب الصالحين يُثمر حب الله، وحب الله يثمر حب الصالحين قال الغزالي: “إن حب الله إذا قوي أثمر حب كلِّ من يقوم بحق عبادة الله في علم أو عمل، وأثمر حب كل من فيه صفة مرْضية عند الله من خُلُق حسن أو تأدب بآداب الشرع” (الإحياء، ج 2، ص 154) 8.

ليتوجه إلى المولى عز وجل بالدعاء “أن يوفقنا لصحبة المومنين والانتفاع بصحبتهم، وأن نكون معهم قلبا وقالبا. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين”.


[1] قال ابن إسحاق: ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس مرة أخرى، فقال: إن الحمد لله، أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. إن أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا ما أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي، قد سماه الله خيرته من الأعمال، ومصطفاه من العباد، والصالح من الحديث؛ ومن كل ما أوتي الناس الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث عهده، والسلام عليكم.

انظر: كتاب “السيرة النبوية” لابن هشام، هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، خطبته الثانية صلى الله عليه وسلم.
[2] عبد السلام ياسين، كتاب “الإحسان”، ج 1، ص 423.، مؤكدا أن “هذه موانع تمنعنا من الكينونة والمعية مع المومنين”
[3] عبد السلام ياسين، كتاب “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا”، ص 462 – 463.
[4] أخرجه الطبراني في الكبير.
[5] أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن إفشاء السلام سبب لحصولها، (1/74)، رقم: (54).
[6] صحيح: رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2539) عن ابن عباس – رضي الله عنهما.
[7] رواه أبو داود (صحيح الجامع 5965).
[8] عبد السلام ياسين، كتاب “الإحسان”، ج 1، ص 190.