تمهيــــد:

تعتبر السيرة النبوية العطرة الصورة الحية والنموذج الواقعي والتطبيق العملي للقرآن الكريم في الخلق والمعاملة مع الناس، صديقهم وعدوهم على السواء، وهي المرجع المعتمد في معاملاتنا الأسرية مع أهل البيت، مع الأبناء والأزواج. لم لا، وصاحب هذه السيرة وصفه رب العزة في القرآن الكريم ب وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ 1 وأمر سبحانه المسلمين بالتأسي والاقتداء به في قوله تعالى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا 2.

في هذا الموضوع المتواضع نكشف عن بعض الصور التربوية المشرقة -وكل سيرته عليه السلام مشرقة- في علاقته صلى الله عليه وسلم مع بعض أزواجه وأبنائه وأسباطه، ولشساعة الموضوع، وصعوبة الإحاطة به من كل جوانبه، واستقصاء أغلب الأمثلة الواردة، فإننا سنكتفي بذكر مثال واحد عن كل مطلب ونعممه على الباقي، وذلك ليكون درسا لنا ولكل من يحب أن يتأسى برسول الله في حياته وتعامله مع أزواجه وأبنائه، فحبهم فطرة من الله عز وجل غرسها في قلب الإنسان.

فكما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الزوج المثالي المتسامح والمتغاضي عن الهفوات، كذلك كان الأب الحاني العطوف الشفيق، وفي أبوته لبناته الأربع قدوة صالحة للمؤمنين.

هدفنا هو استنتاج مجموعة من الأساليب التربوية النبوية المأخوذة من بيت النبوة، وتعميم فائدتها فقها وتنزيلا في الأسر المسلمة اقتداء وتأسيا بالمربي المعصوم عليه السلام.

المطلب الأول: منهج النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه؛ «عائشة رضي الله عنها نموذجا»

اخترنا عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما نموذجا، لفضلها وصغر سنها، ورجاحة عقلها، وحب النبي عليه السلام لها. كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعامل مع زوجاته على السواء بالعدل والرحمة والتسامح ولين الجانب، والسيرة النبوية مليئة بالأحداث والنصوص والوقائع التي تبين “ما كان عليه رسول الله من الرأفة والرحمة وحسن الخلق والمعاشرة بالمعروف مع الأهل والأزواج وغيرهم” 3 نذكر منها هذه الأمثلة:

1.  النزول عند رغبة عائشة رفقا لصغر سنها.

أخرج الشيخان عن عائشة – رضي الله عنها- قالت: “لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما على باب حجرتي، والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، أنظر إلى لعبهم”. 4

وفي رواية: “فأقامني وراءه، خدي على خده وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة 5، حتى إذا مللت قال: حسبك قلت نعم، قال فاذهبي6.

النبي الكريم الرحيم يرخص لزوجته بالنظر إلى أماكن اللهو واللعب، إكراما لها ورحمة بها، وحسن معاشرة وفقه واقع الصغير، بدون إفراط ولا تفريط، تربية راقية.

2.  مراعاة لمشاعر زوجاته والتخفيف عنهما.

حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على مشاعر المرأة بشكل عام، وعلى الزوجة بشكل خاص لكون المرأة ضعيفة وتحتاج إلى من تستند إليه وتعتمد على رجولته، لذا نراه صلى الله عليه وسلم يراعي نفسية أمنا عائشة رضي الله عنها عندما تأتيها الحيضة أثناء أداء مناسك الحج، فيواسيها، ويعاملها دون أي نقص، تخفيفا من روعها وتهدئة لنفسيتها.

أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: “خرجنا لا نرى إلا الحج فلما كنا بسرف 7 حضت، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، قال مالك أنفست؟ قلت نعم قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت” 8.

3.  إعلان حبه لزوجاته أمام الآخرين.

أخرج الشيخان بسنديهما عن عمرو بن العاص رضي الله عنه “أن انبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل 9 فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال عائشة، فقلت: من الرجال: فقال: أبوها… الحديث” 10 إعلان الحب والدفاع عليه تربية نبوية تزيد الأسرة تماسكا وتقيها من التفكك والانهيار.

4.  استقراؤه لحال زوجاته.

كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالا للزوج الصالح التقي، حيث كان يهتم بحال زوجاته، ويستقري رضاهم من عدمه، ففي حديث عائشة الذي أخرجه البخاري ومسلم، قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى، قالت: فقلت من أين تعرف ذلك؟ فقال: “أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت علي غضبى، قلت: لا ورب إبراهيم…”  11 تهجر الاسم فقط وحبه يغمر قلبها.

5. تأديب أزواجه بآداب الإسلام

وإنك لعلى خلق عظيم؛ هكذا وصفه ربي سبحانه، وكان خلقه القرآن، وهكذا وصفته زوجته، إنه رسول الله صاحب الأخلاق الرفيعة، والآداب السامية، فكان يشيع نورا ويعلم من حوله بالحال والمقال، وخاصة أهل بيته. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: “دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام 12 عليكم، قالت عائشة،ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقلت يا رسول الله: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قلت وعليكم” 13.

رفق ورحمة ولين وتعليم بالحوار والحال، إنها مدرسة النبوة، مدرسة الصبر والحلم والتؤدة مع الصديق كما العدو.

6.المعاتبة بأسلوب إسلامي رفيع

إن حبه صلى الله عليه وسلم لأزواجه لا يمنعه من معاتبتهم بالحسنى، إن احتاج الأمر العتاب، فانظر إليه عليه السلام، كيف عالج غيرة عائشة رضي الله عنها. فعن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة” 14 فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة، فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: غارت أمكم ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت” 15.

معاقبة ومعاتبة دون عنف لا في القول ولا في الفعل.

المطلب الثاني: منهج الرسول صلى الله عليه وسلم مع أولاده؛ «فاطمة رضي الله عنها نموذجا»

اختلف العلماء في عدد أبناء الرسول صلى الله عليه وخاصة الذكور منهم، واتفق الجميع على أن البنات أربع هن: زينب ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة-رضي الله عنهن- وجميع البنات من السيدة خديجة رضي الله عنها، بلا خلاف، وكلهن أدركن الإسلام وهاجرن إلى المدينة، وتوفاهن الله عز وجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا فاطمة – رضي الله عنها – أما الذكور فقد توفاهم الله تعالى جميعا صغارا في سن الرضاع، ولهذا تم اختيار نموذج فاطمة رضي الله عنها سيدة نساء العالمين، وأحب الناس إلى رسول الله عليه السلام ووارثة نسله الأكرم. وإليك الأمثلة:

1- مخاطبة الأبناء باللطف واللين مع القبلة في الجبين.

كان الرسول صلى الله عليه يحب أبناءه ويخاطبهم بالرحمة واللين، فعن أنس بن مالك قال: “ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كان إبراهيم 16 مسترضعا له في عوالي المدينة فكان ينطلق، ونحن معه، فيدخل البيت وإنه ليدخن وكان ظئره 17 قينا فيأخذه فيقبله” 18

وكان صلى الله عليه وسلم ينادي أبناءه خصوصا فاطمة عليه السلام بألطف العبارات وألينها وبتودد الأب الحنون “يابنية”، جاء في حديث طويل للشيخان نأخذ منه هذه العبارة الجميلة: “… ثم إنهن (أزواج النبي) دعون فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم فأرسلت إلى رسول الله تقول: إن نسائك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر فكلمته، فقال: يا بنية ألا تحبين ما أحب قالت بلى…” 19

2- حرصه صلى الله عليه وسلم على مشاعر أبنائه وحسن استقبالهم.

كما كان حريصا على مشاعر زوجاته، كان حريصا على مشاعر ابنته- بل جميع أبنائه- فما كان يقطع عنهم زياراته ولا ابتساماته، وكان يكلمهم بالكلام الطيب، وكان يقف بجانبهم في السراء والضراء يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم…

قال صلى الله عليه وسلم: “فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني» يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها” 20.

كان يستقبل فاطمة ويرحب بها كما كان يستقبل الوفود والصحابة، ويرحب بها ويلاطفها بالقول والفعل، عن عائشة رضي الله عنها قالت: “أقبلت فاطمة تمشي، كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مرحبا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم أسر إليها حديثا…” 21

«مرحبا بابنتي» سعادة وفرح وحبور بقدوم ابنته واستقبال بكل رحابة صدر. أبناؤنا جنة قلوبنا.

