يتعرض الإيغور المسلمون في إقليم شينغيانغ الصيني إلى حملة قمع ممنهجة ومتواصلة منذ 1949، تتخذ مظاهر وتجليات عدة تمس جميع مناحي الحياة؛ الدينية منها والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية وغيرها، في ظل صمت إعلامي وغياب أي اهتمام دولي وسيادة منطق “الغلبة للأقوى”.

والإيغور قومية من آسيا الوسطى ناطقة باللغة التركية وتعتنق الإسلام، قبل الاستقرار في تركستان الشرقية بغرب الصين (إقليم سنغيانغ حاليا) كان الإيغور قبائل متنقلة تعيش في منغوليا، وبعد سيطرتهم على القبائل المغولية وزحفهم نحو الشمال الغربي للصين في القرن الثامن الميلادي وصلوا إلى هذا الإقليم.

تمكن الإيغور من إقامة دولة تركستان الشرقية التي ظلت صامدة على مدى نحو عشرة قرون قبل أن تنهار أمام الغزو الصيني عام 1759 ثم عام 1876. وقد قام الإيغور بعدة ثورات نجحت أحيانا في إقامة دولة مستقلة، على غرار ثورات 1933 و1944، غير أنه سرعان ما أخضعتها الصين الشيوعية لسيطرتها سنة 1949. ومنذ ذلك الحين والحكومات الصينية تعمل على تغيير ديمغرافية المنطقة حيث دفعت بعرقية الهان الصينية لاستيطان الإقليم، وتحكم قبضتها الأمنية على المسلمين الإيغور.

ويمتد إقليم شينغيانغ (تركستان الشرقية سابقا) على مساحة شاسعة تمثل خُمس مساحة الصين وتتقاطع حدودها مع خمس دول مسلمة، ويزخر بثروات طبيعية هائلة، أهمها الفحم والغاز الطبيعي وخامات اليورانيوم والنفط الذي يغطي 80% من احتياجات الدولة الصينية.

وتخضع الحكومة الصينية الإقليم، منذ ضمه سنة 1949، إلى إجراءات قمعية مستمرة طالت جميع مناحي الحياة، نجمت عنها تغييرات بنيوية شملت التركيبة الديمغرافية والدين واللغة والثقافة.. سنحاول فيما يلي عرض أبرز تجلياتها.

– تهجير الإيغور المسلمين وتوطين عرقية الهان الصينية

تعرضت التركيبة السكانية للإقليم المسلم إلى تغيير كبير في بنيتها، فبينما كانت نسبة المسلمين في الإقليم تشكل الأغلبية الساحقة عام 1949م (97%)، تناقصت هذه النسبة بشكل كبير لتصل إلى حوالي 45% فقط، بسبب عمليات التهجير القسرية وهروب عدد كبير من أبناء الإيغور من صنوف القمع والاضطهاد والتعذيب إلى الدول المجاورة.

وفي المقابل شجعت الدولة الصينية منذ احتلالها للإقليم المسلم ملايين الصينيين من قومية الهان على الهجرة إليه، حيث قدمت الحوافز المغرية للعاطلين عن العمل ووفرت فرص تشغيلهم في الإقليم، بل وأرسلت آلاف المحكوم عليهم في قضايا سياسية أو جنائية إلى المنطقة المسلمة؛ وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبة السكان من عرقية الهان الصينية الذين أصبحوا يمثلون قرابة 42% في المائة من مجموع سكان الإقليم البالغ عددهم 24 مليونا، وبلغت نسبة الصينيين في بعض المدن الكبرى مثل “أرومجي” و”أقصو” و”قولجا” و”قورلا” و”التاي” و”قومول” و”بوريتالا” وغيرها نحو 90%.

– طمس الهوية الدينية

لبلوغ هذا الهدف تنهج الصين أساليب عدة، ابتداء من التضييق على أداء المناسك ومرورا بإخضاع المسلمين إلى تداريب “تعديل سلوك الأشخاص” وانتهاء بفرض تدابير أمنية مشددة وسن قوانين تسمح بإلقاء القبض على المشتبه بهم دون توفير حماية قانونية لهم.

ويمكن إجمال مظاهر التضييق في هذا الباب فيما يلي:

* الحرمان من أداء الصلاة والشعائر الدينية إلا في إطار ضيق وتحت المراقبة.

* منع تداول المصاحف والكتب الدينية.

* إجبار المسلمين على الإفطار في نهار رمضان، ومنعهم من الصيام.

* منع استخدام مكبرات الصوت لرفع الأذان بحجة إزعاج السكان.

* منع تطبيق الأحكام الشرعية في تنظيم الأحوال الشخصية، التي تتعلق بالزواج والطلاق والميراث.

* حظر اللباس الشرعي للنساء ومنع تصنيعه، وحظر إطلاق اللحى للرجال.

