قال الدكتور عمر إحرشان إن تفاعل الدولة مع مطالب المجتمع تتمثل “إما في عدم الاستجابة نهائيا للمحتجين ليظهر أن الاحتجاج لا يحقق مكاسب وإما لتخويف مناطق وفئات أخرى من هذا الاحتجاج، وإما الاستجابة الآنية بهدف المناورة والالتفاف، وإما أن تستجيب الدولة في الحد الأدنى بحيث يظهر للمحتجين بأن التناسب بين المكسب الذي تحقق والكلفة غير متحقق مما يدفع المحتجين للتفكير مستقبلا في بدائل أخرى، وإما بالاستجابة بدون ضمانات انحناء للعاصفة وانتظارا لتحول ميزان القوى ليتم الارتداد مثل ما حصل مع دستور 2011، الذي تضمن الكثير من الحقوق والحريات وترك أجرأتها إلى قوانين تنظيمية أو عادية أو مؤسساتية، ولكن سرعان ما اتضح أن هذه القوانين والمؤسسات دون مستو ى هذه الحقوق مما جعل الكل يتحدث عن التأويل الديمقراطي والتنزيل الديمقراطي للدستور”.

وفيما يخص الفاعل الحزبي تحدث إحرشان عن عجزه “بسبب خضوعه لضغوط، أو تحكم حركته رهانات أخرى أو يربط حركته بأهداف أخرى”، مما يجعل المجتمع “يلجأ إلى تطوير بدائل”، أو “بمراهنته دائما على الحكومة فيبذل مجهود كبيرا ليصل إلى رضى المخزن ولينأى بنفسه عن أن يكون خارج الحكومة لأنها تصبح جزءا من ماهيته ويصبح وجوده فيها شرطا لوجوده، خوفا من الاندثار بتحوله للمعارضة كما حصل مع الاتحاد الاشتراكي بعد 2002 والعدالة والتنمية بعد 2016 والتقدم والاشتراكية في الآونة الأخيرة”.

وأكد، في مداخلته في الندوة الدولية التي نظمت يوم السبت المنصرم بالرباط من قبل مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية والجمعية المغربية للعلوم السياسية ومؤسسة “كونراد أديناور” الألمانية وكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة أبي شعيب الدكالي بالجديدة، أن هذه الأحزاب “راهنت على أهداف دون فحص مدى معقوليتها وقدرتها على تحقيق التحول الديمقراطي في البلد من قبيل حيازة ثقة الملك وتحديث المخزن ومحاربة الفساد والاستبداد التي تحولت إلى الإصلاح في ظل الاستقرار التي تحولت إلى حكومة الإنجاز ثم حكومة الإنصات”. ثم يخلص إلى أن “الفاعل الحزبي يتحول دائما فيما لا يزداد المخزن إلا انفرادا وتحكما”، وهو ما يجعلنا “نتحدث عن انتقال ديمقراطي منذ 20 سنة دون أن ننجزه!”.

وما يقال عن الأحزاب، في نظر أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة القاضي عياض، “ينطبق على الكثير من النقابات التي أصبحت هي كذلك في موقع ضعيف؛ تهدد بالإضراب ولا تنجزه وإن أضربت يفقد الإضراب قوته كالأسد المخلوع المخالب”. وهو ما ينطبق كذلك، في نظره “على الكثير من الجمعيات التي تعرف إغراقا عدديا وليس نوعيا، وأهم مؤشر هو عدد الجمعيات الذي تزايد بشكل ملفت للنظر بعد 2005 أي سنة بداية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية!”.

