على هامش الدورة 12 للمجلس الوطني للقطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، الذي نظم بالدار البيضاء يومي السبت والأحد 10-11 صفر 1440هـ الموافق لـ20-21 أكتوبر 2018م، حاور موقع الجماعة نت الفاعلة النسائية وعضوة المجلس الوطني الأستاذة نبيهة اتركوتي، حول مجموعة محاور شملت التعريف بهذه المؤسسة، وبأهمية هذا اللقاء السنوي الجامع، وأماط اللثام عن بعض المشاريع التي تعمل عليها المؤسسة، وأيضا حدود التعاون مع باقي الفاعلات في مجال إنصاف المرأة.. وغيرها من القضايا التي تجدونها في نص الحوار التالي:

بداية، هل يمكن أن نمد القارئ ببطاقة تعريف بالقطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان؟

القطاع النسائي واجهة من واجهات العمل السياسي للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، تعنى بتفعيل مشاركة المرأة في الحياة العامة، والرفع من أدائها في العمل الميداني والمجتمعي؛ تشخيصا وتأطيرا واقتراحا، انطلاقا من التصور المنهاجي للجماعة المرتبط بتربية وبناء الإنسان من جهة وفاعليته في بناء وتطوير المجتمع من جهة أخرى.

عقدتن الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني للقطاع النسائي آخر الأسبوع المنصرم، تحت شعار “المرأة المغربية بين راهن الأزمة ورهان الإنصاف”، لماذا هذا الشعار بالضبط؟

لا تخفى علينا حالة الاحتقان الشديد الذي يعيشه وطننا الحبيب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وما يترتب عنها من قمع وتهميش وإقصاء نالت منه، ولا تزال، المرأة حظا وافرا، إضافة إلى تحملها تبعات منظومة ثقافية وقانونية وفقهية حددت هامشا ضيقا من الحقوق المبثوثة قسرا في بعض النصوص القانونية، والتي بقيت حبيسة الأوراق والرفوف حتى أضحى مطلب الإنصاف رهانا قويا؛ إنصاف بمداخله الشمولية وليس مطالب جزئية وموسمية تستدعيها ظروف خاصة ثم تموت بمجرد انقضاء الحاجة إليها.

أين تكمن أهمية هذا اللقاء الجامع؟

المجلس الوطني محطة مهمة تلتقي فيها جميع الفاعلات في القطاع النسائي من مختلف مناطق المغرب، وهذا التلاحم في حد ذاته مناسبة لمدارسة مجموعة من القضايا المشتركة من جهة، وأيضا تداول بعض خصوصيات العمل النسائي في مناطق معينة.

يعد هذا الملتقى أيضا فرصة لتثبيت الأسس التصورية وتوحيد الرؤى حول القضايا والإشكالات التي تعترض عمل الفاعلات في القطاع. كما يشكل محطة مهمة لتبادل التجارب والخبرات بين عضواته.

هذا النقاش الموسع يدفع بالقطاع النسائي إلى بلورة خطة عمل واستراتيجية واضحة، يبني عليها عمله في العام القابل بإذن الله تعالى.

هل يمكن إطلاع القراء على بعض المشاريع التي تعملون عليها كمكون من مكونات المجتمع المدني في ساحة الفعل الميداني، والتي تصب في اتجاه إنصاف المرأة المغربية؟