وفي رواية أخرى عن الترمذي “… وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها، وأجلسها في مجلسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها، فقبلته وأجلسته في مجلسها…” 22.

يالجمال هذه الصورة التي ترسم لنا قوة العاطفة والتي تجمع الأب والبنت، الرسول الأكرم وفاطمة الطاهرة، لكي تكون درسا لمن يتعالون عن فعل ذلك إما تكبرا أو سهوا  23 المربي الكبير يعلمنا كيف نتعامل مع فلذات أكبادنا، حبا وتقديرا واحتراما.

 المطلب الثالث: منهج الرسول صلى الله عليه وسلم مع الأطفال – «الحسن والحسين نموذجان»

 قال الشاعر:

وإنما أطفالنا بيننا***أكبادنا تمشي على الأرض

نعم والله؛ فكل أب وكل أم يحس بأن ابنه كبده تمشي على الأرض أمامه، فكيف نحافظ عليها؟ وكيف نعامل أطفالنا؟ من أين نتلقى الوصية إن لم نحن نأخذها من بيت النبوة، بيت الوالد الأعظم والمربي الحبيب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟

فمن بره صلى الله عليه وسلم بالطفل وليدا وصبيا ويافعا أنه يعامل كلا بأليق ما يصلح حاله، ويقيم خلقه ويطيب خاطره ويدخل عليه السرور 24.

قال أبو هريرة رضي الله عنه: كان الناس إذا رأوا أول التمر جاؤوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه قال: “اللهم بارك لنا في تمرنا وبارك لنا في مدينتنا..” ثم يدعوا أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك التمر” 25 إنها تحفة تناسب سن من يفتح عينيه على أطايب الدنيا ولذة الحلوى.

1.  الطفل ومشروعية اللعب:

سن لنا الرسول الكريم ملاعبة الصبيان ورعاية خاطرهم كل الرعاية، حتى ولو كنا في شغل من أشغال الجد والعبادة.

فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “كان النبي يصلي والحسن والحسين على ظهره فيباعدهما الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: دعوهما بأبي هما وأمي من أحبني فليحب هذين” 26

عامة الناس، في الماضي وكذا الحاضر، يباعدون الأطفال عن مواطن النجاح والتربية والتعلم والتنور، ولا يعلمون أن الأطفال هم كنز الأمة وجندها وعمارتها ومستقبلها.

وعن عبد الله بن شداد عن أبيه رضي الله عنهما قال: “خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشي وهو حامل حسنا أو حسينا فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهري صلاته سجدة طالها. قال أبي: فرفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهري صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر وأنه يوحى إليك، قال: كل ذلك لم يكن، لكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته” 27.

مشهد جميل في غاية الروعة، الحبيب المصطفى في الصلاة، وهو الذي وصى المؤمنين، وهو منهم، أن لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن إقامة الصلاة، يتحمل بعض أحفاده، ويطيل في السجود لكي لا يقطع على الطفل متعته في اللعب فوق ظهره الشريف.

ميل الصبيان إلى اللعب حاجة مهمة في التربية ينبغي الالتفات إليها والتهمم والاشتغال بها لا الانزعاج منها.

2.  التهمم بمشاعر الطفولة ومألوفها.

تهمم وملاطفة وتعليم نقرؤها في حوار الرسول صلى الله عليه وسلم مع الطفل “أبو عمير” في الحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما رحمهم الله من حديث أنس رضي الله عنه قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن خلقا، وكان لي أخ يقال له أبو عمير… (وكان له طائر يقال له النغر) وكان إذا جاء قال: “يا أبا عمير ما فعل النغير؟” 28؟

التفاتة كريمة وملاعبة خفيفة وتعليم رحيم من والد مربي كريم عليه الصلاة وأزكى التسلم.

3.  من هديه صلى الله عليه وسلم معانقة الأطفال وتقبيلهم.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب الحسن والحسين وسائر أحفاده وأسباطه، وكان يعلن ذلك أمام الملأ، وكان يعبر عن ذلك بالقبلة والعناق والاحتضان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: “من لا يَرحم لا يُرحم” 29.