في هذا السياق، رأى إحرشان أن المجتمع “لم يبق مكتوف الأيدي ولكنه طور بدائل” تتمثل إعلاميا وتواصليا في “تعويض الإعلام المتحكم فيه كليا أو جزئيا بمواقع التواصل الاجتماعي”، وتنظيميا في “تعويض مؤسسات الوساطة العاجزة بالتنسيقيات…”، ونضاليا وترافعيا “بتعويض المؤسسات غير التمثيلية بالشارع”. كما عمد المجتمع، يضيف، إلى “تجنب التضييق الأمني بتطوير الحملات الافتراضية ذات الأثر الواقعي الموجع لمن هي ضده”، وإلى “مقاطعة بعض البضائع…”. بل وهناك أشكال احتجاجية قمة في التصعيد “مثل التهديد الجماعي بالتخلي عن الجنسية والهجرة الجماعية لدولة أخرى… والبحث عن فضاءات عمومية احتجاجية أخرى مثل الملاعب الرياضية أو حتى البحر كما حدث في الريف”.

ونبه إحرشان إلى أن خيار الانتقال نحو الديمقراطية “لم يعد اختيارا ولكنه غدا إجباريا بحكم هذا الزخم والإصرار، وبحكم تزايد مستوى التعليم وبحكم الثورة الرقمية التي جعلت الشباب يرى ما يحدث أمامه في العالم”، ويدل على هذا في نظره “رقم الاحتجاجات التي وصلت حسب تصريح رسمي إلى أكثر من 17000 سنة 2017”.

ويرى إحرشان أن ما تستقبله البلاد من مراحل يعد مفصليا “بحكم أن أوراشا سابقة عدة لم يتم الاعتراف فيها بالفشل (السكتة القلبية، الانتهاكات الجسيمة…) دون تحديد الأسباب والمتسبب مما يعني استمرار منطق عدم ربط ممارسة السلطة بالخضوع للمحاسبة ومنطق الإفلات من العقاب. ولا يُتصور أن تُطوى صفحات هذه الأوراش الفاشلة دون قراءتها”، متسائلا: “كيف يمكن تسجيل نموذج تنموي في ثلاثة أشهر؟”، و“كيف يمكن أن يتم تعيين لجنة دون نقاش عمومي مفتوح”، معبرا عن خشيته “من أن نعيد إنتاج تجربة 2011 مع لجنة صياغة الدستور، التي لم تكن جمعية تأسيسية بالمعنى المتعارف عليه في القانون الدستوري، ولكن لجنة استماع، منطق اشتغالها يمكن اختزاله  في “لكل حرية التعبير ولنا صلاحية التقرير””. واعتبر أن “النموذج تنموي الناجح يرتهن أساسا للاستقلالية وعدم التبعية. والمشكل الكبير في الاقتصاد  المغربي هو تبعيته التامة لفرنسا. فكيف يصوغ نموذجا مستقلا من لا يزال يرتهن لفرنسا في زيادة ساعة لتوقيته؟!”، مشددا على أن “ملامح النموذج تتضح من خلال بعض المؤشرات مثل التصريحات الأخيرة حول خوصصة بعض المؤسسات الاستراتيجية والتي يمكنها تحقيق عائدات مهمة فقط بحسن التدبير.. والتحول الأكبر هو فتح الأراضي الفلاحية المغربية أمام شركات دول خليجية والمقامرة بالأمن الغذائي للمغاربة كما قامروا بأمنهم الطاقي”.

وخلص الدكتور إحرشان في نهاية مداخلته إلى أن “الحل يكمن في مقاربة جماعية تشتغل على تشكيل جبهة ميدانية لتعديل ميزان القوى وكذا لإعادة الثقة للشعب، بالموازاة مع تدشين حوار وطني للاتفاق على ميثاق يشكل مبادىء فوق دستورية على ضوئها يصاغ ميثاق تعاقدي”، معتبرا أن هذا الطريق وحده “كفيل بتأسيس دولة التعاقد والشراكة بعيدا عن عقود الإذعان ودولة الغلبة”.

جدير بالذكر أنه كان من بين المشاركين في هذه الندوة كل من المعطي منجب المؤرخ والفاعل الحقوقي، والناشطة السياسية لطيفة البوحسيني، والفاعل السياسي المصطفى ابراهمة، ومصطفى بوهني الناشط في حراك الريف، والفاعل السياسي عادل بنحمزة، والناشط المدني أحمد عصيد، والفاعل السياسي المصطفى مريزق.