إن ما أقدمت عليه الحكومة المغربية فيما يخص الإبقاء على التوقيت الصيفي طيلة السنة، قرار متهور. وما أعقبه من إجراءات تدبيرية لوزارة التربية الوطنية لتنظيم الزمن المدرسي قرار غير مسؤول يضرب عُرض الحائط مصلحة المتعلم، ويخل بتوازن منظومة التربية والتعليم في كل أبعادها.

تبدو قضية هذا الموضوع المثار اليوم جزئية مقارنة مع طبيعة الأزمة التي تعرفها منظومة التربية والتعليم بشكل عام، إلا أن أغلب الناس لم يدرك عمق الأزمة في كل أبعادها حتى لامست بعد الزمن باعتباره البعد الفيزيائي الرابع للمكان، وباعتباره أمرا محسوسا وقابلا للقياس. فالزمن كما يقال “نهر جار باتجاه محدد لا يمكن العودة فيه”. فبمقياس الزمن يدرك المرء الأبعاد الخفية للمكان. و”الزمن” المتحدث عنه هنا هو “الزمن المدرسي” و”المكان” يقصد به “فضاء منظومة التربية والتعليم”.

فعلا الحديث عن الزمن المدرسي فرع من منظومة تربوية متكاملة الأركان. إلا أن التطرق إليه اليوم أمر واجب، والحديث عن إفلاس التعليم أوجب. سفينة التعليم تبحر في محيط متلاطمة أمواجه، وبوصلتها مفقودة وراكبها قلق وربانها غير مكترث لمخاطر الإبحار.

قرار حكومة مفاجئ من أجل الإبقاء على توقيت صيفي دائم، وتدبير وزارة التعليم غير حكيم: ثماني ساعات يوميا بفاصل ساعة بين الحصة الصباحية والحصة المسائية للتحصيل الدراسي!

بصفتي مدرسا لثلاثة عقود، أظن أنني راكمت من التجربة ما يؤهلني لطرح الأسئلة البيداغوجية التالية بعيدا عن المزايدات السياسية والتشنجات العاطفية:

– كيف يمكن لمتعلم أن يقاوم حاجياته البيولوجية – من غذاء وراحة…- والتي خصصت لها ستون دقيقة، ليستأنف حصته المسائية لحشو عضلته الدماغية المتعبة بمعرفة جديدة وجسد منهك بين وقوف في الأزقة وجلوس على طاولة كئيبة في مدرسة بئيسة؟

– كيف يمكن تحصين تلميذ في تلك الساعة خارج أسوار المدرسة من آفات الشارع المتعددة ألوانها والمتكاملة أدوارها والتي تستهدف عقول الشباب وأجسادهم وأرواحهم؟

من أجل البحث عن أجوبة مقنعة، أسمح لنفسي بفتح مجال الافتراض:

لو استشارت حكومتنا الموقرة مع خبراء التربية والتعليم لأغرقوها بالوثائق والدراسات التي تتحدث عن الساعة البيولوجية لجسم المتعلم، وأضرار الساعة المصلحية على منظومة التربية والتعليم بصفة عامة سواء أتعلق الأمر بالبعد التربوي أو البعد البيداغوجي أو حتى البعد التدبيري…

من يطلع على التجارب الناجحة للدول الرائدة في مجال التعليم، والمتقدمة في التصنيف العالمي وفق مؤشرات دقيقة، يكتشف أن سر تقدمها وريادتها في التربية والتعليم يرجع أساسا لاستجابتها لتلبية رغبات المتعلم والمعلم. ومن أبرزها تدبير الزمن المدرسي بتوسيع دائرة الاستشارة والاستماع للمتعلم وللمؤسسات التي تمثله (الأسرة، جمعيات الآباء، الاتحادات…). وأغلب التجارب الناجحة والمدارس الرائدة تعتمد على التحصيل العلمي الموزع زمنه على النحو التالي: المعرفة 25% والتطبيقات 50%، أما 25% المتبقية فهو وقت خاص بالمتعلم للاستيعاب والتذكر ثم التوظيف.

لنسائل مدرستنا المغربية المأزومة، والمتدنية رتبتها بين شقيقاتها الإقليمية والعالمية:

ما هي هندسة الزمن الدراسي في هذا البناء المثلثي الرائد، والمتجسدة أقطابه في البناء التالي: savoir- savoir faire- savoir être”. ؟

واقعنا التعليمي يشهد على أنه لا مكانة لخبراء التربية والتعليم في هندسة القرارات والاستشارات، ويبقى الارتجال في التدبير سيد الموقف، والتجريب وإعادة التجريب الحل الوحيد لإصلاح منظومة التعليم، بدأ ذلك مع الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999، وانتهى حاليا بوضع الرؤية الاستراتيجية الجديدة لإصلاح التعليم من 2015 إلى 2030.

عقدان من الزمن مرا في تجريب الإصلاح وإصلاح الإصلاح قاسمها المشترك الفشل في التنزيل. والجميع يترقب تحقيق شعار: “من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء”.

لكن للأسف، يبقى القرار السياسي في وطننا الحبيب يهمن على القرار التربوي في منظومة التربية والتعليم.