لا تزال جماعة العدل والإحسان تعاني من أشكال مختلفة من التضييق سواء على مستوى مؤسساتها وأفرادها أو على مستوى الأنشطة والمشاريع التي تقوم بها. ورغم ذلك فإن للقطاع النسائي والحمد لله حضور متميز، سواء على المستوى الداخلي تأطيرا وبناء لأطر الجماعة؛ إيمانا منا أن التربية أساس وركيزة لنجاح المشروع الدنيوي والأخروي لكل فرد منا. أما على المستوى الخارجي فقد عمل القطاع النسائي على التفاعل مع مجموعة من القضايا المرتبطة بالمرأة واقتراح رؤى وتصورات للنقاش؛ منها المشاركة السياسية للمرأة، وقراءة نقدية للعديد من القوانين من بينها مدونة الأسرة وقانون العنف والمعاهدات الدولية.. وغيرها. كما يحرص القطاع النسائي على أهمية التواصل والمشاركة مع الفاعلات النسائية بمختلف مكوناتها، سواء من خلال فتح الحوار والنقاش في عدة مناسبات؛ مثل القافلة الوطنية للقطاع النسائي أو منابر فكرية أخرى، أو المشاركة الميدانية في أغلب المحطات الاحتجاجية حقوقية كانت أو اجتماعية أو سياسية. كما أن للقطاع النسائي حضور وازن من خلال المشاركة في العديد من الملتقيات الدولية والوطنية.

في البيان الختامي للدورة، جددتن دعوتكن جميع الفعاليات النسائية إلى توحيد الجهود خدمة لقضايا المرأة المغربية، إلى أي مدى استطعتن التنسيق مع هيئات نسائية أخرى لأجل إعطاء دفعة أقوى للعمل النسائي في المغرب؟ هل تحرزن تقدما في هذا الاتجاه؟

بداية؛ أذكر أن الدعوة إلى توحيد الجهود والعمل المشترك مع جميع الفعاليات النسائية في المجال لا نعتبرها ترفا فكريا ولا مناورة سياسية، لكنها قناعة استراتيجية وعقيدة نؤمن من خلالها أن الجهود المشتتة والإقصاء إنما يزيد في عمر الفساد ويضيع الفرص لتحقيق مكاسب مجتمعية عميقة وتغيير حقيقي في مستوى تطلع فئات مجتمعنا المقهورة.

لذلك نسعى، في القطاع النسائي كما في باقي مؤسسات جماعة العدل والإحسان، للتنسيق مع الفاعلات في المجال واللائي يقبلن الدعوة لأجل التأسيس لحوار نسائي جاد وإيجاد مساحات للعمل المشترك، خاصة وأن الملفات المجتمعية المتعلقة بالمرأة تفتح مجالا واسعا للتداول وبلورة مواقف قوية، بغض النظر عن الاختلافات الفكرية أو الاختيارات السياسية.

على هذا المستوى نلمس فعلا تقدما، حيث تستجيب عضوات محسوبة على هيئات معينة، وأخريات بصفتهن الشخصية، غير أن ما أفسده عمل سنين لا يمكن إصلاحه في وقت وجيز، فهذا عمل يحتاج من الصبر والإصرار الكثير، ونحن مقتنعون بأن الوقت والتقارب وتلاقح الأفكار كفيل بإزالة الكثير من الغيوم وإعطاء دفعة قوية في اتجاه بناء عمل مشترك صلب من أجل إنصاف المرأة ورفع الظلم عنها.

ما طبيعة الإنصاف، الذي تضمنه شعار دورة مجلسكم الوطني، وتتوخينه للمرأة المغربية؟

تتعدد صور الإنصاف الذي ندعو إليه ونعمل لأجل تحقيقه بتعدد مظاهر الظلم والحيف الذي لحق المرأة تاريخيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.. والذي اتخذ صورا نمطية متجذرة في الضعف والتهميش والدونية والاستغلال.. لنرقى بها الشخصية القرآنية المتزنة التي تحملت أمانة الاستخلاف في الأرض، هذه الأمانة العظمى التي لا يمكن أن تؤديها إلا المرأة القوية؛ الطالبة لوجه ربها أولا والعاملة لبلوغ بنات جنسها ما منحهن الله من كرامة وحقوق، الواعية بطبيعة أدوارها الاجتماعية والاقتصادية، المرأة الحاضرة الفاعلة في الحياة العامة بمنظومة فقهية وفكرية وقانونية تضمن لها ولأخواتها الكرامة والعدل والحرية. 