* طمس المعالم الإسلامية وإغلاق المساجد وتسريح الأئمة. (وفق تقرير نشرته الجزيرة نت فإن السلطات الصينية أغلقت خلال العقدين الماضيين أكثر من ستة آلاف مسجد، وسرحت عشرات الآلاف من الأئمة الإيغور).

* تحريم الطعام الحلال وإجبار المسلمين على أكل لحم الخنزير في المدارس وأماكن العمل.

* حظر استخدام الحروف العربية.

* إخضاع المؤسسات التعليمية للمناهج الصينية.

* نشر الانحلال والإباحية ومحلات بيع الخمور في مناطق المسلمين.

– حريات شخصية معدومة

حذر تقرير أصدره الكونغرس الأميركي من أن حملة السلطات الصينية ضد المسلمين الإيغور “قد تشكل جرائم ضد الإنسانية”، غير أن الخارجية الصينية اعتبرت إجراءاتها ضرورية من أجل “الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي”.

وتتمثل الممارسات التي تمس الحرية الشخصية في:

* منع الاتصالات الخارجية عمن يشتبه بصلاتهم مع معارضين في الخارج.

* التضييق على استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

* الحرمان من السفر لمن يشتبه بكونهم يحملون أفكارا معارضة.

* منع تجديد جوازات سفر المعارضين خارج البلاد.

* المراقبة المستمرة ونشر الكاميرات وأجهزة المسح الضوئي حتى في القرى النائية.

* أخذ عينات من الحمض النووي لتسهيل متابعة المعارضين.

* تزويد السيارات بشرائح تتيح ملاحقة تنقلها عبر الأقمار الاصطناعية.

* الاعتقال والإخضاع للتحقيق في المراكز الأمنية دون تهم محددة.

* التمييز ضدهم في حق الحصول على وظائف حكومية.

– إحداث معسكرات احتجاز سرية

كشفت الأمم المتحدة، استنادا على تقارير موثوقة، عن وجود نحو مليوني شخص من الإيغور المسلمة في معسكرات صينية سرية في إقليم شينغيانغ، تطلق عليها السلطات “معسكرات التلقين السياسي” أو “إعادة التأهيل”. وتتم عمليات الاحتجاز، حسب منظمات حقوقية، بشكل اعتباطي، وتعتمد على أفعال غير مؤذية مثل الصلاة وإطلاق اللحية وارتداء الحجاب أو حتى إرسال بطاقة تهنئة على الانترنت في الأعياد الإسلامية. ودعت الأمم المتحدة إلى تحرير المحتجزين، ووصفت المعسكرات بأنها “منطقة ليس بها حقوق”.

ومن الممارسات التي تجري في المعسكرات ضد المحتجزين:

* منع الاتصال مع الأقارب في الخارج.

* فصل الأطفال عن ذويهم المحتجزين مما يجعلهم عرضة للانحلال الأخلاقي والفساد الاجتماعي.

* تعريض المحتجزين لبرامج غسل الأدمغة وتعديل سلوك، بحجة مكافحة الأفكار المتشددة والتطرف.

* كما يتعرض المحتجزون لصنوف مختلفة من التعذيب، من بينها الإيهام بالغرق.

إضافة إلى كل هذه المظاهر التي تدل على حجم الاضطهاد الذي يعيشه الإيغور المسلمون، تنضاف اجتهادات سلطوية أخرى تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي أو بعض المواقع الإلكترونية من حين لآخر، من قبيل إجبار المسلمين الإيغور في الإقليم على معايشة ملحدين صينيين واستضافتهم في بيوتهم، ومضايقة وتهديد الإيغور المهجرين في جمهوريات آسيا الوسطى وتركيا ودول أخرى بإمكانية إرجاعهم قسرا إلى البلاد، ومصادرة منازل وأملاك الإيغور الذين هربوا من الظلم، والقبض على المسلمين الأثرياء ومصادرة أموالهم بدعوى تمويلهم نشاطات دينية في الخارج، ناهيك عن سياسة إذلال العلماء والمثقفين والناشطين وإيداعهم السجون بتهم باطلة..

كل هذه المعطيات تبين، بما لا يترك مجالا للشك، أن الصين لا تدع وسيلة ولا طريقة لاضطهاد مسلمي الإيغور في تركستان الشرقية إلا واتبعتها، ضاربة بشعارات “التعايش” و”المساواة” و”الحرية الدينية” و”حماية الأقليات” و”حقوق الإنسان” عرض الحائط، ليظهر أنها محض افتراء وخداع وتعتيم على الحقيقة التي أصبحت جلية، في ظل الحملة العالمية المسعورة ضد المسلمين أو ما يعرف بموجة الإسلاموفوبيا، وهي التضييق على المسلمين ومحاربتهم. 

المصدر: الجزيرة نت + المسلم نت + BBC عربي.