 الحديث فيه إشارة لطيفة في التربية وهي التعليم بالقدوة، تعليم الآخرين من خلال المشاهدة العينية وبالتطبيق العملي، لخلق لم تألفه العرب في الجاهلية.

وروى الإمام أحمد في مسنده وبسنده عن عمير بن إسحاق رضي الله عنه قال: كنت مع الحسن بن علي ولقينا أبو هريرة فقال: “أرني أُقَبِّلْ منك حيث رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل، قال، فقال: بقميصه، (يعني رفع قميصه عن بطنه) قال فقبل سرته” 30.

 اقتداء وتأس بالمصطفى عليه السلام حتى في تقبيل الأطفال وفي مواضع محدودة كالسرة، هكذا يكون الصدق في الإتباع وحسن الصحبة دون ابتداع.

4.   التربية على الرياضة والتنافس لليافعين.

هو ذا الرسول صلى الله عليه وسلم في مشهد تربوي لطيف يصف الصبية صفا صفا لينطلقوا في السباق سويا، يشركهم بذلك جميعا في بهجة الرياضة لتكتمل لهم المتعة ويطيب لهم العيش، 31 فعن عبد الله بن الحارث قال: “كان صلى الله عليه وسلم يصف عبد الله وعبيد الله وكثيرا من بني العباس ثم يقول: من سبق إلي فله كذا وكذا قال فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلزمهم” 32.

شرف وجائزة، ملازمة واحتضان لصبية يلعبون، ويعانق ويقبل ويشجع ويوقد الحماس، إنه المربي عليه الصلاة والسلام، حماس المنافسة، ينمي في الأطفال روح طلب المعالي والمسارعة إلى الخيرات بين الأقران، وهكذا تصنع الرجال لبناء الأمة.

5.  التعليم بالقول والفعل / بالعقل والعاطفة.

كان صلى الله عليه وسلم المربي الحكيم يقرن الفعل بالقول ويخاطب في الشباب العاطفة والعقل معا، ويستعمل التبشير والإنذار في التوجيه والموعظة.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم “كخ كخ 33 إرم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة” 34 يعلمنا الرسول الكريم كيف نؤدب الطفل ونحفظه عن كل ما فيه خطر أو خطأ، وكيف نزرع القيم النبيلة والأخلاق الفاضلة في نفس الصغير حتى يكون لها الأثر الواضح في كبره.

وعن أبي الحوراء السعدي قال: قلت للحسن بن علي: ما حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حفظت من رسول الله: “دع ما يريبك إلى مالا يريبك، فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة*” 35.

إنه بصدق؛ أطفالنا أكبادنا تمشي على الأرض كما قال الشاعر، لكن يكون لمشيهم على الأرض معنى ومغزى وذكر خالد لوالدنا ولأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إذا نحن حملناهم رسالة الإسلام يبلغونها جيلا بعد جيل.

خــلاصــة القول:

بعث الله عز وجل رسوله عليه الصلاة والسلام، إلى الناس أجمعين هاديا ومهديا ورحمة للعالمين “ووجد العالم يرزح تحت ركام من التصورات الخاطئة والمفاهيم الفاسدة والعادات الجاهلية، التي كانت الأنثى –بالخصوص- ضحية من ضحاياها، لكن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم واجه هذه التصورات وحطم تلك العادات الجارفة بنشر مبادئ الرحمة والرفق والمساواة  36.

هكذا رأينا معكم كيف يتعامل الرسول الكريم مع أفراد أسرته من أزواج وبنين وحفدة، ومع سائر أطفال مجتمعه المسلم، فالأسرة القوية عماد المجتمع القوي، والمجتمع القوي عماد الأمة القوية، فهي اللبنة الأساس في بناء المجتمعات.

من البيت تنطلق التربية، إن كان البيت يسكنه مؤمنون، وكانت قلوب المؤمنين يسكنها حب الله عز وجل، والخوف منه والرجاء فيه، فلا ريب أن تكون الأسرة كيانا محوريا لبناء شخصية الطفل ومحضنا قويا لتكامل نفسيته وتقويم سلوكه. فإذا كانت الأسرة أولى عوامل التربية، فالمدرسة ثاني العوامل لتحقيق الهدف التربوي النفسي والهدف التعليمي، وثالث هذه العوامل هو المسجد، وهو مركز حياة المسلمين الروحية والاجتماعية والتربوية، كل ذلك ينتج لنا تربية قرآنية مستقبلية علومية شاملة.

