يواصل الدكتور مولاي عمر الصوصي تأملاته في آيات الله من كتابه الكريم، في برنامجه على قناة الشاهد “تأملات في آيات”.

في هذه الحلقة من هذا البرنامج يتطرق إلى قوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا (هود – 82) ويتساءل:

هل الإنسان جبل في طبيعته على الخير أم الشر؟

ويجيب الصوصي:

سؤال انقسم حوله أهل الفكر والفلسفة إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يرى أن طبيعته خَيّرة، ومنهم سقراط وأدم سميث وروسو وكانط، وفريق يرى أن جميع البشر يولدون مطبوعين بخاتم الشر والفساد، ومنهم طوماس هوبز وسبينزر وميكيافيلي، وقسم ثالث يقول بالحياد فيرى أن الإنسان بالاعتبار الفردي فقط يولد صفحة بيضاء بدون قبليات سلوكية أو قوالب أخلاقية ومنهم لوك وراسل ودوركايم، وباعتبار المجموع فقط بعضهم يولد شريرا والآخرون يولدون أخيارا، وممن قاله فيلسوف التشاؤم الألماني شوبنهاور إذ يصرح قائلا: “يولد الناس أخيارا كما يولد الحمل وديعا والنمر مفترسا”.

هذا عن الغرب، فماذا يقول علماؤنا المهتدون بالوحي؟ ينزعون إلى القول بالحياد على مستوى الأخلاق؛ أي بالاستعداد الفطري لابن آدم لكلي الأمرين، مجاراة لسنة التكليف والابتلاء مصداقا لقوله تعالى وهديناه النجدين وقوله تعالى: إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا. ونمثل لهم بفيلسوف الأخلاق الإمام الغزالي إذ يقول: “إن الصبي بجوهره خلق قابلا للخير والشر جميعا وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين”. ويؤكد ابن القيم هذا بقوله: “إن الطبيعة البشرية مشتملة على الخير والشر والطيب والخبيث وذلك كامن فيها كمون النار في الرماد، فخُلق الشيطان مستخرجا لما في طبائع البشر من القوة إلى الفعل، وأرسلت الرسل تستخرج ما في طبيعة أهل الخير من القوة إلى الفعل”.

ورجوعا إلى قوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا، ووجه تعلقها بما ذكرنا آنفا أن قوم لوط لما انقلبوا على الحقيقة والفطرة ومارسوا الفاحشة والشذوذ الجنسي في ناديهم أمام الملإ وأمطروا المتطهرين والمتعففين بالسب والشتم والتعنيف، جعلوا بذلك أسفل الأخلاق أعلاها، فعاقبهم الله تعالى بنظر فعلهم بأن جعل عالي الأرض سافلها وأمطرهم بحجارة من سجيل منضود، ليكونوا عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

جعلني الله وإياكم ممن ينزعون إلى عمل الخيرات وينأون عن السيئات وأن يمطرنا بالبركات ويفيض علينا من الرحمات والحمد لله رب العالمين.