في الوقت الذي كان ينتظر فيه المغاربة بفارغ الصبر عودة توقيتهم الأصلي مع نهاية هذا الشهر، حتى إن بعضهم كان يأمل في إعادة النظر في ازدواجية التوقيت من الأصل لما يحدثه لهم من إرباك ومن تشويش على حياتهم بمختلف تفاصيلها إسوة بما فعله الأوروبيون مؤخرا، كان لمجلس الحكومة رأي آخر واستجاب لهم بطريقته الخاصة عبر القطع مع تلك الازدواجية فعلا، لكن في الاتجاه المعاكس عبر تعميم التوقيت الصيفي وإسدال الستار نهائيا على توقيتهم الأصلي.

المؤكد أن هذه الخطوة استفزازية بكل المقاييس، وهي رسالة واضحة تبعثها الدولة للمغاربة بأن مصالح بعض كبرائها الاقتصادية مقدمة عليهم وعلى مصلحتهم، وأنها بهذا القرار قد بلغت مستوى غير مسبوق في إهانتهم، فرغم إجماعهم المطلق على رفض التوقيت الصيفي، فإنه لا يزال باقيا بل إنه قد تمدد ليشمل باقي شهور السنة حتى الشتوية منها، مما يعني أن معاناة عموم الشعب معه ستتفاقم.

حتى الطريقة الفجائية التي مررت بها قرارها، والسرعة التي تعاطت بها معه والتي لم تترك الوقت الكافي للمغاربة من أجل إبداء رأيهم فيه قبل إنفاذه، تثبت مدى ضعف حجتها ومبرراتها والتي جعلتها لا تحتمل فتح نقاش حوله مما اضطرها إلى تهريبه وفرضه أمرا واقعا في ظرف قياسي.

لا يخفى على أحد حجم الإزعاج التي تسببت به السلطة للناس ولمزاجهم باعتمادها للتوقيت الصيفي، والأمر سيزداد استفحالا الآن بعد هذا التغيير الذي سيكون له بالغ الضرر على الأطفال وتحصيلهم الدراسي، خصوصا القرويين منهم الذين سيضطرون للالتحاق بمدارسهم فجرا بعد قطعهم لمسافات طويلة في وقت جد مبكر في غياب أية حماية لهم، مما قد ينمي من ظاهرة الهدر المدرسي في صفوفهم وحتى من يصر على الصمود منهم رغم هذه المعيقات فإن مردوديتهم ستتأثر بلا أدنى شك.

كما أنه يعتبر هدية مجانية لكل موظف مستهتر، حيث سيجد ما يبرر به تقاعسه معطيا لما كان يفعله في السابق صبغة نضالية مستغلا هذا القرار من أجل التمادي في تسيبه دون خطوط حمراء.  طبعا كل هذا لا يهم أصحاب هذا القرار فلتتعطل كل مصالح الشعب ما دامت مصالحهم الشخصية مع الأوروبيين مضمونة.

الواقع أننا ندفع فاتورة هوس مسؤولينا بالأسياد الغربيين الذي يجعلهم ينكرون أية خصوصية محلية ويمارسون تطويعا قسريا، ليس فقط للعباد كما كان في السابق، وإنما للبلاد كذلك رغم حيثياتها الطبيعية والمناخية المختلفة عن بيئة الأوروبيين.

الجدير بالذكر أن قرار الحكومة هذا ليس القرار السيء الوحيد الذي بصمت عليه، فقد مررت ما هو أكثر فداحة منه غير أن ثائرة المغاربة ثارت عليه دونا عن سواه، ليس لأنهم نسوا همومهم الأخرى أو لأنهم غير مبالين، ولكن لأنهم لم يتصوروا أن يصل الجشع المخزني إلى هذا المستوى من التخريف والذي بلغ حد العبث بساعتهم البيولوجية، ثم إنهم كانوا يتوقعون أن يكافئهم النظام جزاء وداعتهم وصبرهم المبالغ فيه على تجاوزاته بحقهم أو على الأقل يكتفي بما راكمه من تعسفات، فإذا به يصدمهم ويلقنهم درسا قاسيا، فكلما زادوا انسحاقا زاد هو في غيه.

لقد بلغ المخزن حافة الجنون، فحتى الزمن لم يسلم من جبروته ومن نزعته التحكمية التي توهمه بقدرته على تشكيل كل شيء وفقا لهواه، دون أن يدرك أن عقارب الزمن التي يعبث بها اليوم لن ترحمه وستطوي صفحته مثلما طوت صفحات كل مجانين التاريخ.