يقول محمد قطب رحمه الله “… هذان الخطان من خطوط التربية: الحب والحنان والرعاية من جانب، وتنمية القدرة على الضبط من الجانب الآخر… يظلان عاملين طالما كان هناك تربية وتوجيه – وهما- يمثلان أصلا من أصول التربية الإسلامية وهو التوازن” 37.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.


[1] سورة القلم الآية 4.
[2] سورة الأحزاب الآية 21.
[3] فتح الباري لابن حجر العسقلاني (1/549).
[4] أخرجه البخاري (1/122) ج 8. باب أصحاب الحراب في المسجد.
[5] لقب الأحباش (وهو اسم أبيهم الأقدم) كما ورد في لسان العرب (3/181).
[6] أخرجه البخاري (1/225) ج 13 باب الحراب والدرق يوم العيد.
[7] سرف: موضوع على بعد ستة أميال من مكة.
[8] البخاري (1/86) ج 6 كتاب الحيض باب كيف كان بدء الحيض.و في السنن للبيهقي 4/343(8064).
[9] ذات السلاسل: ماء بأرض جذام (إسم الماء سلسل)
[10] البخاري (2/413) كتاب فضائل الصحابة (3493) ومسلم (4403).
[11] صحيح البخاري 5643 ومسلم (4476).
[12] السام أو السأم يعنون به الموت.
[13] البخاري في كتاب الأدب باب الرفق في الأمر كله (4/87) (24 60).
[14] الصفحة: الإناء المبسوط كالقصعة ونحوها.
[15] البخاري كتاب النكاح باب الغيرة (3/382) (5225).
[16] إبراهيم ابنه عليه السلام من مارية القبطية وهو آخر أولاده مات على 18 سنة.
[17] الظئر: المرضعة غير ولدها، وظئر إبراهيم: هو زوج مرضعته، وكان قينا: يعني حدادا.
[18] رواه مسلم(4/1808) كتاب الفضائل. باب رحمته صلى الله عليه وسلم بالصبيان (2316)..
[19] البخاري (2/137) كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب من أهدى إلى صاحبه وتحري بعض نسائه دون بعض (2581).
[20] رواه مسلم (4/1903) فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم.
[21] البخاري (2/886) كتاب المناقب / ومسلم (4/1905) كتاب فضائل الصحابة.
[22] الترمذي (5/700) كتاب المناقب، باب ما جاء في فضل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم.
[23] نقلا عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في علاقاته الأسرية- دراسة موضوعية – لحسن محمد العبد البرش، أطروحة ماجستير (ص121 بتصرف).
[24] أطفالنا أكبادنا. ذة ياسين مريم ،مجلة منار الهدى العدد 13ص146.
[25] المسند المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم، 4/43. رقم 3130
[26] صحيح ابن حبان 15/426( رقم 7970).
[27] السنن الكبرى للنسائي 1/243 كتاب الصلاة موضع السجود رقم 727.
[28] صحيح البخاري 5/2281، كتاب الأدب باب الكنية للصبي رقم 5850.
[29] البخاري (4/82) كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته (5997).
[30] الإمام أحمد في المسند(2/255) وابن حبان(15/420) رقم (6965).
[31] أطفالنا أكبادنا، مريم ياسين. مجلة منار الهدي ع 13، ص 148 بتصرف.
[32] مسند أحمد 1/214 حديث تمام بن العباس بن عبد المطلب، رقم 1835.
[33] كخ كخ: هو زجر للصبي وردع، ويقال عند التقذر.
[34] صحيح مسلم 2/757 كتاب الزكاة باب تحريم الزكاة على رسول الله وآله.
[35] أخرجه الترمذي (4/6687) كتاب صفة القيامة رقم (2518).* والريبة هي القلق،والريب هو الشك.
[36] قطوف حافية من الرحمة النبوية ذ. محمد باعسو، مطبوعات الهلال الطبعة الأولى 2000، ص . 33 بتصرف.
[37] منهج التربية الإسلامية الجزء 2. محمد قطب ص 112. بتصرف.