وهذا يفتح أوراشا تحتاج الكثير من الخبرة والرحمة والعلم والحكمة مقرونة بإرادة حقيقية تروم أن تكون المرأة أيا كان موقعها رائدة وفاعلة.

بعد سنوات من العمل النسائي، سواء على مستوى الهيئة التي تمثلونها أو على مستوى ما ترصدنه من فعل باقي الفاعلين في المجال، هل تلمسن بوادر تقدم في النهوض بوضعية المرأة المغربية؟

نلمس من خلال استقراء تاريخي وميداني أن وضعية المرأة المغربية تعززت ببعض المكتسبات التي لا يمكن إنكارها، والتي جاءت كنتيجة طبيعية لتغير بنية المجتمع ولنضال مستميت من مجموعة من الفاعلات والفاعلين في الميدان.

تجلى هذا الأمر مثلا في تعزيز حضورها في مجالات مختلفة مثل المشاركة السياسية وتمثيليتها في المؤسسات، كما تجلى في إصلاحات قانونية من قبيل التعديلات التي أدخلت على مدونة الأسرة وقانون محاربة العنف، رغم التحفظ الكبير على بعض مضامينها وطرق تنزيلها، لكن مع ذلك تبقى هناك تحديات كثيرة ومعاناة يومية ناتجة عن سياسات التهميش والتحقير والتعنيف وانعدام الأمن وتفشي الفساد والخراب الاجتماعي الذي لا يمكن أن يجد الحل في الجانب القانوني منفردا.

فالمرأة لا تزال تعاني من مخرجات إخفاق الدولة في تدبير ملفات حيوية؛ مثل تدني الخدمات الطبية وارتفاع نسب الأمية، والفشل في تدبير ملف العطالة، وتزايد عدد النساء اللائي يعلن أسرهن في ظروف عمل قاسية ومجحفة، تعرض فيها المرأة حياتها وكرامتها للاستخفاف والاستغلال البشع.. وغيرها من مظاهر الظلم التي تطول جوانب كثيرة من حياتها، والتي تتقاسم جزءا من معاناتها مع أخيها الرجل وتزيد عليه بما يتنافى ومراعاة خصوصيتها كأنثى. والحصيلة ما عايشناه هذه السنة من كوارث بلغت حد إزهاق الأرواح، وما حياة وفضيلة إلا صورتان دالتان على وضعية المرأة المغربية المأساوية، ناهيك عن أفواج النساء المغربيات اللائي يتعرضن للاستغلال في ضيعات إسبانيا الفلاحية وتنكر الدولة للمدافعة عنهن.. هي أمثلة، وغيرها كثير، تمثل مؤشرات لانسداد الأفق واستمرار حالة الإحباط لدى فئات عريضة من المجتمع.

ما الحل الذي تقترحنه لإنقاذ البلد، ومعه المرأة، من الواقع الذي يتخبط فيه؟ وما المداخل المقترحة لتفعيل وتنزيل هذا الاقتراح؟

أكيد أن الحل يستوجب بالأساس إرادة سياسية حقيقية للتغيير تستجيب للوعي المتنامي للشارع المغربي، وتفرض على الفاعلين السياسيين أن يراجعوا الدور الذي يجب أن يقوموا به في تأطير هذا الوعي بعيدا عن الحسابات الضيقة والاختلافات الفكرية، ليقدموا مشروعا للخروج من الأزمة يشارك فيه الجميع بدون إقصاء. أما عن قضية المرأة فإضافة إلى كونها جزء من هذا الواقع الهش نحتاج إلى مراجعات قانونية وفقهية واجتماعية وأخلاقية لإيجاد بيئة مناسبة لتمارس دورها الريادي في البناء والتغيير. وهذا في رأينا لا يمكن أن يتم إلا عبر مشروع كبير لبناء الإنسان بناء متكاملا يجعله قادرا على اختيار مصيره وانتزاع حريته.