غادرنا بالأمس 1 (1 نونبر 2015) إلى رحمة الله وعفوه، الأستاذ الفاضل، والمربي الجليل، والمجاهد الكبير، الحاج علي سقراط بن منصور، بعد عمر طويل أفناه في العمل الدؤوب في مجال التعليم مربيا ومعلما ومؤطرا ومديرا، وفي الجهاد في ميادين الدعوة موجها ومؤلفا ومنظما وداعية. 
.

يقولون إن الله تعالى يضع سرَّه في أضعف خلقه. ولعل هذا ينطبق انطباقا تاما على فقيدنا الجليل؛ فقد كان رحمه الله نحيف الهيئة، قصير القامة، وئيد الحركة في سائر شؤونه إلى الدرجة التي لا تحس معها بوجوده، ضعيف النبرة بحيث لا يكاد يُسمَع له صوت. ومع هذا كان مثالا عظيما في أخلاقه وجهاده وتواضعه ونكران ذاته وربانيته وإنسانيته. وكان لهِمَّته ولعزيمته في القلوب فعل محرك القاطرة القوي في القطار، وكان لروحه أثر المغناطيس الجاذب لمن حوله، وكان لكلامه مفعول الدواء الشافي بإذن ربه في الجسم العليل. وكانت حركته وسكنته وسلوكه ونطقه وصمته وحاله دلالةً عملية أمينة وإشارة ناطقة سديدة إلى اليد البيضاء الكريمة التي أسلكته وأسلكت هذه الأجيال في منهاج النبي العدنان، وارتقت به وبها في مدارج العرفان.

لقد حظي بصحبة الإمام المجدد عبد السلام ياسين، رحمه الله، من الناس كثير، وكان لكل منهم حظ من هذه الصحبة في فترة زمنية محدودة من مساره الدراسي أو المهني أو الجهادي الطويل، غير أن ما ميز الحاج سقراط رحمه الله أنه حظي بهذه الصحبة الربانية المباركة تامة كاملة من سِنِيِّ الإمام الأولى وإلى غاية آخر يوم في حياته رحمهما الله.

جمع بين الرجلين، أولَ ما جمع بينهما، حفظ القرآن الكريم في مدرسة العلامة محمد المختار السوسي، وهما في الخامسة أو السادسة من العمر، فكان كتابُ الله، بهذا، هو الأساسَ الذي بَنَيَا عليه حياتَهما، والمنطلقَ الذي انطلقا منه وإليه في دربهما، والروحَ التي ملأت أنوارُها ما بين جوانحهما، والشعارَ الذي رفعاه دستورا لعملهما، والمأدبةَ والبرنامجَ اللذين اجتمعا عليهما، والعهدَ الذي تعاهدا على حفظه على مدى رحلتهما على هذه الأرض.

سُقِيَ الرجلان بماء واحد في كُتَّاب المختار السوسي، وبعد ذلك في معهد بن يوسف، وسلكا معاً طريق التعليم فتخرجا معلّمَين معاً وهما في بداية العشرين من عمرهما وتدرجا في مدارجه حتى بلغا منها مبلغا. ولم تُنْسِهما مطالب المعاش وبريق الوظيفة الأساسَ والمنطلق والروح والشعار والمأدبة والبرنامج والعهد، بل سَعَيَا لبث روح القرآن التي تمثّلا بها في قلوب الناشئة التي وُضِعَت أمانة تربيتها وتعليمها بين يديهما، وظلاّ على مدى الزمن الذي تحملا فيه مسؤولية التوجيه والإدارة في المدارس والمؤسسات التعليمية في أرجاء البلاد على ما عُهد فيهما من الاستقامة والنزاهة والأمانة، فحاربا المحسوبية والبيروقراطية، وواجها التمييز، وطاردا الخيانة والغش واللامبالاة.

وجاءت الامتحانات! وما كان أشدها وأطولها من امتحانات!

جاء امتحان جهاد الكلمة فكان أحدَ جنود ملحمة “الإسلام… أو الطوفان!” (1974م)، وأسفرت حقيقةُ معدن الرجل عن ذهب إبريز رجولةً ومروءة وجهادا خَفِيًّا وشهامة ووفاء. وجاء امتحان جهاد الإعلام (مجلة “الجماعة” 1979م)، فكان الباذلَ للمال وللنفس دعما وكتابةً وتحرّكا وتوزيعا. وجاء امتحان جهاد التوحيد (محاولات الإمام المجدد لتوحيد الحركات الإسلامية المغربية 1981/1979م) وجهاد التنظيم (1981م)، فكان الصدرَ الرحب والقلب الواسع والفكرَ المستنير والسندَ والمستشار. وفي كل امتحان وفي كل محنة كان النموذجَ القوي والمثال الحي للأستاذ الذي يعلم تلامذته دروس الجهاد والربانية في الميدان، والمربي الذي يدفعهم إلى اقتحام عقباته ويحفزهم على خوض غماره، والذاكرَ المذكرَ الذي يحقن شرايينهم بما يغذي قلوبهم من تذكير بالغاية العظمى، والمطلب الأسمى: طلبِ وجه الله وابتغاء الدار الآخرة. وجاء امتحان الثبات على العهد، فكان أثبت الناس على متنه، وأخلصهم لروحه، وأحرصهم على بنوده.

ثم قبض الله تعالى إليه الأحباب واحدا بعد واحد؛ العلويَّ فالملاخَ فالإمامَ ياسين رحمهم الله تعالى، فكان الفقيد الراحل كلما التحق منهم بالدار الآخرة ملتحق يصير هو من الشوق إليهم ومن الحنين كأنما كان يُقْبَضُ منه إليها مع كل منهم جزء من روحه بنزعه وغرغرته وسكراته، حتى فاضت عن آخر نَفَسٍ منها.

هاهي روح هذا الرجل المجاهد الرباني الذي كان ممن إذا رُؤوا ذُكر الله قد ارتقت إلى باريها. وهاهو مكان تهجده وعبادته من هذه الدنيا يفتقده وينعاه ويبكيه قبل أن يبكيه أهله وإخوانه ومحبوه. وهاهي مآثر جهاده على الأرض، وآثار محبته في قلوب عامة الناس وخاصتهم، وحروفه وكلماته وسطوره المنقوشة في صفحات التاريخ، وذكره في الملإ الأعلى، ونحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا، هاهي تشهد له بالسابقة، وتقر له بالفضل، وتشير إليه بالخيرية، وتُلحقه بركب القافلة النورانية، وتُنزله بفضل الله وبرحمته مَنْزِلَه من الحسنى وزيادة.

رحم الله الحاج علي سقراط رحمة واسعة، وألحقنا به وبموكب المحسنين وبإمام المرسلين ثابتين على العهد غير مبدلين ولا مغيرين. آمين.


[1] “الأمس”: كل يوم في الزمن الماضي، و”أمس”: اليوم السابق ليومك هذا.